الورقة الأساسية، بل ربّما الوحيدة المتبقّية، للولايات المتّحدة لإخضاع الدول لمشيئتها السياسية والاقتصادية هي دور الدولار في العالم وشرايين المال المرافقة. يعتبر العديد من مناصري الولايات المتّحدة أو المعجبين بها أن ذلك قدر على العالم، وأن على الدول الصاعدة والساعية لتحصين استقلالها أن تعي ذلك وتُخفّض من سقف طموحاتها الاستقلالية. نختلف مع هذا الرأي، فالدولار ليس قدراً على العالم. وفي رأينا لا نستبعد تراجع دوره فقط، بل حتّى أفوله، إن لم يكن انهياره. لكن لماذا يسيطر الدولار على الاقتصاد العالمي ويشكّل ورقة ضغط على الدول التي لا تريد الرضوخ للقرار السياسي الأميركي؟ سنحاول الإجابة عبر عرض مقتضب للتطوّرات التاريخية التي رسّخت قواعد النظام المالي الدولي المعمول به حتى الساعة. من هنا يمكن استخلاص العبر لمقاومة الابتزاز الذي تفرضه الولايات المتّحدة على عدد من الدول عموماً، وعلى دولة مثل لبنان خصوصاً، للانصياع إلى أوامرها من دون محاولة التصدّي لها حفاظاً على استقلالها وسيادتها. بطبيعة الحال ستكون القراءة التاريخية سريعة ومختصرة من دون التوقّف عند محطّات هامّة عديدة لضيق المساحة المتاحة. لكن في المقابل سنعرض التحوّلات الرئيسية التي كانت لصالح الولايات المتّحدة منذ نحو خمسة عقود ولم تعد لصالحها اليوم


أنجل بوليغان ــ المكسيك


نبدأ مقاربتنا بعرض تاريخي سريع. وهنا لا بدّ من العودة إلى الحقبة التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية حيث برز الدولار كعملة احتياط تنافس الجنيه الاسترليني. فبعد الحرب العالمية الثانية كان لا بدّ من إعادة إعمار أوروبا المدمّرة لمنع تقدّم الأحزاب الشيوعية في دولها. فوضعت خطّة مارشال وأنشئت مؤسّستا بريتون وودز، أي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ونذكّر أن الاسم الرسمي للبنك الدولي هو البنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية. بعد الانتهاء من إعادة بناء الاقتصادات المدمّرة في أوروبا الغربية وفقاً لخطط مركزية خماسية في معظم الأحيان، انتقلت مهمّة البنك الدولي لدعم التنمية في العالم، وخصوصاً في الدول التي بدأت تحصل على استقلالها من الدول المُستعمرة الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، إسبانيا، البرتغال). وتحوّل البنك إلى ذراع الخارجية الأميركية حيث تمّ ربط المساعدة بالولاء للسياسة الخارجية الأميركية. وتعدّ قضية تمويل السدّ العالي في مصر خير دليل على ذلك. أمّا صندوق النقد الدولي فكان دوره في الأساس مصرفاً مركزياً للمصارف المركزية في العالم لتأمين السيولة اللازمة في موازين المدفوعات عند وقوع خلل ظرفي فيها ناتج عن عجز في الميزان التجاري أو انخفاض دفق الرساميل إلى الدول المعنية. لكن مع الوقت ومنذ ستينيات القرن الماضي أخذ صندوق النقد الدولي دوراً أكثر أهمية في التدخّل لتحديد السياسات المالية والنقدية للدول الأعضاء.
كانت المؤسّستان تعتمدان على نظام مدفوعات دولي يرتكز إلى تداول العملات الرئيسية المستندة إلى الذهب. فكلّ عملة هي وعد بدفع كمّية معيّنة من الذهب لحامل تلك العملة. عُرف ذلك النظام بنظام التبادل المبني على الذهب أو Gold Exchange Standard خلافاً للنظام القائم قبل الحرب العالمية الأولى والمعروف بنظام تبادل الذهب كقاعدة للتبادل التجاري الدولي أو Gold Standard. الفرق بين النظامين هو أن في نظام تبادل الذهب يتمّ تسديد العجز في ميزان المدفوعات من احتياط الذهب التي تحتفظ به الدول كافة. وسعر صرف العملة مُقيّد بكمّية الذهب، ويعود تخفيض أو رفع قيمة العملة إلى تخفيض أو رفع سعر الذهب بالعملة المحلّية المُحدّدة عالمياً بـ35 دولاراً للأونصة. أمّا في نظام التبادل الذي يستند إلى الذهب فيتمّ التبادل بالعملات بدلاً من الذهب شرط اللجوء إلى تخفيض سعر العملة المحلّية أو رفعها بالنسبة إلى الذهب في حال وجود خلل مزمن في ميزان المدفوعات.
برزت المشكلة عندما أصبحت السيولة المطلوبة في التبادل التجاري العالمي غير كافية بسبب تزايد حجم المبادلات التجارية والمالية. في منتصف الستينيات، استشرف الرئيس الفرنسي شارل ديغول الخطر وخصوصاً الهيمنة المرتقبة من الولايات المتّحدة ودولارها، ودعا إلى العودة إلى نظام الذهب الذي يؤمّن السيولة المتناسبة مع حجم التبادلات كما كان قبل الحرب العالمية الأولى. لكن ذلك النظام يقيّد نموّ التبادل التجاري الذي أصبح تمويله يستند إلى الاستدانة وإن كانت على مدى قصير في المراحل الأولى قبل أن تصبح دورية وبالتالي شبه دائمة أو على المدى الطويل. وهو ما خلق عجزاً بين الطلب المتنامي والعرض المُتاح للعملات وحتّى للذهب. من جهة أخرى، كان ديغول معترضاً على دخول المملكة المتّحدة إلى السوق المشتركة لعدم ثقته بصدقها في بناء أوروبا مستقلّة سياسياً واقتصادياً وحتّى عسكرياً عن الولايات المتّحدة. وأظهر التاريخ بوضوح أن ديغول كان محقّاً وصاحب رؤية استراتيجية لم توجد عند أي زعيم أوروبي. تمّت الإطاحة به وجيء برئيس أقل تمرّداً أي جورج بومبيدو الذي توفّي عام 1974، والذي أسند رئاسة الوزارة إلى فاليري جسكار ديستان الذي انتُخب رئيساً عند وفاة بومبيدو، فتمّ الانحياز الأوروبي إلى طروحات الولايات المتّحدة. كما أن المملكة المتّحدة دخلت السوق الأوروبية المشتركة عام 1973 بعد أن فشلت مرّتين في الستينيات بسبب معارضة الرئيس الفرنسي.

سيطرة أميركا على النظام المالي الدولي
في مطلع السبعينيات، حدثت أربعة تطوّرات مكّنت الولايات المتّحدة من السيطرة على النظام المالي الدولي عبر هيمنة الدولار والشرايين المالية الدولية بدءاً من مؤسّسات بريتون وودز إلى نظام التحويلات عبر السويفت الذي أُنشئ عام 1973 وتمّ تدشينه عام 1977. الحدث الأوّل هو قرار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بقطع العلاقة بين الدولار والذهب عام 1971. ولم يعد الدولار مرتبطاً بالذهب كقاعدة لتحديد قيمته. فقيمة الدولار تكمن في حجم الاقتصاد الأميركي الذي كان يصدّر حتى آخر الخمسينيات ما يوازي 60% من احتياجات العالم من سلع صناعية وزراعية. قبِلَ العالم ذلك الواقع مرغماً أو طوعاً، إذ لم يكن هناك أي مجال لرفض ذلك بعد الإطاحة بالرئيس الفرنسي. ولم يعد الذهب معياراً للقيمة بل أصبح سلعة كسائر السلع، بينما أصبح الدولار معيار القيمة للسلع ثمّ للثروة! وكذلك لم يعد الذهب قاعدة الاحتياطات المالية والنقدية العالمية بل الدولار أو بشكل أدقّ سندات الخزينة الأميركية، أي الدَّيْن العام الأميركي. تغيب هذه النقطة الجوهرية عن بال العديد من مراقبي تذبذبات الدولار تجاه العملات الأخرى. فالدَّيْن العام الأميركي أصبح السلعة النقدية إذا جاز الكلام، وأصبح العالم يحمل الدَّيْن الأميركي عندما يحمل الدولار كوحدة محاسبة، أو وحدة تبادل، أو أكثر من كل ذلك كوحدة تقيس القيمة! أصبح الدَّيْن الأميركي القيمة للثروات الدولية والخاصة. من هنا نفهم عدم سهولة تخلّي حاملي السندات الأميركية عنها من دون أن يلحق بهم ضرر مباشر. لكن هذا الوضع لم يعد قدراً على العالم بفعل مجهود دول البريكس.
الحدث الثاني كان عام 1972 عندما أوعزت الولايات المتّحدة لشاه إيران برفع سعر برميل النفط أربعة أضعاف، وتلته الدول العربية المنتجة للنفط التي أقدمت على تأميم آبار النفط (بموافقة أميركية!) مع ترك عمليات تكرير وتسويق المشتقّات النفطية للشركات العملاقة الكبرى. فرح العرب بتأميم نفطهم، لا بل قبلوا في المقابل أن تكون القيمة المضافة في الغرب في عمليات التكرير والتسويق. بعد حرب تشرين 1973، عقدت صفقة بين الولايات المتّحدة وبلاد الحرمين حول تسعير النفط بالدولار فقط لا غير، وذلك على حساب العملات الوطنية والعملات الدولية الأخرى التي كانت تشكّل عملات الاحتياط العالمية، مثل الجنية الاسترليني والمارك الألماني والين الياباني على سبيل المثال. نتيجة ذلك، ازداد الطلب على الدولار أضعافاً عدّة، واستفادت الخزينة الأميركية من طباعة الدولارات من دون تحديد أي سقف لها إلّا وفقاً لما تقرّره هي. من هنا استطاعت الولايات المتّحدة تمويل حروبها العدوانية وعمليّاتها العسكرية وبناء القواعد العسكرية في العالم من دون أيّ رادع مالي لها. وما جعلها تطبع الدولار من دون الوقوع في مكيدة التضخّم المالي هو إصدار سندات الخزينة التي تمتصّ السيولة الفائقة في الأسواق، وجعل تلك السندات ملجأ آمناً للرساميل السائلة الباحثة عن ملجأ آمن من دون الارتباط بفترات زمنية طويلة المدى. وهذه معادلة مهمّة أوجدتها الولايات المتّحدة: طباعة الدولار في مقابل زيادة الدَّيْن العام من دون أيّ محاسبة أو مراجعة. هذا الأمر لم يعد ممكناً اليوم، وهو ما سنشدّد عليه في الجزء الثاني من هذا المقال.
أمّا التطوّر الثالث فهو الانفتاح على الصين الذي بدأ مع الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، وتطوّر مع الرئيس كارتر ومن بعده مع ريغان وبوش الأب. كان الهدف الاستراتيجي عزل الصين عن الاتحاد السوفياتي وفقاً لتوصية كيسنجر وفي ما بعد برجنسكي. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، استمر الاستثمار في الصين وخصوصاً في القطاعات الصناعية لرخص اليد العاملة وعدم وجود قيود مكلفة للحفاظ على البيئة. فالصين كانت بحاجة إلى نهضة صناعية ساهمت الولايات المتّحدة في دفعها ووجدت في ما بعد مصلحة استراتيجية للشركات العملاقة الأميركية التي كانت تعمل في الصين.
تلازم الانفتاح على الصين مع القرار المفصليّ الذي يعدّ العامل الرابع في السياسة الاقتصادية الأميركية، وهو إعادة توطين القاعدة الصناعية من الولايات المتّحدة إلى عدد من الدول الناشئة لانخفاض الكلفة وسهولة القيود. قرار الولايات المتّحدة بالتحوّل من مجتمع إنتاجي صناعي وزراعي إلى مجتمع ما بعد الصناعة عبر الارتكاز على الخدمات بشكل عام والخدمات المالية بشكل خاص، كان له التأثير الكبير على ضرب متانة الدولار، الذي كان يستند إلى الطاقة الاقتصادية الهائلة التي كوّنتها الصناعة والزراعة الأميركية، وجعلت من الولايات المتّحدة القوّة الاقتصادية الأولى من دون منازع ومنافس بعد الحرب العالمية الثانية، والتي أصبحت اليوم تستورد معظم حاجياتها الصناعية. والسؤال الذي يُطرح اليوم هو عن «قوّة الاقتصاد الأميركي، وعلى ماذا يرتكز؟».

من مجتمع صناعي الى مجتمع استهلاكي
القرار الأميركي بالتحوّل من مجتمع صناعي إلى مجتمع خدماتي، رافقه تطوّر لم يكن بالحسبان، وهو التحوّل إلى مجتمع استهلاكي. فالناتج الداخلي لأيّ بلد يُقاس عبر حجم القطاعات الإنتاجية والرصيد الصافي للتجارة الخارجية، أو عائد عوامل الإنتاج مثل الأجور والرواتب لعامل العمل والفوائد كمردود للرساميل والأرباح للمبادرات الاقتصادية. الطريقة الثانية لاحتساب الناتج الداخلي هي عبر قياس القيمة المضافة التي تربط مفاصل الاقتصاد والقطاعات بعضها ببعض. أما الطريقة الثالثة فهي عبر احتساب النفقات الاستهلاكية والاستثمارية والحكومية. وتعدّ الطريقة الثالثة الأسهل لكنها تكشف سلوك المجتمع. وإذا اعتمدناها نجد أن نسبة الادخار في الولايات المتّحدة انخفضت من 10.4 بالمئة سنوياً عام 1960 إلى 7.6 بالمئة عام 2018. وتلازم انخفاض المدّخرات الوطنية الفردية مع زيادة الدَّيْن الخاص الذي أصبح يوازي 120% من الناتج الداخلي. وهنا تكمن المعضلة الكبرى، حيث تجاوز الدَّيْن العام 22 تريليون دولار، أي ما يوازي 106% من الناتج الداخلي، بينما الدَّيْن الخاص الذي يشمل دَيْن الشركات ودَيْن الأفراد وصل إلى 27 تريليون دولار أي أكثر من الدَّيْن العام. وهذه الأرقام عن الدَّيْن الخاص لا تشمل الخسارات المحتملة في المشتقّات المالية التي تقدّر بأكثر من 2 كوادرليون دولار (15 صفر بعد الواحد!)! فيما أرقام الدَّيْن العام لا تأخذ في الحسبان الالتزامات المالية الطويلة المدى كالضمان الاجتماعي والضمان الصحّي اللذين تصل قيمتهما الحالية إلى 220 تريليون دولار! ما يعني، بشكل مختصر، أن الدَّيْن العام والدَّيْن الخاص يهدّدان النظام الاقتصادي الأميركي بشكل مباشر وقاتل!
الإدمان على الاستهلاك عبر الاستدانة يقوّض قدرة المواطن على محاسبة المسؤولين عن السياسات التي أدّت إلى وضعه في معتقل المديونين


أمّا التحوّل إلى مجتمع استهلاكي فيعود إلى سببين أساسيين؛ السبب الأوّل هو فقدان الشحنة الاستثمارية التي كانت تدفع النموّ الاقتصادي الأميركي عبر قرار توطين القاعدة الإنتاجية خارج الولايات المتّحدة. وكانت نتيجته المباشرة انخفاض التوظيف والأجور وبالتالي الإنفاق. وقد ابتدع الاحتياط الاتحادي الأميركي، الذي يقوم بمهام المصرف المركزي، بإطلاق سياسة تنموية مبنية على الاستهلاك عبر الاستدانة لشراء السلع التي تؤمّن الرفاهية وتدفع بالنمو. وهنا يصبح السبب الثاني واضحاً. فالاستدانة كانت وسيلة تُرضي المواطن الذي تحوّل إلى مستهلك وتؤمّن له سلع وخدمات الرفاهية لكن من دون أي زيادة في الأجور، وبالتالي في بنية الكلفة في الولايات المتّحدة. والإدمان على الاستهلاك عبر الاستدانة يقوّض قدرة المواطن على مساءلة ومحاسبة المسؤولين عن السياسات التي أدّت إلى وضعه في معتقل المديونين.
ويعتبر المحلّلون الماليون أن بطء النموّ الاقتصادي في الولايات المتّحدة يعود إلى عبء الدينين العام والخاص، بينما نعتقد أن بطء النموّ يعود إلى ضعف الاستثمار في البنية التحتية وفي التجديد والتحسين، لأن المردود يطول وصبر المسؤولين عن الشركات محدود جدّاً ولا يتجاوز الفصل! ففي نهاية كل فصل يقوم المحلّلون الماليون بنشر توقعاتهم للشركات وبالتالي لمستقبل أسهمها. وبما أن دخل المسؤولين في الشركات الخاصّة المدرجة في البورصة يرتكز إلى الأسهم التي يحملونها فهمّهم الأوّل هو رفع سعر السهم، وبالتالي توظّف واردات الشركات لشراء الأسهم بدلاً من الاستثمار لرفع قيمة الأسهم.
هذا هو السبب الرئيسي لارتفاع أسعار الأسهم في البورصة الأميركية التي كسرت أرقاماً قياسية، في حين أن هذا النموّ لا يعكس لا من قريب ولا من بعيد النموّ الفعلي للاقتصاد الأميركي. ولم يتعلّم المسؤولون في الولايات المتّحدة من أخطائهم السابقة، وخصوصاً أخطاء أزمة الديون العقارية التي فجّرت الأسواق المالية عام 2008. فالمساعدات المالية التي تمّ ضخّها في المؤسّسات المالية لمنع انهيارها لم تُوظّف في إعادة هيكلة المؤسّسات ولا لمراجعة السياسات الاستثمارية المبنية على المضاربات المجنونة. استعملت الأموال لشراء الأسهم وإعادة رفع أسعارها. والانكشاف المالي في هذه المؤسّسات هو أكبر من السابق، حيث يتجاوز حجم المشتقّات المالية المبنية على مراهنات غير واقعية 2.5 كوادرليون دولار . لا أحد يستطيع أن يتكهّن متى ستنفجر أزمة المشتقّات ولا أحد يستطيع تقدير حجم الخسائر التي لم تعرفها البشرية حتّى الآن.

الاقتصاد الصيني سيتقدّم على الاقتصاد الأميركي
ما نريد أن نؤكّده هو أن الاقتصاد الأميركي في نهاية العقد الثاني من الألفية الثالثة يختلف كلّياً عمّا كان عليه في مطلع السبعينيات وحتّى مطلع التسعينيات. إذ أصبحت مكوّناته مختلفة وافتراضية أكثر ممّا هي حقيقية. فالدولة التي لا تنتج السلع التي تحتاجها وتكتفي باستيرادها تحت ذرائع مختلفة لا يمكن أن تفرض إراداتها على الدول التي تستورد منها. صحيح أن حجم السوق الأميركية كبير ولكن هناك أيضاً أسواق كبيرة في العالم قد تنافس حجم السوق الأميركية في مستقبل قريب جدّاً. وتفيد الدراسات الاستشرافية كافة، أن الاقتصاد الصيني سيتقدّم على الاقتصاد الأميركي خلال بضع سنوات فقط، وليس خلال بضعة عقود. يصبح الاقتصاد الأميركي يوماً بعد يوم أكثر انكشافاً وأقلّ مناعة ممّا كان عليه في الماضي. ويدلّ العجز المتفاقم في الميزان التجاري على تراجع الصادرات مقارنة مع تقدّم الاستيراد الأميركي، أي أن العالم يطلب بشكل أقل من الولايات المتّحدة أو أنها لم تعد تقدّم ما يطلبه العالم بينما تزداد احتياجاتها من العالم. ويمكننا أن نسترسل في الدلائل غير أن المساحة المتاحة في هذه المقاربة لا تسمح لنا بذلك.

* كاتب وباحث اقتصادي وسياسي
* الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي