كنّا نتصور أن يكون هدف وزارة البيئة هو حماية البيئة بدل تنظيم تدميرها وتكريس الدور «الحضاري» لهذا البلد بحكم موقعه بين 3 قارات بإبادة كل ما يمرّ فوق أراضيه بعد إتمام إبادة ما هو مقيم فيه. هذا «الصيد» مرض اجتماعي لا يبرّره أخلاق ولا علم ولا إنسانية ولا دين ولا حضارة، بل يجب تنظيم علاجه واستئصاله بدل تنظيم التعايش معه بحكم الأمر الواقع.


كنا نتوقع أو نتأمل أن تطلق الوزارة والجمعيات البيئية برامج للتوعية البيئية والاجتماعية بدل إطلاق مواسم الصيد. هل يعقل أن تكون مهمة أيّ جمعية بيئية توفير برامج تدريب تساعد «القواسين» في اجتياز امتحانات الترخيص في سبيل تحويلهم إلى «صيادين» بدل أن تسعى لتحويل هواياتهم من قاتلة إلى محبة!؟
أليس من واجبات الدولة بكل وزاراتها تحقيق انتقال الشباب من قعر الفراغ الفكري والثقافي الذي تمثله هواية «الصيد» إلى قمة الإبداع العلمي والفني في هوايات بديلة. (أستعير هنا أحد أمثلة الرعيان الشعبية ليصبح: «صيْد يوم ب تيـْسنة سنة»). يفكرون ببرنامج يعطي مقابل تسليم كل بندقية صيد أجهزة أو معدّات أخرى يستفاد منها في هواية إبداعية؟
ألم يكن بالأجدى على الأقل رفع سن الاستحصال على الرخصة من 18 إلى 25 سنة مثلاً بحيث يتاح للشباب أن ينخرطوا بنشاطات وهوايات أخرى حضارية محترمة يجدون فيها متعة ويبدعون فيها، أو على الأقل إعطاؤهم مهلة للوصول إلى مستوى أعلى من النضوج والحسّ بالمسؤولية قبل منحهم رخصاً للقتل؟
علمنا أن معدل النجاح في الامتحان للحصول على رخصة صيد هو 60 % (للشفهي والعملي معاً). هل من ضوابط أو روادع تضمن نزاهة النوادي التي ستدير الامتحانات وتعطي الشهادات، بينما تقع في محظور تضارب المصالح ومطبات التنافس بينها؟ ما الذي سيردع المخالفات التي قد تحدث عند الصيادين في ممارساتهم في ظل هامش الـ 40% للخطأ الذي ارتضيناه في امتحان الرخصة؟
هل فكرتم بسقف محدّد في هذا البلد لعدد الرخص التي سيتم منحها؟ هل سيكون هناك علامات لاغية لمنع حوادث الصيد في ظلّ التفلت والكثافة العالية للصيادين؟
هل سيتم سجن الأهل عديمي الشعور بالمسؤولية الذين يسمحون ويسهلون لأطفالهم القاصرين حمل واستعمال بنادق الصيد؟
هل سيشمل تطبيق القانون إجبار الصيادين على أكل ما يصطادون حتى يبقى مبرر أخلاقي وديني واحد لممارساتهم؟
هل المطلوب أن نستمرّ بصيد الحيوانات غير المهددة بالانقراض إلى أن تصبح مهددة؟ وهل نحسب الانقراض على مقياس عالمي أم على مقياس محلي بما أن العديد من حيواناتنا انقرضت محلياً أو تكاد، حتى لو لم تنقرض عالمياً؟ هل سيتم التقييم العلمي الإحصائي المستمر؟
إذا كانت وزارة البيئة (ومن قبلها وخلفها وعلى جنبيها من «بيئيين») حريصة على تأمين «حقوق» الصيادين ضمن مناطق طبيعية، لماذا لا تكون في المقابل أيضاً حريصة على الحقوق المهدورة لباقي الناس بالتنزه في نفس المناطق الطبيعية طوال موسم الصيد، لولا فلتان «الصيادين» فيها؟
لقد تم استعراض ضبط مخالفة «صيد» هذا الأسبوع وهي مجرّد واحدة من عشرات آلاف المخالفات التي لا زالت مستمرة. وأنا أكتب هذه المقالة، هناك على «سطح الجيران» (في نفس المنطقة التي ينتمي إليها وزير البيئة)، مراهق يُقلق راحتنا بعشرات الطلقات النارية غير آبه بقانون أو برخصة أو بموسم. هل سيتغير الحال في المستقبل القريب أو البعيد ما دمنا نتعامل مع مشكلة كهذه بخداع الذات والآخرين؟
لدينا مجلدات من القوانين والمراسيم التنظيمية التي لم تفلح في وقف سلب أملاكنا العامة النهرية والبحرية والحد من تلويث هوائنا وأنهارنا وبحارنا وشواطئنا وحفظ المساحات الخضراء وضبط المقالع والكسارات وإلزامها إعادة تأهيل ما بقرته من بطون جبالنا. يعرف وزير البيئة، كيف تستباح القوانين. ها هم الأطفال في الشوارع يقودون المركبات على أنواعها (ويحملون أسلحة الصيد علناً) وترى في شوارعنا وطرقاتنا غرائب لم يمنعها ضرورة الحصول على رخص قيادة الآليات كما هو متوخى من رخص الصيد. الذي نجح في الخارج هو التربية والتعليم والتثقيف المضاد للصيد أكثر بأشواط من التنظيم والقوننة. في ظل هذا الوضع البيئي الكارثي، لن يحمي الطبيعة سوى المنع الشامل للصيد وليس «الصيد» تحت أي نظام أو مسميات، فالصيد والصيادون ليسوا قدراً علينا الرضوخ له. والتفضيل بين الإنسان (قصدهم «الصياد») و»البيئة» لا مكان له، فلسنا منفصلين عن «البيئة» ولا نحرص عليها لـ «سواد عيونها»، لكن بالأساس للحفاظ على حاضر ومستقبل الإنسان والبشرية!