سنة مرّت على بدء المصلحة الوطنية لنهر الليطاني مسح التعديات على الأملاك النهرية وإزالتها. مع ذلك، لا تزال العملية في بدايتها، نظراً إلى ضخامة حجم التعديات التي تغطي نحو نصف مليون متر مربع، أُنشئت فوقها متنزهات ومطاعم ومنتجعات ومنازل وشاليهات خاصة. في بلدة كفرصير (قضاء النبطية)، مثلاً، تم تحرير نحو ثمانية آلاف متر مربع من المساحات المعتدى عليها، كانت تشغلها أربع استراحات عامة واستراحة خاصة، فيما لا يزال أمام المصلحة تحرير مساحات تقوم عليها أربع استراحات عامة و111 استراحة خاصة! الأمر نفسه ينطبق على بلدة قعقعية الجسر المجاورة التي أزيلت التعديات فيها عن نحو 21 ألف متر مربع كان يشغلها أصحاب 20 استراحة خاصة و5 متنزهات من أصل 11.

بحسب المسح، فإن كل البلدات الواقعة على ضفتي النهر وروافده (كنهري الدلافة والخردلي) تشهد صنوفاً متنوعة من التعديات. في شحور (قضاء صور)، مثلاً، يشغل مخيم كشفي أراضي تابعة للمصلحة، فيما أقامت البلدية حمّامات عامة في حرم الليطاني. وفي كفر صير، أنشأت قوات «يونيفيل» جسراً فوق النهر. وتشغل إحدى الجمعيات مساحة 3 آلاف و100 متر مربع في طيرفلسيه (قضاء صور)، ومساحة 760 متراً مربعاً في صير الغربية (النبطية). المساحات الهائلة لا تقتصر على بلدات الجنوب. متنزه يدعى «المغارة» يشغل وحده مساحة 2549 متراً مربعاً على ضفاف الليطاني بين لوسيه وقليا. وبين لوسيه ويحمر، يشغل متنزه «السما قريبة» نحو خمسة آلاف متر مربع.

كل البلدات على ضفتي النهر وروافده تشهد تعديات


تقرير المصلحة يؤكد أن «جميع الاستراحات على ضفاف الليطاني تتعدى على مجرى النهر الطبيعي والأملاك النهرية التي تم تحديدها على الخرائط العقارية». وقسمت هذه الاستراحات إلى عامة يستثمر أصحابها عقارات قريبة من النهر ويتعدّون على أملاك نهرية عامة، وخاصة للاستخدام الشخصي. حتى الآن، بلغ عدد الاستراحات المتعدية الممسوحة 293، منها 131 عامة و162 خاصة. وبلغت المساحات المحررة 36 ألف متر مربع ضمن الاستراحات. ومن أبرز التعديات المزالة، 45 سداً وعائقاً أمام الجريان الطبيعي للمياه ومسابح وجسور وحفر صرف صحي. أما في الحوض الأعلى، فبلغت المساحات المحررة 128 الف متر مربع، منها استراحات وتجمعات للنازحين السوريين ومشاريع زراعية ومسالخ ومزارع ومكبات عشوائية.
المسح طال حتى الآن نحو 35 في المئة من الاستراحات في الحوض الأدنى. لكن الصور الجوية أظهرت أن المساحة المعتدى عليها قد تبلغ 192 الف متر مربع تقوم فوقها نحو 342 استراحة ومنشأة. وفي الحوض الأعلى، تم تحديد المساحات المخالفة عبر الجو بنحو 258 الف متر مربع أقيمت فوقها 408 منشآت وتجمعات للنازحين السوريين.
وبالتزامن مع إزالة التعديات، تقدمت المصلحة بشكاوى أمام النيابة العامة المالية بحق أصحاب 62 استراحة عامة وخاصة في الحوض الأدنى.



الدولة «تشرعن» التعدي!
تخضع الأملاك العمومية النهرية لوصاية وزارة الطاقة والمياه. وقد أحصى المدير العام لمصلحة الليطاني سامي علوية 352 مرسوماً أو قرار إشغال أو تخصيص أملاك نهرية لمحظيين، صدرت بين ٢٩ آب ١٩٢٩ و ٣١ ايار ٢٠١٩. ويلفت إلى صدور قرار عن وزير الطاقة والمياه الأسبق محمد فنيش، في تشرين الثاني 2005، ألغى فيه «جميع القرارات السابقة الصادرة عن الوزير أو أي جهة أخرى»، طالباً من «جميع شاغلي الأملاك العمومية النهرية بموجب قرارات إدارية أو من دون مسوغ قانوني، مراجعة الوزارة لتسوية أوضاعهم المالية والقانونية خلال مهلة شهرين من تاريخ نفاذ القرار». رغم ذلك، لم يُلغ أي من القرارات السابقة، بل صدرت قرارات ومراسيم إشغال جديدة. استعراض تراخيص الإشغال الصادرة بمراسيم جمهورية، بتوصية من الوزراء المتعاقبين، يكشف في أحيان كثيرة عن تغطية لمنافع خاصة. يؤكد علوية أن الوزارات المتعاقبة لم تقم بإعداد مراسيم وخرائط لتحديد الأملاك النهرية، سواء على الأنهار الداخلية كالليطاني أو الدولية كالعاصي، في حين أن دولة لبنان الكبير تنبّهت للأمر وأصدرت مرسوماً عام 1934، يحدد الأملاك العمومية للأنهر وفق خرائط محددة على النحو الذي يحميها وفقاً للقرار 144 الصادر في 1925.