ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

خلية صوريف (*)

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

بعد خروجهما من السّجن عام 1994، اجتمعا معاً وقرّرا بناء مجموعة عسكرية. كانت أول خطوة لهما البحث عن البقية الباقية من عتاد وسلاح، ليرثاه بعدل الثّورة وشريعتها، وهما من نجا من الضّربة الأمنيّة القاسية التي أتت على كل المجاهدين الثوّار

جمال الهور
جمال الهور
السبت 24 كانون الثاني 2026
جدارية أم الشهيد في رام الله (بعدسة محمد غفري، 2022)
جدارية أم الشهيد في رام الله (بعدسة محمد غفري، 2022)
الخط


بعد خروجهما من السّجن عام 1994، اجتمعا معاً وقرّرا بناء مجموعة عسكرية. كانت أول خطوة لهما البحث عن البقية الباقية من عتاد وسلاح، ليرثاه بعدل الثّورة وشريعتها، وهما من نجا من الضّربة الأمنيّة القاسية التي أتت على كل المجاهدين الثوّار من أبناء مجموعتهما السّابقة، بقيادة الشهيد «محمد عزيز رشدي: الحاج بركات»، فجعلتهم بين شهيدٍ وأسير، أو خفيٍّ لا يعلمان عنه شيئاً.

كانا قد ذهبا إلى حيث مخبأ المجموعة الذي كان عبارة عن غرفة بحجم الصندوق الكبير داخل حائط زراعي في منطقة «المحاجر» عند مدخل قرية «بيت فجار» — شمال مدينة الخليل — وكانت الصّدمة التي ألجأتهما إلى البحث عن بدائل أخرى، فقد سُرقت أسلحة المجموعة.

أُسقط في أيديهما ولاذا بألوان الحيرة حتى هُديا إلى نور الذي كانا يثقان بشخصه، لفرط ما عاشراه وعرفاه بصموده الأسطوري في أقبية التحقيق، فبحثا في شأنه، بعدما ظنّا كل الظنّ أنه يحوز سلاحاً وعتاداً، فقد كانت شبكة علاقاته واسعة، جمعتها عليه السّجون والهجرات والالتحاق بصفوف الثورة الفلسطينية في أكثر من لون ثوريٍّ وطيف، فاستخارا لأمرهما، فقضى الله أمراً كان مفعولاً، ليصبح نور ثالث ثلاثة شكّلت النّواة الأولى لخليّة صوريف، وكان ذلك آخر عام 1994 ومطلع عام 1995.

— نذكر تماماً.. قالا معاً.

ثمّ عقَّب حسن:
— وهل هو يومٌ يُنسى، يوم ضحكت علينا، ههه، وضجّت الغرفة بضحكهم.
كان نور قد تنكرت له الدّنيا، وقلبت له ظهر المِجَنّ، بعدما طوت تحت ثراها أعز رفقاء دربه، الشهيد محمد حسن غنيمات قائد مجموعة جبل الخليل، التي ثارت بين عامَي 1980 و1985، بعد ذلك لاحقته الدنيا برجمها، فقطفت رفيقه الشهيد جمال عادي بغدر كمينٍ قاتل، ليظلّ من بعده مقصوص الجناح، رغم كل المحاولات لإنبات ريشٍ جديد، كي يُحلّق مرةً أخرى في سماء الثورة، إلا أن محاولاته باءت بالفشل؛ الأمر الذي جعله يدرك بدهائه وفطنته في مجيئهما إليه فرصةً لا تُغفل ولا تُهمل، فراودهما عن سلاحه شريطة أن يشاركاه أمرهما فقبلا، إذ لا خيارات أخرى أمامهما.

تبسّم على مضض وقال:
— لم أضحك عليكما، إنما عرضت عرضاً، فقبلتماه بذراعين مفتوحتين.
— عرض! أي عرض يا رجل؟ كان الشرط أن...
قاطعه بشيء من الجبروت، وقال: — أنادمٌ أنت يا سيدي حسن؟
— نادم؟ حاشَا الله يا رجل، فقط أردنا أن نستذكر ما طلبت في تلك اللحظات، وما صاحبها من فكاهة وهزل يوم حلقت لنا على الناشف، وخرجنا من عندك بأيدٍ فارغة.
— دعكما من هذا الأمر فقد طوته الأيام، ورُدّا عليّ ولا تتهربا من الموضوع.
— تفضل، تفضل، ماذا أردت أن تقول؟ كلّنا أذنٌ صاغية، ولكن من غير ألغاز.
قلّب نظره بين الاثنين ثمّ نطق قائلاً:
— يوم جئتماني كان في قلب كلّ منكما ثورة تشتعل وتتوقد، كنتما تريدان إسقاط السماء على الأرض، واقتلاع اليهود من هذه البلاد عن بكرة أبيهم، وقتل الجنود وأسرهم، واليوم — قال بعدما عبّ في جوفه شهيقاً طويلاً
— اليوم! أين أنتما اليوم من ذلك؟ إلا...
نظرا إلى بعضهما وانتظرا أن يُتم كلامه، قال وهو ينظر سقف الغرفة بعينين مُغرورقتين: — إلا إذا كنتما تهجرانني وتعملان في الخفاء بعيداً مني، وهذا ما أصبحت مقتنعاً به، وأكاد أجزم به.

عندما أتى على جملة «أسر الجنود» ارتجف الاثنان والتقت عيونهما، وراح كل منهما يحدث نفسه: لا بدّ أن أخبار البارحة أثارت مُخيلته، فهجمت عليه بالظنون، وهمّ كلٌّ منهما أن يقول قولاً يحرف به الحوار بعيداً، لكنهما تمهّلا، قد يعلن ما تخفي سريرته.
خيّم على مجلسهم صمت مترقّب.

عندما لم ينطق أحدٌ بكلمة، بدا نور في عيني صلاح يائساً، صدره يغلي كمِرجل، فأراد أن يُسلّي عنه، ويستمطر لسانه، لعلّهما يكشفان ما يجول في نفسه بعيداً من التأويل، فقال: — أنت تعلم مقامك عندنا.
أومأ نور برأسه وهو ينصت بكلّ جوارحه، فتابع صاحبه قائلاً: — قدرك عندنا كبير، فليس هناك أمرٌ ذو بال نخفيه عنك، إنما تربكنا الظروف قليلاً. اعتادا قبل القيام بأمر يضعهما في مواجهة مع الموت، كتابة ورقة مُكبسلة يضعانها أمانةً وعُهدةً لدى نور، شرطَ ألا ينفَكّ شمعها ولا يُفَضَّ ختمها، إلا إذا لحقت المنيّة بهما معاً، وعندما كانا يرجعان سالمين من مطاردة الموت، يسترجعان وديعتهما، ويحرقانها بما فيها من أسرارٍ دفينة وغامضة.

عند ذكر الكبسولة، أدركا في حَدْسهما أن الأمر خطير، فزيّـنَا كلاماً في صدريهما، بدأه حسن: — حاشا لله أن نضع من شأنك أو أن نستغبيك، أمّا إذا أخذك الشك بشأن الكبسولة، فهي وصيّتنا إليك، ومعها بعض الأمور التي لا نثق بأحد غيرك لمعالجة محتواها بحكمة، وهذا الفعل يجب أن يعزّز ثقتك فينا، لا العكس.

حاول صلاح أن يتجنب الكذب فيما سيتكلم به، وأن يخرج من المأزق خروج صاحبه واسع الحيلة، لكنّه لم يتحرّ الصّدق بجلاءٍ أيضاً، بسبب القانون الصارم المتفق عليه، والذي يحجب أضراراً جسيمة عن المجموعة، رغم أنه مجحف بحقّ بعض أفرادها، وهذا يجري عليهما كما يجري على بقيّة الأفراد.

لقد وضعا قانوناً مفاده أن كل عمل يقوم به فريق من المجموعة يُحجب عن باقي أفرادها، والقانون كان نتيجة الذكاء الثوري والتحصّن الوقائي. فمنذ تجنيد موسى وخليل بعد ثائر، أصبح لديهما بدائل عدّة يُستعان بها، من دون زجّ نور في مواجهة مع الموت لحساباتٍ كثيرة، منها: أن يكون وريثهما إذا حلّ قضاء الله؛ فيُكمل المشوار بخبرته وتجربته وحنكته الثّوريّة، ثم هو رجلٌ كهل له ذريّةٌ كثيرة لا تزال تحبو، وفوق ذلك كله، حُدّدَ فريق ثلاثي من بين أعضاء المجموعة السّتة لتنفيذ عمليات أسر الجنود، وهم المؤهّلون (موسى وخليل وصلاح)، فلا يطرأ تبديلٌ على الفريق إلا إذا لاحت ضرورة قصوى، أو حاجة ثوريّة مُلحّة.

أكّد صلاح على ما قاله رفيقه حسن بخصوص الكبسولة، ثمّ قال: — وأما قولي إنّ الظروف تربكنا، فأنا صادق في ما قلت، وأما ما تشعر به من هجرٍ واستثناء فهذا محض ظنٍّ...
— لا تكمل لا تكمل بالله عليك.

كان الغضب يقطر من عينيه وأخذت يداه ترتعدان، فصمَت الاثنان وراحا يتبادلان النظرات وعيونهما تهمس بأنّ انفضاض المجلس خيرٌ من استمراره، لكنه فاجأهما حين عاد قائلاً وقد سكن غضبه قليلاً، فكأنّ ما قيل حول موضوع الكبسولة من ثقة ومدح، أراح صدره قليلاً: — دعكما من الكبسولة وما يكمن في لفائفها، وقولا لي: بمَ تفسّران عدم قيامنا بتنفيذ أيّ عملية معاً قرابة السّنة بعد عملية حلحول، وقد مضى عليها زمن جعلها نسياً منسيّاً؟

أوّل الثأر

جاءت عملية حلحول ثأراً للشهيد المهندس يحيى عياش، بعد اغتياله على يد جهاز «الشاباك»، بهاتف نقّال مفخخ في 5-1-1996 م، وسط مدينة غزّة.

بعد ثلاثة أو أربعة أسابيع من حادثة الاغتيال الآثمة، وصل ثلاثتهم بسيارتهم من ملعب مدينة البيرة للمشاركة في إحياء مهرجان تأبيني للشهيد وقد فاض الملعب بالجماهير، وما إن بدأت الفعاليات حتى التهبت المشاعر، وترددت التكبيرات والنداءات بالانتقام، واهتزت القبضات الغاضبة بوجه السّماء، وخفقت الرّايات بألوانٍ جمعت ألوان الطّيف الفلسطيني الثّائر جميعها، وتوحّدت نغمات الحناجر الغضبى، واشرأبّت النفوس التي استبطأت الثأر، فراحت تنادي:

— الانتقام... الانتقام.
فارتفعت السبابات المتلاحمة في بطن الأفق كالسّهام العطشى تتعاهد على الثأر علانيةً على عين الكون، وعلى مرمى قدمٍ من سمع العدوّ، فقُدحت جمرة الثأر والانتقام في أعماق الثلاثة، وراحت صدورهم تحمحم، وألسنتهم تتلو: — يا خيل الله اركبي!

(*) فصول من رواية بالعنوان نفسه، صدرت حديثاً عن «دار الرافدين» في بيروت و «دار الشامل» في نابلس، للأسير الفلسطيني في سجون الاحتلال جمال الهور، أحد أفراد «خلية صوريف»، تروي حكاية إنشاء الخلية وتفاصيل العمليات البطولية التي نفذتها، قبل اعتقال أفرادها على أيدي أجهزة السلطة الفلسطينية وتسليمهم إلى الاحتلال، حيث يقضون أحكاماً بالسجن المؤبّد في سجونه. وهي الرواية الخامسة للكاتب بعد «أعواد البرتقال» و«كوني أنتِ» و«جمرات من عنب» و«نقاط وحروف».

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك