ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

«مولع بزياد» الثائر... والعبقري

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

في كتابه «مولع بزياد» (منشورات «تكوين» ودار «الرافدين» ــ 2025)، يقدّم الكاتب العراقي علي عبد الأمير عجام زياد الرحباني كشخصية فنية مستقلة وصدامية، تستخدم السخرية والموسيقى لتشريح المجتمع.

فاطما خضر
فاطما خضر
السبت 24 كانون الثاني 2026
«مولع بزياد» الثائر... والعبقري
الخط

في كتابه «مولع بزياد» (منشورات «تكوين» ودار «الرافدين» ــ 2025)، يقدّم الكاتب العراقي علي عبد الأمير عجام زياد الرحباني كشخصية فنية مستقلة وصدامية، تستخدم السخرية والموسيقى لتشريح المجتمع. في قراءته للحرب الأهلية، يظهر شاهداً على العنف والعبث ويفضح الفساد كنظام مصالح، ويحلّل الطبقية، ويكشف الطائفية كآلية لإنتاج الولاء


جاء كتاب «مولع بزياد» (منشورات «تكوين» ودار «الرافدين» ـــــ 2025) للصحافي والناقد الفني العراقي علي عبد الأمير عجام، تجسيداً لتأثير العبقري زياد الرحباني (1956 ــ 2025) الجمالي، عبر مشروعه الثوري في نقل الحداثة إلى الموسيقى العربية، والمقاومة بالفن ضدّ الرياء والنفاق الاجتماعي والسياسي.

استعار الكاتب عنوان الكتاب، من كتاب «مولع بفاغنر»، الذي تولَّى ترجمته عن الإنكليزية الكاتب ووزير الثقافة المصري ثروت عكاشة الذي كان بدوره متأثِّراً بموسيقى فاغنر إلى حد انزياحه عن عنوان الكتاب الأصلي «فاغنر المثالي» لمؤلفه البريطاني الشهير جورج برنارد شو.

دليل للأجيال

في كتاب عجام، لن تجد ما لا تألفه أو ما لا تعرفه عن زياد، إن كنت من المولعين به. لكن هذا لا يُلغي أهمية الكتاب، الذي يُعدّ بمنزلة أرشيف يحفظ كل أعمال زياد ومحطات حياته المهمة سواء الفنية أو الشخصية، مزوَّداً بقراءات وتحليلات عجام لفن زياد وفكره. ليكون الكتاب بذلك دليلاً مفيداً وشاملاً للأجيال التي ستأتي لاحقاً، وتريد البحث والقراءة حول مشروع زياد الفني والفكري.
يبدو مضمون الكتاب أشبه بمقالات، تُعنى كل مقالة منها بالبحث عن فكرة أو مجموعة أفكار حول موسيقى أو مسرح أو فكر زياد. واختار الكاتب تبويب هذه المقالات ضمن ثلاثة فصول، بالإضافة إلى مُلحقَين في نهاية الكتاب.

انطلياس بداية الحكاية

جاء الملحق الأوّل تحت عنوان «كرونولوجيا»، حيث وثَّق الكاتب ــــ وفقاً لتسلسل زمني ــــ أبرز محطات حياة زياد وكامل نتاجه، بدءاً من سنة ولادته في أنطلياس (1956)، ثم صدور ديوانه الوحيد «صديقي الله» (1968)، ومروراً بكل إنتاج قدَّمه سواء كان موسيقياً، أم مسرحياً، أم جولاته الموسيقية وحفلاته في لبنان وحول العالم، أم إذاعياً (بدءاً ببث برنامج «العقل زينة» عبر إذاعة «صوت الشعب» عام 1987)، أم صحافياً وصولاً إلى وفاته.

أما الملحق الثاني، فجاء تحت عنوان «صور أغلفة الأسطوانات والأشرطة» حيث استعرض عجام أغلفة جميع أعمال زياد بدءاً من غلاف أسطوانة «سهرية» (1973)، وانتهاءً بأسطوانة «إيه في أمل» (2010).

التجريب والتحديث في لغته الموسيقية

عبر ست مقالات متتالية، ركّز الكاتب في الفصل الأول على التجريب والتحديث في أعمال زياد، وروح الارتجال عنده، خصوصاً في الحفلات الحية؛ من دون أن يتنازل زياد عن شرطه الإبداعي الأساسي: «الموسيقى وحدها». وطرح عجام على التوالي أفكاراً تدعم فهم القارئ لتجربة زياد كمؤلف موسيقي مستقل، وكمبدع خلّاق في مختلف الأشكال الفنية (المسرح، الموسيقى، الغناء)، وكرائد حداثي تحرِّكه تجارب شخصية واجتماعية عميقة.

خرج زياد عن عباءة الأخوين رحباني، فاختار رؤية فنية تقترب من حرارة الواقع اليومي وتعقيداته، وتبتعد عن الرومانسية التقليدية. وتأثَّر في تأليفه بموسيقى الجاز، لكنَّه ربطها بروح الموسيقى الشرقية. ونجح في تقديم موسيقى مجرَّدة (آلية بحت) في سوق تستسيغ الأغنية فقط، كما في أسطوانة «هدوء نسبي»، التي تؤكد على أنّ الموسيقى هي الأصل عند زياد. أمَّا في مقطوعته «أبو علي»، فقدَّم درساً رائداً في موسيقى الـFusion، جاعلاً من الإيقاع المتكرِّر رمزاً إلى رتابة الحياة، ومن الفواصل اللحنية للآلات الموسيقية تعبيراً عن ثراء المشاعر الإنسانية، مقدّماً تصويراً موسيقياً عميقاً للزمن المعاصر.

سيد درويش والشيخ إمام

كما استحضر في تأليفه الموسيقي ما افتقده في طفولته في بيت العائلة (وجود أعمال سيد درويش والشيخ إمام)، وأدخل لاحقاً في صياغاته اللحنية والغنائية روح هذا الموروث الموسيقي المصري وأجوائه كما في أغنية «أنا مش كافر» التي تقترب في صياغاتها التهكمية من أجواء الشيخ إمام. إلى جانب أغنية «شو هالإيام» التي تقلل من أهمية الصورة البصرية لمصلحة الصوت والفكرة وتتسم بلغة المفارقة والسخرية؛ استحضر زياد سيد درويش، عبر تضمينه في الأغنية جملةً من عمل درويش «الحلوة دي قامت تعجن»، مقدِّماً نموذجاً في تحديث الموسيقى العربية بالارتكاز إلى مرجعيتها الأصيلة.

الحرب الأهلية اللبنانية

وحضرت الحرب الأهلية اللبنانية في أعماله كموضوع وموقف جمالي. جعل من فنِّه أداةً نقدية لصوغ وقائع الحرب وعنفها وعبثيتها. في أغنية «أنا مش كافر» التي خصَّص لها عجام مقالاً كاملاً، فسَّر الكاتب كيف غدت هذه الأغنية عنواناً لمرحلة كاملة، وبياناً فنياً ضد النفاق والقبح، مسبوكاً ضمن سياق فني ونقدي متماسك.

تجلَّت المقاومة في أعماله لا كشعار سياسي بل كموقف أخلاقي ونقدي


وتجلَّت المقاومة في أعمال زياد لا كشعار سياسي، بل كموقف أخلاقي ونقدي لاذع لمن يتاجرون بالقضية ودماء الشهداء، ويعتلون المنابر بخُطَب معلَّبة وجاهزة؛ وكتمجيد للشهداء الحقيقين، كما في أغنية «المقاومة الوطنية اللبنانية»، التي منحها عجام اسماً آخر: «تحية للجنوب». وبذلك، تجسَّدت مقاومة زياد في أسمى معاني المقاومة: مقاومة ضدّ استغلال المأساة والإنسان.

فيروز الجديدة

أما في الفصل الثاني، فتناول الكاتب ـــ عبر سبع مقالات ــــ النقلة الجوهرية والجرأة التي أحدثها زياد في مسار السيدة فيروز الغنائي. إذ كان انتقالها من مرحلة الرحابنة إلى مرحلة زياد، بمنزلة الانتقال من سماء الرومانسية إلى أرض الشجن اليومي، مع الحفاظ على الإخلاص لفكرة واحدة: الموسيقى ليست للترفيه فقط، بل هي فعل مقاومة وجودي واجتماعي.

وهذا ما جعل من تجربتها سيرةً فنية كاملة، تروي قصة الإنسان العربي بين حلم الوحدة وصدمة التشرذم. فالسيدة فيروز ليست مجرد صوت ملائكي اخترق جغرافيا العرب وذاكرتهم، بل امرأة عاشت أدواراً إنسانية كاملة، انعكست بتلقائية صادقة على مسارها الفني، محوّلةً حياتها الشخصية إلى بانوراما غنائية عريضة.

لم ينظر زياد، إلى صوت أمه كإرث مقدَّس يجب تحنيطه، بل كأداة تعبيرية قادرة على قول الجديد. أمَّا فيروز، فقبلت التحدي بإيمان الفنانة العظيمة وشجاعتها النادرة. وهكذا من أسطوانة «معرفتي فيك» (1987)، حتى أسطوانة «إيه في أمل» (2010)، نجح زياد في جعل فيروز صديقةً لصوتها الجديد، تاركة سماء الرومانسية لتغنِّي تعقيدات المرأة المعاصرة وهموم الأرض، في أقوى عملية تجديد يخوضها فنان راسخ.

«كيفك أنت»... رؤية ثورية

خصَّ عجام أسطوانة «كيفك أنت» (1991)، بمقالتين منفصلتين. الأولى بعنوان: ««كيفك أنت»... أشواق الإنسان في اضطراب حياته»، إذ رأى عجام أنّ أسطوانة «كيفك أنت» مثّلت ذروة مشروع زياد في تحويل فيروز من أيقونة رومانسية إلى صوت يعبِّر عن الوجود المعاصر المضطرب.

نجح زياد في استخدام موسيقى الجاز وتقنيات الفيوجن، وتحويل الأغنية إلى مرآة للمشاعر الأرضية والعلاقات اليومية المترعة بالخيبات، وفي تقديم نموذج متكامل لرؤيته الثورية في إعادة تشكيل الصوت الفنّي لأيقونة الغناء العربي فيروز. وهكذا لم يقتصر التحوّل فيها على الألحان، بل امتد إلى هندسة المشاعر وصورة المرأة في الأغنية.

أمَّا المقالة الثانية فعنوانها: ««كيفك أنت» في بغداد وقد قُصم ظهر البلاد». هنا، روى عجام بالتفصيل كيف تحوَّلت هذه الأسطوانة في خضم دمار بغداد خلال حرب الخليج (1991)، إلى ملجأ روحي للكاتب وأصدقائه.

أما في الفصل الثالث والأخير، فتناول عجام عبر ثلاث مقالات زياد كفكر فاعل، وكناقد اجتماعي، وكصاحب رؤية استندت إلى مرجعية ماركسية واقعية، وانطلقت من معاناة المقهورين لا من الشعارات المجردة، ودَعَت إلى ديموقراطية أخلاقية وأمن اجتماعي حقيقيين وبعيدين من الفوضى والقمع.

السخرية أداة لتشريح التناقضات الطبقية

وأوضح عجام بالاستناد إلى أعمال زياد، كيف استخدم زياد الموسيقى والكلمة كأدوات سخرية لتشريح التناقضات الطبقية والاقتصادية وفضح زيف الشعارات السياسية والوطنية الجوفاء. يغدو بذلك كلٌّ من فكره وموسيقاه نموذجاً لسوسيولوجيا فنية نقدية، حلّلت المجتمع وفكّكت أوهامه، وكشفت عن الإحباط الذي يصيب المثقف عندما يجد أنّ واقع الخيانة والانهيار قد تجاوز قدرة النقد الفني على التغيير.

وهذا ما يؤكِّد على أنَّ العلاقة بين الفنان والواقع علاقة ضرورية لكن خطرة. نجح زياد في ذروته، بأن يكون مرآةً لوطنه عبر فنٍّ رفيع يحافظ على مسافة جمالية؛ لكن ضغط الواقع الهائل وتشظِّيه، إلى جانب خيارات زياد الشخصية في الانخراط في الخطاب السياسي المباشر، قادت إلى اختلال المعادلة: طغى اليأس والخطاب على الفن وفقاً للكاتب.

وهكذا، زياد ليس عبقرياً موسيقياً ومبدعاً مسرحياً ومفكِّكاً للمفاهيم الجاهزة فقط، بل هو نموذج للمثقف الذي رفض كل العباءات – العائلية والفنية والسياسية – واختار أن يكون صوته الخاص فقط، متحمِّلاً ضريبة ذلك من اليأس والعزلة في عالم عربي يكرِّس التناقض بين الخطاب الجميل والممارسة الفاسدة.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

لبنانصفعة لعيسى ورجي: شيباني باقٍ في بيروت
الأخبار

25.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك