الرساميل تهرب من «إسرائيل»


من الواضح أن الأضرار التي ستظهر على الاقتصاد الإسرائيلي على المدى المتوسط والبعيد لن تكون سهلة التعويض. الأمر لا يتعلّق فقط بالمصانع المتضررة التي تحتاج إلى وقت لإعادتها، أو بالبنى التحتية، ولا حتى بقدرة الكيان على تعويض العمالة الأجنبية، بل يتخطى ذلك، نحو أزمة أكثر عمقاً محورها الأساسي هروب الرساميل وسرعة تنامي الدين.
يعتمد الاقتصاد الإسرائيلي بشكل كبير على الاستثمارات الأجنبية التي تأتي وتموّل الكثير من المشاريع والشركات الناشئة في إسرائيل. فعلى سبيل المثال، يعاني قطاع التكنولوجيا الفائقة من تباطؤ التمويل الذي سجّل تراجعاً بنسبة 4% في تشرين الأول بحسب إحصاء أجرته منظمة startup nation central. وتقول الكاتبة ميريام أولستر في مقال نُشر على موقع كالكاليست إنّ «الاستثمارات الرأسمالية في إسرائيل انخفضت بالفعل في العام الماضي، وستستمر في الانخفاض». إذ لا يقف الأمر عند حدود الاستثمارات الأجنبية، بل حتى إن المستوطنين ينسحبون من الكيان. «كل من يستطيع ولديه القليل من رأس المال يحوّل مدخراته واستثماراته إلى الخارج - يشتري منزلاً في اليونان أو البرتغال، أو يستثمر في الخارج»، وهذا ما أدّى إلى «تدمير الوضع الاقتصادي الذي يعاني أصلاً».
أيضاً يمكن قراءة مؤشرات هروب الرساميل في تقارير خفض التصنيف الائتماني. أجرت وكالات التصنيف ثلاثة خفوضات على تصنيف إسرائيل، وجميعها أشارت إلى هروب الرساميل وخسارة الاستثمارات المحتملة. خفض التصنيف يعني ارتفاع مخاطر عدم سداد سندات الدين، وهو ما يجعل كل الاستثمارات المالية ذات كلفة أعلى، وفي نهاية الأمر يدفع بالكثير من المستثمرين للهروب إلى بيئة استثمارية أكثر ثباتاً وأقل مخاطر.
هروب الاستثمارات لا يقتصر على الأجانب بل يشمل المستوطنين الذين يهرّبون مدخراتهم أيضاً
يُضاف إلى ذلك كلّه المشهد الذي يعتري الموازنة العامّة في الكيان، والتي أصبحت تعاني من عجز غير مسبوق بفعل الحرب. إذ قام صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير حول اقتصاد الكيان بتحديث توقعات الحكومة الإسرائيلية بشأن عجز الموازنة في عام 2024 إلى 9% من الناتج المحلي، وهو أعلى مستوى في الغرب بأكمله. ويأتي هذا التحديث ليرفع تقديرات صندوق النقد حول العجز بنحو 0.8%. صحيح أن تداعيات هذا العجز قد تقتصر، لوهلة، على المدى القصير، إلا أن تقديرات الصندوق للعجز في السنة المقبلة تشير إلى أنه سيرتفع إلى 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا مستوى مرتفع في الاقتصادات الرأسمالية. فأضرار العجز تمتدّ إلى المدى المتوسط والبعيد، إذ سرعان ما ستضطر حكومة الكيان إلى الاستدانة لتغطية الفجوة المالية، وهو ما يسهم في زيادة الدين العام المقدّر أن يرتفع إلى نحو 68% من الناتج المحلي وفقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي، وذلك بعدما كان في السنة السابقة يبلغ 61.8%، بل ويتوقّع الصندوق أن يرتفع مستوى الدين العام أكثر في السنة المقبلة ليبلغ 69.3%. أي إن ارتفاع نسبة الدين العام، ستنعكس حتماً على السنوات القادمة وبشكل تلقائي لأن الدين لا يأتي بلا فوائد. وهذا ما يؤدي إلى الدوران في دوامة الاستدانة وارتفاع الكلفة، ثم الاقتراض لتمويل كلفة أكبر وتسارع نموّ كتلة الفوائد... والفوائد تشكّل جزءاً أساسياً من الموازنة العامة، وبالتالي فإن تخصيص نسبة من الإيرادات الحكومية للإنفاق على الفوائد يدفع نحو إلغاء إنفاق في مجالات أخرى أو خفضها سواء في مجال الخدمات العامة أو الإعفاءات المتعلقة باستقطاب الاستثمارات والإنفاق الحكومي على الاستثمار في البنية التحتية... ثمة وصفة أخرى تتمثّل في زيادة الضرائب، ما يعني تداعيات أكبر على الاقتصاد الإسرائيلي.
