لم يكن خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، الأسبوع الماضي، حول التهديد الكبير الذي يمثّله فيروس كورونا المستجد على لبنان واللبنانيين، سوى إعلان عن «حالة الحرب» التي بات الحزب يتصرّف على أساسها منذ أسابيع، طبّياً على الأقل.

ولأن الحزب يدرك محدودية قدرة الدولة على مواجهة انتشار الفيروس، والهامش الضيق لإمكانات وزارة الصّحة، وكان يراقب عن كثب تطوّر الأوضاع في إيران مع بدء انتشار الوباء، شرعت قيادة المقاومة، منذ الإعلان عن أول إصابة في لبنان، في الإعداد لجهوزية التدخل ودعم الدولة ووزارة الصّحة، على الأقل في مناطق بيئته الحاضنة. فيما قدرات الحزب، العلمية واللوجستية والمالية والصحيّة والبشرية، وانضباط عناصره وخبرة كوادره في العمل تحت الضغط، تجعل منه محطّ آمال أنصاره وغيرهم ممن يرزحون تحت ضغط انعدام الخدمات الأوليّة في النظام اللبناني المهترئ وغياب ثقتهم بالدولة.
وبحسب مصادر في الهيئة الصحيّة الإسلامية، فإن «الحزب، منذ اللحظة الأولى لاستشعار الخطر، وضع إمكاناته الصحيّة كاملةً تحت تصرّف وزارة الصّحة، وبدأ الإعداد لخطة المواجهة». الخطوات التي تتوسّع يومياً، مع استكمال وضع الخطة العامة للمواجهة ومن ضمنها الخطة الصحيّة وتحضير الماكينة التنفيذية، بدأت مع بدء عودة الطائرات من إيران وبعض الدول التي عانت من انتشار الوباء، إذ شُكّل «فريق تدخل» طبّي لمساعدة وزارة الصحة في استقبال الوافدين وفحصهم وفرزهم، إما في باحة المطار أو في أماكن خاصة أخرى جرى نقلهم إليها، وتوصيتهم بالحجر المنزلي وتزويدهم بالإرشادات، مع وضع لوائح مفصّلة بأسمائهم وعناوينهم ومتابعتهم بشكل يومي. الإجراء نفسه اعتُمد مع القادمين من إيران عبر المعابر البرية مع سوريا (بحسب المعلومات، لم تسجّل أي إصابة في صفوف هؤلاء). كما بدأ الحزب في توسيع ورشات التثقيف والإرشاد وإعداد المنشورات، ويتوقع أن يصدُر اليوم أو غداً كتيّبٌ شامل حول كل ما يتعلّق بالفيروس.
توضح المصادر أن «الخطوة الثانية كانت الحفاظ على مراكز الاستشفاء لكي تستمر في تقديم الخدمة الصحية العادية ولا تتحوّل إلى أماكن لنقل الفيروس. لذلك اتُّخذت إجراءات منذ البداية لحماية هذه المراكز، ووُضعت فرق طبية على مداخل أكثر من ستين مركزاً صحياً تابعاً للهيئة لقياس درجة حرارة الزائرين وسؤالهم عن أي عوارض وما إذا كانوا قد سافروا أخيراً. وبالفعل تم اكتشاف بعض الحالات التي نُقلت بالتنسيق مع الصليب الأحمر اللبناني إلى مستشفى رفيق الحريري».
الخطوة الثالثة تمثّلت في حملات التعقيم الدوري التي ينظّمها الحزب للأماكن العامة في الجنوب والبقاع وبعض مناطق بيروت ومن ضمنها دور العبادة، وتزويد العائلات التي أصيب أفرادها بالفيروس بمواد تعقيم وتدريب أصحابها على استخدامها. كما وُضع مركز للاتصالات (call center) في تصرّف المواطنين يداوم فيه أطباء واختصاصيون في حالات الحجر للرد على الاستفسارات وتقديم الإرشادات اللازمة.
وعدا عن المتابعة مع المستشفيات التي تقع ضمن مناطق انتشار الحزب والمستشفيات التابعة له واكتمال عملية تجهيزها، شُكّلت لجنة علميّة لمتابعة تطوّر المرض عالمياً ومحلّياً وإصدار توصيات إلى لجنة فنيّة لتطوير الجهود في حال حصول الأسوأ.
وتعتمد إجراءات الهيئة في حال الوصول إلى أكثر السيناريوات تشاؤماً على إنشاء مستشفيات ميدانية في المناطق لاستيعاب المصابين، وعزلها عن المستشفيات الأخرى للحفاظ على انتظام الاستشفاء العادي، أو إنشاء مستشفى ميداني مخصّص بحجم كبير بحسب الإمكانات. وقد بُدئ العمل فعلياً على تحديد البقع الجغرافية لبناء هذه المنشآت متى استدعت الحاجة. كما تعمل الهيئة على تشكيل مستوصفات نقّالة وتحضير طواقمها لتكون جاهزة للوصول إلى المناطق النائية والتجمعات الصغيرة في الجرود، بالتوازي مع تشكيل فريق تدخل، بالتنسيق مع البلديات، في كل قرية في الجنوب والبقاع وبيروت، وجزء من الشمال وكسروان وجبيل، حيث تنتشر مراكز الهيئة. «وفي حال احتاجت مناطق أخرى سنقوم بالمساعدة بالقدرات المتاحة، طبعاً بالتنسيق الكامل مع وزارة الصحة التي نتولّى القيام بمهام تكلّفنا بها في مناطق تواجدنا، بما يساهم في تركيز جهودها في مناطق أخرى»، بحسب مصادر الهيئة.

خطة لإنشاء مستشفيات ميدانية في المناطق في حال خرج انتشار الفيروس عن السيطرة


وفي السياق أيضاً، لا يُغفل الحزب الوضع الاقتصادي الصعب الذي سيستفحل مع استمرار التعطيل. لذلك بدأ درس خطّة مواكبة الإجراءات الصحيّة بتقديم بعض أنواع الدعم الغذائي للعائلات المحتاجة والتي ستكون عرضة للجوع في حال تفاقم انتشار الفيروس وانعدمت سبل الحياة.
ومع فارق الإمكانات والقدرات، لا يبدو حزب الله وحيداً في محاولته تعويض دور الدولة، إذ تحاول قوى سياسية عدة القيام بتحرّكات، بعضها فعلي وبعضها دعائي، للمساهمة في مواجهة انتشار الفيروس.
حركة أمل بدورها أعلنت في 3 آذار حالة طوارئ وشكّلت لجاناً مشتركة مع البلديات وكشافة الرسالة والدفاع المدني التابع لها للقيام بعمليات تعقيم في الأماكن العامة.
أمّا التيار الوطني الحرّ، فعمل أيضاً على إعلان استنفار وتشكيل خدمة توصيل الحاجات إلى العائلات في ظلّ الحجر ورشّ المعقّمات في أماكن عامة في المتن وكسروان، بينما عملت القوات اللبنانية على توزيع معقّمات في جزين وبشرّي. وقام الحزب السوري القومي الاجتماعي بمبادرات في المناطق لإيصال الأغراض إلى العائلات التي اختارت الحجر الطوعي وبعض عمليات التعقيم.
وينشط في البقاعين الغربي والأوسط، حزب الاتحاد والوزير السابق حسن مراد على تحويل «أفواج الثلوج» والدفاع المدني التي شكّلها خلال العامين الماضيين، للقيام بعمليات تعقيم دوري للأماكن العامة ومراكز الجيش اللبناني، واستحضار بعض المعدات من الخارج، وتوزيع عشرات آلاف المعقمات الصغيرة على المارّة والبيوت. كما سيعمل الحزب في الأيام المقبلة على تأمين ألف حصة غذائية وحصص تعقيم، وتشكيل مجموعات من المتطوّعين للقيام بحملات تعقيم مستمرة لكل قرية بالتعاون مع وزارة الصحة.
وينشط الحزب التقدمي الاشتراكي أيضاً في تعقيم الأماكن العامة في عاليه والشوف، إلّا أن الأبرز هو طلب النائب السابق وليد جنبلاط من إدارة مستشفى عين وزين تأمين قسم خاص لاستقبال أي إصابات تظهر في قرى الجبل. وبحسب المعلومات فإن القسم بات جاهزاً.
وبلا شكّ، فإن أي مبادرة من قوى سياسية أو شعبية مطلوبة اليوم، على الرغم من أن بعض هذه القوى السياسية والمنظومة الطائفية هي المسؤولة عن ضعف إمكانات الدولة، ما يجعل دور القوى السياسية وممثلي الطوائف حاجة في النظام الزبائني. لكنّ المخاوف تتخطّى الحاجة لتكاتف الجميع، إلى مشهد «الفدرلة» الناعمة والتمهيدية الذي يعصف بالبلاد منذ سنوات، ويتكرّس اليوم مع أزمة «كورونا»، وخصوصاً أن الانعكاسات الاجتماعية لمرحلة ما بعد احتواء الوباء لا تبشّر بالخير، طالما أن بعض القوى والأحزاب رفعت عديد الحرّاس وبدأت تقيم الحواجز خوفاً من نقل «الغرباء» الفيروس إلى مناطقها، ولا سيّما في بلدة عرمون في قضاء عاليه!