قبل الغوص في تقييم المشهد اليومي لكورنيش بيروت يجب طرح السؤال المحوري: لماذا يجب التصدي دوماً لمشروع الكيوسكات على كورنيش الواجهة البحرية من دون تردد، اليوم وغداً ومستقبلاً؟

بداية، لا بد من الإشارة الى ان العمل البلدي، بمفهومه الحقيقي، عمل إنمائي واجتماعي وخدماتي، أي انه الركيزة الاساس لعملية التنمية المحلية. وبما ان رئيس المجلس البلدي وأعضاءه يُنتخبون مباشرة من أبناء بيروت، يكون لزاماً عليهم احترام خيارات هؤلاء ومصلحتهم، لا تغليب المصلحة الهادفة الى انتفاع أشخاص بعينهم مؤثرين على أصحاب القرار في العاصمة، مع الإشارة الى ان محافظة بيروت - كاستثناء - المحافظ هو المسؤول التنفيذي الأول فيها، خلافا لما هو عليه دور المحافظ في بقية المحافظات. وهنا نتساءل: هل مشروع الكيوسكات للمصلحة العامة ام لأشخاص بعينهم، ولماذا اعتمدت طريقة الاتفاق بالتراضي على ما تحمله من علامات استفهام مشروعة حول شفافيتها؟

العلاقة مع البحر
أثبت قرار مشروع الكيوسكات الجائر ان التعاطي بشؤون العاصمة يفتقد الى المقاربات الاجتماعية والانسانية، ويتم بأعلى درجات الجشع، حتى ولو كانت نتيجته اغتصاب ما تبقى من الهواء النقي نسبياً على كورنيش بيروت، والقضاء على البقية الباقية من الروح الانسانية والاندماج الاجتماعي للمدينة. وهذا ما يتجلى في المشهد الصباحي اليومي، حيث يتفاعل رواد الكورنيش - وهم من نسيج اجتماعي متنوع مهنياً واجتماعياً - خلال ممارستهم رياضة المشي والهرولة او صيد الأسماك او الجلوس على المقاعد الإسمنتية، يوحّدهم النظر الى الأفق وتأمل بحر بيروت الذي يئن شاطئه بالنفايات والملوثات امام اعين مسؤولي البلدية.
أثبت الاتفاق بالتراضي الذي وقعه المحافظ لمصلحة من يدعون ان المشروع خدمة للبيارتة ويؤمن فرص عمل لأبنائهم، ان لا علاقة للمعنيين به بمصلحة بيروت وأبنائها لأنهم، من جهة، يفتقدون الى ذاكرة المدينة الجماعية، وركيزتها تكمن في أهمية تلازم علاقة البيارتة بالبحر. ومن جهة ثانية تناسي ذاكرتهم القريبة التي تعود الى تسعينيات القرن الماضي عندما حقّق الرئيس الشهيد رفيق الحريري إنجاز إزالة فانات القهوة التي كانت تنتشر على طول الواجهة البحرية، والتي عاث أصحابها فسادا على كورنيشها فحوّلوه مرتعاً للدعارة وترويج المخدرات وممارسة البلطجة على الرواد.

قضاء على البقية الباقية من الروح الانسانية والاندماج الاجتماعي للمدينة


لذلك، يصبح مشروعاً التساؤل الموجّه الى المعنيين بمشروع الكيوسكات، محافظاً وبلدية: لماذا لم يستبدل الرئيس الحريري الفانات بالكيوسكات وهل كانت تنقصه الرؤية التنموية لذلك؟ وهل كان الرئيس الشهيد الذي نفذ اكبر مشروع إعماري في المنطقة حينها غافلاً عن تأمين فرص عمل للبيارتة من خلال كيوسكات؟ وهل تناسى أصحاب الشأن دعوته عام 1992 أبناء العائلات البيروتية الى قريطم ليزفّ اليهم إنجاز عملية ازالة الفانات والعوائق عن الكورنيش ليصبح لبيروت والبيارتة متنفس يمتد من الواجهة البحرية لسوليدير حتى الرملة البيضاء؟
فهذا الكورنيش يعدّ، من الناحية البيئية، اقل المناطق تلوثاً ضمن النطاق الجغرافي للعاصمة. إذ ان الرياح التي تهب على الشاطئ معظم أيام السنة غربية وجنوبية غربية، ما يدفع الانبعاثات الملوثة المتراكمة في أجواء بيروت - بحسب قوة سرعة الرياح - في اتجاه الداخل شرقاً، الأمر الذي يجعل هذا الحيز الجغرافي أقل المناطق تلوثاً على مدار السنة، بنسب منخفضة ومتفاوتة. وأي تغيير في وظيفة واجهة بيروت البحرية الحالية سيؤدي الى زيادة معدلات التلوث في مجالها الجغرافي بحراً وشاطئاً ويابسة، اي الى مزيد من الأمراض الرئوية والجلدية الخطيرة وبوتيرة متسارعة رغم ان الوضع البيئي الراهن لا يعتبر مثالياً نتيجة قصور العمل البلدي البديهي.

توصيفات سطحية
يتحدث المعنيون بالاجازة للمشروع ومنفذوه عن تأمين فرص عمل للبيارتة. هذا الإدعاء المزعوم يدفع للتساؤل عما اذا كان هذا سيزيد الناتج القومي ويؤدي الى انخفاض معدل البطالة في العاصمة؟ أم أن هذه ليست سوى شعارات للتعمية و تبريراً إعلامياً للذين سينتفعون فعليا من المشروع الذي سيؤمن لهم مداخيل بمئات الآلاف من الدولارات على حساب اغتصاب حق البيارتة في المتنفس الوحيد المتبقي لهم من الواجهة البحرية لمدينتهم؟
كما يجري الترويج للمشروع باعتباره «حضارياً»، وهو توصيف فارغ يحاول استغباء أبناء العاصمة، إلا إذا كنّا سنصدّق أن فرنسا، مثلاً، دولة متخلّفة عن الركب الحضاري لأنها تمنع انشاء كيوسكات على طول واجهتها على المتوسط، باعتبارها ملكية عامة لجميع المواطنين لا يحق استغلالها للربح الشخصي. والأمر نفسه ينطبق على جميع شواطئ المتوسط.

انطلاقا من ذلك، نطرح التساؤلات الآتية:
- اذا كان الادعاء ان الغاية من الكيوسكات هو تحقيق مداخيل إضافية للبلدية، ألم يكن من الأجدى بداية اجراء تقويم لجدوى الإنفاق البلدي على عشرات النشاطات الفولكلورية والتنويعات المعروفة المتعددة خلال السنوات الماضية، والتي لا تمت الى التنمية المدينية بصلة؟ وهل جرى تقدير العائدات على الاقتصاد الجزئي الذي استهدفته هذه النشاطات المقدرة بملايين الدولارات دفعت من جيب المكلّف البيروتي؟
- اذا كان المعنيون بالعمل البلدي اعطوا بعداً «فلسفياً» لأهمية انشاء الكيوسكات «الحضارية» وانعكاسها على الكورنيش، فلماذا تركوا هذا الكورنيش مهملاً، أقله طوال السنوات الثلاث الماضية، ولم يعمدوا مثلاً الى صيانة حجارة أرصفته ومقاعده ودرابزينه دورياً؟
- بدل الاعتداء على مجال الكورنيش الطبيعي وتشويهه بالكيوسكات، لماذا لا يتم تلزيم انشاء مراحيض كل ٢٥٠ متراً في الوسطيات حفاظا على الصحة العامة؟ وهل سبق لأي من المعنيين بالمشروع ان ألقى نظرة على المرحاضين الوحيدين الموجودين حاليا على طول ستة كيلومترات من الكورنيش لتفحّص حالهما المزرية؟ ولماذا تغلق هذه المراحيض أبوابها يومي السبت والأحد والأعياد، وكأن قضاء الحاجة الطبيعية لرواد الكورنيش يكون في إجازة هو الآخر؟
- لماذا لا يخصص مسار محدد لراكبي الدراجات الهوائية على الكورنيش حماية للمشاة عليه؟ وأين هي التشريعات التي تفرض على من ينزّهون حيواناتهم جمع مخلفاتها؟ ولماذا لا تفرض غرامة فورية على من يخالفون تطبيق قواعد النظافة هذه؟ أليس هذا عملاً حضارياً يمكن تنفيذه من دون انشاء كيوسكات؟
- لماذا لا تعتمد الطاقة الشمسية في انارة الكورنيش الذي يبقى في الظلام الدامس ليلا ؟ أليس هذا عملا حضارياً أيضاً؟ ولماذا لا تجمع النفايات من شاطئ الكورنيش الصخري يوميا كما كان يتم سابقا مع الشركة السابقة؟ وأين هي الشرطة البلدية كي تغرّم كل من يرمي القاذورات وأكياس النايلون في بحر بيروت؟ أليس هذا عملا حضاريا يساهم في حماية بيئة بيروت البحرية والحفاظ على ثروتها السمكية؟ وأين هي اعمال تمديد قساطل المجارير التي تصب باتجاه عمق البحر للحد من التلوث الشاطئي؟
أخيرا، وبعد طلب رئيس الحكومة من المحافظ والبلدية إلغاء المشروع نهائياً، يتم التداول بسعي الشركة التي كان مقرراً أن تنفّذ المشروع لمطالبة البلدية بتعويضات عن أمر لم ينفذ! بمعنى آخر، إما اغتصاب واجهة بيروت البحرية او تدفيع البلدية خوّة، وهذا ما يجب على المكلفين البيارتة الحذر منه واليقظة تجاهه لانه سيكون اغتصاباً موصوفاً لحقوقهم في الأملاك العامة التي سيسعون لاستباحتها دون كلل أو ملل.
هذا غيض من فيض ما تحتاجه واجهة بيروت البحرية، والعاصمة عموماً. هذه المدينة المتروكة لقدرها والصامدة تعرف متى وأين ومن ستحاسب. أهالي بيروت ليسوا شعبويين بطبيعتهم الاجتماعية، بل يمثلون رأياً عاماً حضارياً مسالماً، وهم يعضّون على الجرح، لكنهم لا يستكينون. بيروت درّة المتوسط، وواجهتها البحرية لؤلؤتها، فاحموها ولا تخذلوها امام جشع الجاشعين و مكر الماكرين.
*استاذ جامعي، عضو الجمعية الجغرافية اللبنانية.