القاهرة | لم يعُدْ دور اللواء عباس كامل محصوراً بكونه مديراً للمخابرات العامة المصرية، إذ بات الرجل يختصر في شخصه أدواراً مفتاحية كثيرة، لعلّ إمساكه بملفّ السياسة الخارجية لـ«المحروسة» يقع في صلبها، بعد تحجيم دور الوزارة والوزير المنوط بهما توجية علاقات القاهرة الدبلوماسية. وجد الرئيس عبد الفتاح السيسي في صديقه «اللواء» مفتاحاً لاستعادة مصر بعضاً من بريقها الخافت، ليصبح كامل حامل رسائل السيسي إلى قادة دول العالم، و«الدبلوماسي» النشيط الذي تتكثّف جولاته الخارجية، من السودان وليبيا، إلى الأراضي المحتلة ورام الله وغزة، حيث رعى أخيراً، وقفاً متزامناً لإطلاق النار، وهو ما فتح الطريق أمامه لزيارة العاصمة الأميركية التي يصلها هذا الأسبوع، تمهيداً لأخرى ينتظر الرئيس المصري دعوته إليها، بأمل أن يبحث آفاق السلام ودور بلاده في أيّ صفقة مقبلة


جولاتٌ مكوكية قام بها مدير المخابرات العامة المصرية، اللواء عباس كامل، في الأسابيع الأخيرة؛ بدءاً من زياراته المتكرّرة لكل من السودان وليبيا، وصولاً إلى زيارته قطاع غزة والضفة الغربية المحتلّة وتل أبيب. فالرجل الذي حلَّ بديلاً من وزير الخارجية، سامح شكري، يسعى، راهناً، إلى تطبيق رؤيته في السياسة الخارجية، بعدما جرى انتزاع كامل صلاحيات الوزارة لمصلحة جهاز المخابرات، فيما تحوَّل شكري إلى مجرَّد واجهة دبلوماسية لكامل الذي يدير الملفّات، ويستطلع الآراء، ويحصل على تقديرات موقف من فرق تعمل لحسابه خارج الوزارة.
لم يكن صعود عباس كامل لقيادة الملفات الخارجية مفاجئاً. فاللواء الذي عمل مديراً لمكتب الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، قبل أن يصبح صديقه المقرّب في ظلّ الصعود المتدرّج والسريع للجنرال، بدأ، منذ عام 2015، في وضع يده على ملفّ العلاقات الخارجية من بوابة أزمة «سدّ النهضة»، التي وإنْ ازدادت تعقيداً، إلّا أنها منحت كامل نفوذاً اتّسع مع مضيّ الوقت لدى مختلف الأطراف، بمَن فيهم السوداني الذي شهدت العلاقات معه شدّاً وجذباً في آخر أيام حُكم عمر البشير، وحتى تولّي المجلس العسكري الانتقالي السلطة، قبل أن ينجح «اللواء» في صياغة علاقة تحالف استثنائية بأقلّ تكلفة ممكنة للقاهرة. وفي رحلاته الخارجية التي تستغرق ساعات محدودة فقط، يحمل مدير المخابرات رسائل السيسي لمسؤولي البلاد التي يزورها، ليعود ويعرض على الرئيس نتائج زياراته التي تزايدت أهميّتها بشكل مطّرد في أعقاب نجاح وساطته في وقف إطلاق النار المتزامن خلال العدوان الأخير على غزة. وتقوم فلسفة عباس كامل على المصالح المشتركة، سواء كانت وقتيّة أو دائمة. بالنسبة إليه، لا مصالح دائمة ولا عداوات دائمة. براغماتية شديدة يتعامل بها مدير المخابرات مع العديد من القضايا، بما فيها الدخول في خلافات موقّتة حتى مع الحلفاء في القضايا المحورية، وهو ما يظهر، اليوم، على سبيل المثال، في الرؤية المصرية المنحازة إلى الجانب الأوروبي في الأزمة الليبية، والتي تعارضها الإمارات بشكل واضح، علماً بأنها الدولة التي تشاركت معها «المحروسة»، لأكثر من عامين، في تحالف لدعم قوات المشير خليفة حفتر.

لم يعد عباس كمال مديراً للمخابرات فقط، ولكن أيضاً وزيراً للخارجية


هندسة علاقات مصر الخارجية التي يعمل عليها مدير المخابرات بشكل مكثّف، تتضمّن أيضاً شكل العلاقة مع إيران ودول آسيوية ظلَّت بعيدة من دائرة العلاقات المصرية لفترة طويلة. وهو ما جلّاه التنسيق الذي سبق زيارة وزير الخارجية الماليزي، هشام الدين حسين، لمصر، والقمّة الافتراضية التي جمعت السيسي إلى حسين في إطار توسيع قاعدة العلاقات مع الدول الإسلامية بشكل عام، والعمل على التصدّي للوجود «الإخواني» في الدول المحتمل أن يتمركزوا فيها في الفترة المقبلة. في سياسة كامل، تُعدّ ملاحقة «الإخوان» أولوية في أيّ مكان يوجدون فيه، وخصوصاً بعد المصالحة مع تركيا، والهدنة الراهنة التي يسعى إلى ترسيخها في ظلّ تقلُّص الفجوة الخلافية بين البلدين في العديد من الملفّات، وفي مقدِّمها ليبيا وسوريا. ويعمل «اللواء»، راهناً، على التعامل مع أطراف في الجزائر وتونس بهدف تصحيح العلاقات المصرية مع بلدان المغرب العربي، في ضوء التوتّرات التي سادت في السنوات الماضية. وهي تحرّكات، وإنْ كانت تسير ببطء نسبي لأسباب كثيرة، لكنها تقع ضمن أولويات السياسة الخارجية لمصر. هذه الهندسة ليست وليدة يوم وليلة، وليست، طبعاً، وليدة أفكار كامل الشخصية. فخلفها تحوّلات جذرية في آلية اتخاذ القرار التي تنفرد بها شركات جرت الاستعانة بها أخيراً، لتقديم تحليلات وتقديرات موقف ورؤية استراتيجية للتعامل مع المتغيّرات. وإلى الشركات، يستعين كامل بدائرة مختصين تتّسع يوماً بعد آخر، ويجري الاستماع إلى آرائها بشكل شبه يومي.
لم يعد عباس كمال مديراً للمخابرات فقط، ولكن أيضاً وزيراً للخارجية فُرض بقوّة الأمر الواقع. فهو يحضر جميع اللقاءات الرئاسية، سواء كان وزير الخارجية حاضراً أو لا. صحيح أن الرجل لا يتحدّث ولا تصدر أيّ تصريحات باسمه، لكن آلية التعامل معه مختلفة عن باقي المسؤولين الرسميين، حتى شكري الذي يفاجأ أحياناً بزيارات خارجية يقوم بها كامل لبعض العواصم من دون تنسيق مباشر مع وزارته. وعلى مدار فترة حُكم الرئيس الأسبق، حسني مبارك، وما بعدها، لم يُعرف دور بارز لمديري المخابرات المتعاقبين، حتى الرجل الأقوى عمر سليمان لم يكن كثير الظهور في المناسبات، كما هي حال عباس كامل اليوم، والذي يقوم بزيارات خارجية تشهد احتفاءات من مسؤولي الدول بشكل لا يتناسب مع الجانب السرّي لعمل المخابرات.
يشعر مدير المخابرات، اليوم، بثقة لم يشعر بها في أيّ وقت مضى. ثقةٌ مرتبطة بقدرته على إدارة الملفّات من دون مشاكل، وخصوصاً بعدما حقَّق نجاحات سريعة في عدّة ملفات: الفلسطيني والليبي وحتى «سدّ النهضة» والعلاقات مع الولايات المتحدة التي يُرتقب أن يزورها هذا الأسبوع، في انتظار تَحقُّق دعوة ينتظرها الرئيس المصري لزيارة البيت الأبيض، حيث يأمل أن يناقش أُفق عملية السلام، وهو الدور الذي كان يُخشَى في القاهرة، قبل أشهر، أن يتولّاه الأردن. وعلى رغم الثقة المطلقة التي يضعها السيسي في «اللواء» وتغاضيه عن الأخطاء الكثيرة التي وقع فيها صديقه، خلال سنوات حكمه، إلّا أن لدى مدير المخابرات المصرية رغبة في تحسين صورته الداخلية، وسط اقتران اسمه بتقييد الحريات في البلاد، وخصوصاً في مجالَي الإعلام والحياة السياسية.
يَعدُ كامل، المنخرط في السياسة الداخلية، المعارضين دائماً بتبنّي إجراءات تصبّ في مصلحة المعتقلين في قضايا حرية الرأي والتعبير. لكن هذه التحرّكات تسير ببطء، لأسباب لها علاقة برغبته في إبقاء بعض الأمور قيد المساومة، وفي إشعار الإعلام بسيطرة المخابرات الكاملة التي لن تقبل التنازل عمّا حقّقته في هذا المجال خلال الفترة الماضية، بعدما باتت تسيطر، بشكل كامل ومعلَن، على المحتوى الذي ينشر عبر الإعلام المصري، أو حتى الإعلام الأجنبي العامل من داخل مصر.