من أكاذيب أسلحة الدمار الشامل في العراق إلى هجوم فجر السبت في الرابع عشر من نيسان ضد سوريا، سلسلة طويلة من الهجمات التي لا مبررات قانونية لها. الهجوم يمكن ضمّه إلى ملف هجمات وحروب ضد سوريا والعراق وليبيا سابقاً، جرى تدبيرها وتبريرها باتهامات باطلة وأكاذيب لم تنته بعد. وإذا كان الملف العراقي انتظر أعواماً قبل انكشاف الحقائق والدوافع التوسعية الأميركية، فإن الاكاذيب الفرنسية والغربية في الملف السوري انكشفت بعد أسبوع واحد من الهجوم.

عودة إلى الوراء. المخابرات الفرنسية وفّرت المعلومات الأولية، اليوم التالي، لهجوم دوما في السابع من الشهر الحالي. الملف الذي طرح اعلامياً بشكل استثنائي، قال إن الأجهزة الفرنسية قد أيقنت حصول هجوم كيميائي قام به النظام السوري من خلال استخدام جزء لم يسلمه من مخزونه الكيميائي إلى مفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الذين دمروا مخزونها من ١٣٠٠ طن. الأجهزة الفرنسية قدّمت للإليزيه المسوّغ القانوني للقرار المتخذ مسبقاً بالهجوم على سوريا عندما قال تقريرها إنها «توصلت إلى تلك النتيجة بفضل صور جوية وأشرطة مسجلة ومقابلات ورصيد من خيوط تقود إلى براهين». عندما اتخذ مجلس الدفاع المصغر في اليوم التالي للهجوم قرار القصف الصاروخي، لم تكن العيّنات قد وصلت إلى مختبرات المخابرات الفرنسية من دوما. وكان ينبغي البحث في طيات مقال طويل في جريدة «لو موند»، نشر قبل يومين، مكرّس للاجتماع الأخير لمجلس الدفاع الفرنسي حول لائحة الاهداف السورية ومسار التنسيق مع الاميركيين، للوقوف فيه على خبر صغير ومهم جداً من عشرين كلمة يقول: «إنّ العيّنات التي حصلت عليها أجهزة المخابرات الفرنسية (من الهجوم الكيميائي في دوما) قد لا تحتوي على غاز السارين، وهو أمر لا يزال يحتاج إلى دراسة رسمياً». الصحيفة التي كانت قد أسهمت في كل المناسبات الكيميائية بالحثّ على شنّ الحروب على سوريا منذ آب ٢٠١٣ في الغوطة حتى نيسان العام الماضي في خان شيخون، لم تسهب كثيراً في نشر ما قالت إنه معلومات عن تقرير للمخابرات الفرنسية يستند إلى عيّنات وليس إلى صور جوية أو مقابلات. أما أن تقيّد الصحيفة خبرها بـ«قد» الشرطية، وبدراسة لاحقة أكثر عمقاً للعيّنات، فهذا لا يغيّر شيئاً في أن هجوم الرابع عشر من نيسان ضد دمشق كان يستند إلى تلك السلسلة التي لا تنتهي من الافتراءات والأكاذيب ضد سوريا، وقبلها العراق وسوريا أيضاً.
الرئيس إيمانويل ماكرون لم ينتظر أي تحقيق دولي ليحدد ما إذا كان لفرنسا أن تطلق صواريخها من فرقاطتها قبالة السواحل السورية ضد دمشق. وهو الرئيس نفسه الذي لم يفوّت، لحظة تبوّئه الرئاسة، الفرصة للإصرار على الاستناد إلى المؤسسات الدولية والأمم المتحدة، قبل إطلاق أي رصاصة ضد من يخالف الشُرَع الدولية. وفيما كانت الكذبة تظهر مواربة في «لو موند»، كرر في خطابه أمام الكونغرس الإصرار على دور للأمم المتحدة في الأزمات الدولية لم يلتزم به في الواقع السوري. وتقول مصادر فرنسية لـ«الأخبار» إنّ «الاليزيه كان على علم منذ الساعات الأولى لهجوم دوما أنه لم يكن هناك أي أسلحة كيميائية».

رغبة في إبقاء إيران تحت الرقابة والضغوط ونظام العقوبات


كل الطرق نحو فهم السلوك «الماكروني» في سوريا تؤدي إلى طهران. تقف وراء ذلك الرغبة الرئاسية الفرنسية في احتواء التهديد الأميركي بالانسحاب من الاتفاق النووي والبقاء على مقربة من الرئيس دونالد ترامب في العملية السورية لثنيه عن تنفيذه تهديده الإيراني، وانتزاع لقاء ذلك تفويض أميركي بالتوسط مع طهران. وهو دور كان قد أوحى به في تصريحاته قبل دخوله البيت الأبيض، آملاً بالحصول على تنازلات جوهرية من إيران. المشاركة في عملية لا مسوّغات قانونية وسياسية جدية لها، تكرر أكاذيب أسلحة الدمار الشامل في العراق، ولو على مستوى أدنى منها.
تقول مصادر فرنسية إنّ الخطة الرباعية الأركان التي تحدث عنها في المؤتمر الصحافي المشترك مع الرئيس ترامب تتناقض مع مواقفه السابقة، إذ أعلن بطريقة مفاجئة خطة لمعالجة ما بعد الاتفاق النووي عام ٢٠٢٥، وإدامة الرقابة الدولية على المنشآت الإيرانية، وفتح مفاوضات حول البرنامج الصاروخي، مكذّباً بنفسه ما قاله قبل مغادرته باريس عن عدم حيازته خطة جاهزة وبديلة للاتفاق النووي إذا ما قررت الولايات المتحدة الانسحاب منه في الثاني عشر في أيار. كذلك فإن الرئيس الفرنسي ينفرد بموقف مع ترامب، يخرج عن الاتفاق مع المستشارة الالمانية أنجيلا ميركيل ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، والبيان المشترك الذي صدر في الثالث عشر من تشرين الأول الماضي، متمسّكاً بالاتفاق النووي الإيراني وبعدم وجود بدائل منه.
تقول المصادر الفرنسية إن هذه المبادرة المنفردة أغضبت حلفاء ماكرون الأوروبيين، إذ لم يشاورهم في الأمر مسبقاً، مظهراً قلة خبرة في العلاقات الدولية والدبلوماسية. يتصرف الرئيس الفرنسي بذهنية المقاول الذي يعتقد بإمكانية الدخول في المقايضات السياسية كما يدخل أي بازار تجاري من دون التمسك بالثوابت التي يجري التفاهم عليها مع الشركاء. يسهم الرئيس الفرنسي في توهين السياسة الأوروبية المشتركة التي يدعو إلى تصليبها بخروجه عن التفاهمات في أول فرصة تلوح أمامه للتقرّب من الأميركيين.
لا تنسف الخطة الفرنسية التفاهمات الأوروبية وحدها، بل تطيح أيضاً الأسس القانونية نفسها والأهداف التي قام عليها اتفاق فيينا في الرابع عشر من تموز ٢٠١٥. لا يتيح الاتفاق أيّ هامش لإيران كي تقوم بتطوير برنامج نووي عسكري عند انتهاء أمده عام ٢٠٢٥. فحتى ذلك التاريخ ستبقى المنشآت النووية تحت أعين مفتشي وكالة الطاقة الدولية، كما تبقى ملزمة بتطبيق قرارات مجلس الأمن المتعلقة ببرنامجها النووي. ومن جهة أخرى، من الطبيعي أن يحدد قرار لمجلس الأمن موعداً لانتهاء البرنامج الرقابي عندما تحقق الرقابة أهدافها في إطار الاتفاق الذي ينص على التأكد من سلمية البرنامج النووي ومنشآته. يتبع اتفاق فيينا مساراً دقيقاً وجدولاً زمنياً مفصلاً وواضحاً، لضمان أن تصبح جميع المنشآت النووية الإيرانية مدنية حصراً. وعندما ينتهي المسار الممتد حتى عام ٢٠٢٥، ينطفىء الاتفاق تلقائياً. إن الاصرار على تجاوز عام ٢٠٢٥ يعني أن هناك رغبة في إبقاء إيران تحت الرقابة والضغوط ونظام العقوبات رغم التزامها بكل القرارات الدولية وتنفيذها كل التعهدات. إن هدف الخطة يتناقض مع القانون الدولي ومع ميثاق الأمم المتحدة الذي يزعم ماكرون الدفاع عنه.
لا فرق بين ترامب وماكرون. كلاهما مقاولان في الأصل والمبتدأ. وكلاهما مستعد للكذب من أجل شن عمليات عدوانية بعد اختراع حجج كاذبة ضد سوريا وغيرها. وكلاهما ينتمي إلى عصر كانت فيه الشركات العابرة للقارات في الزمن الاستعماري تجنّد مرتزقة وتشنّ حروباً، وتقتحم أوطاناً من أجل مصالحها التجارية. وفي العمق، يتبنّى الرئيس الفرنسي، من خلال الخطة الرباعية التي تقدم بها، الأهداف الأميركية كلها في سوريا وإيران رغم ادّعائه العكس. لكن ميزان القوى الذي يحكم العالم تغيّر كثيراً، وستواجه الرئيسان المغامران مفاجآت كثيرة.