ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

كتابها توثيق ليومياتها تحت القصف في غزة: فاتنة الغرّة... أرشيف الإبادة

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

من «كربلاء الثانية»، من غزة المحاصرة من البرّ والبحر والجو، وإليها، كان على الشاعرة الفلسطينية المقيمة في بلجيكا فاتنة الغرة أن تقطع رحلة الذهاب والإياب ليكون اللقاء مع «غزّة التي يقارب عمرها أربعة آلاف سنة، غزّة بوصلة الإنسانية

محمد ناصر الدين
محمد ناصر الدين
السبت 7 شباط 2026
كتابها توثيق ليومياتها تحت القصف في غزة: فاتنة الغرّة... أرشيف الإبادة
الخط

من «كربلاء الثانية»، من غزة المحاصرة من البرّ والبحر والجو، وإليها، كان على الشاعرة الفلسطينية المقيمة في بلجيكا فاتنة الغرة أن تقطع رحلة الذهاب والإياب ليكون اللقاء مع «غزّة التي يقارب عمرها أربعة آلاف سنة، غزّة بوصلة الإنسانية، غزّة التي كلّ ما قيل اسمها صلب ظهري، وإلى أمَّي رابعة روحي التي تدبّ على الأرض». رحلةٌ تحبس الأنفاس تابعنا فيه فاتنة يوماً بيوم على حسابها الفايسبوكي، منذ وصولها إلى غزة عبر القاهرة قبل أيام قليلة من الطوفان بعد غربة امتدت خمس عشرة سنة في المنفى البلجيكي، لتواكب الطوفان لحظة بلحظة منذ حدوثه في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 حتى التاسع عشر من كانون الأول (ديسمبر) 2023 لحظة نجاحها في لقاء والدتها والوصول مع العائلة إلى «الممرّ الآمن»: إنها يوميات المقاومة والصمود في مواجهة الإبادة، والإصرار على أقحوانة الحياة التي تشق طريقها الصعب في قلب تربة الموت، وقد تحولت إلى كتاب يحمل عنوان: «دم نازح في الممرّ» صادر عن منشورات «المتوسط » (ميلانو) نهاية العام المنصرم. يمكن اعتباره بمثابة أرشيف حيّ وتوثيق للطوفان الكبير بتفاصيله الصغيرة واللحظات التي قضتها الغرّة في مستشفى «القدس» في تل الهوا، كأنّها التتويجات الصغيرة التي تجتمع كلها لتصنع وردة الدم، وترمي بالجرح الفلسطيني في وجه العالم الوقح، طريّاً، نازفاً يندد بالخرَس «المنهجي» عند أرباب السياسة والثقافة في الغرب. هذا الذي لا يريد أن يرى مأساة خارج نطاق مصالحه الضيقة ورعايته لآخر حالة كولونيالية في التاريخ. لا يريد الغرب شِعراً بعد أوشفيتز، كما يقول أدورنو، لكن بلى، لا بد من الشعر والأدب والكتابة في كل محرقة يُفرى فيها اللحم الحي للأبرياء، وفي كل مقتلة تقرر فيها آلة البطش والتنكيل أن تمحو مدناً بأسرها، بتاريخها ومعالمها وذكرياتها عن الخريطة. ولا بد للروح التي تكتب هذه اليوميات من أن تذكرنا بسيجارة مهرّبة بين موتين، واستذكار وجه الأم في الطفولة حين تخبز بفرنها الطيني، وسؤال تافه عن مكنسة بين أروقة المستشفى المحاصر وإصرار على الحياة التي تدبّ عبر ضوء من تحت الركام، وعلى شعب لو صلِب على حجر سيقول لا، وسيبلغ يوماً ممرّه الآمن إلى الحرية بعد مسير فوق الأشواك، ويعبّ من هواء الكرامة فوق غزة ما يملأ به رئتيه. هنا ننشر مقتطفات من الكتاب

دمٌ نازحٌ في الممر

(من الرسالة الرابعة عشرة)

يصطف مطبخنا الصغير «نظريّاً» جوار مكان نومي، صندوقان من الكرتون المقوى نضع فيهما بعض المعلَّبات التي وصلَتنا من الهلال الأحمر وبضعة أكواب وصحون بلاستيكية وكرتونية استطعنا توفيرها، حيث نقوم بإعادة استخدامها حتى يهترئ الكرتون بفعل السوائل، فنقوم بالتخلص منه آسفين من فقداننا شيئاً من قوام المطبخ الصغير، وفي أسفل الصندوق تجد أكياساً صغيرة تحتوي على القليل من الميرامية والسكّر والشاي الذي لا غنى لنا عنه خاصّة بعد انقطاعنا عن العالم وندرة وجود القهوة التي تساعد على تعديل المزاج أو هكذا كنّا نقنِع أنفسنا.

نستعيض عنها أحياناً بأكياس النسكافيه أو القهوة السريعة الذوبان، والتي أيضاً صارت عزيزة ونادرة كلّما مرّ يوم إضافي على حصارنا في المستشفى. لكن عمّكِ زياد كان دائماً ما يجد طريقة لتزويدي بكوب القهوة وإن آثرني على نفسه ودائماً ما يفعل.

أمام مطبخنا غرف مرضى عادة ما تكون الأبواب مغلقة إلّا وقت القصف، حيث يتمُّ تفريغ أغلب الغرف من المرضى إلى داخل الممرَّات، فالقصف في الخارج لا يتوقّف، خاصّة في حفلة السهرة التي يمكن أن تمتدَّ من الساعة الحادية عشرة ليلاً وحتّى الساعة الخامسة فجراً بوتيرة واحدة، يكاد القصف فيها يقع كلّ دقيقة مثلما يحدث أحياناً أن تسقط الصواريخ بمعدَّل ثلاث «دبَّات» في الدقيقة الواحدة، يقتلوننا ببطء، القتل ليس دماً يسيل وجسداً يتضعضع ويفرقع تحت أنقاض البيوت، الموت هو صوت القذيفة أو الصاروخ الساقط على أحلامنا. تعوّدتُ في أيَّام القصف المتواصلة على التأقلم، لا بدَّ للمرء هنا من التأقلم حتَّى لا يموت مع كلِّ صاروخ يسقط.

أنظر إلى وجوه النساء اللواتي يأتينَ إليَّ أحياناً بحثاً عن أجوبة تُسكِّن القلق الذي يأكل أكبادهنَّ منذ أن انتشرت معلومة أني كاتبة وصحافية، خاصّة حين كانوا يروني أتحدَّث أحياناً بالإنكليزية مع محطة تلفزيونية أو بالهولندية التي لا يفهمونها، وكثيراً بالعربية. وباتت هناك قناعة بأن لديّ أجوبة عن أسئلة شائكة، لكن السؤال الأكبر كان حول موعد انتهاء الحرب. تأتي النساء أحياناً ليسألنني أسئلة أظلّ أمامها فاغرة فاهي غير مدركة: أهذا السؤال حقيقة أم مقلب؟

أهو موجَّه لي أم لامرأة أخرى لا أراها؟ مثل أن تأتي امرأة إليَّ ذات صباح كنتُ أحاول التفاهم مع العالم المحيط بي وأنا أحيط وجهي بكفيّ في صمتي الصباحي الروتيني، فسقط السؤال على رأسي فجأة مثل مقلاة: «في حواليكي مكنسة يختي؟» رفعتُ رأسي للسائلة أنظر باستغراب، حيث إنني أجلس على فرشة فارغة إلَّا منِّي ومن مخدَّة أستند بظهري عليها، سألتُها: هل توجِّهين السؤال إليّ؟ فأجابتني: «آه، فش عندك مكنسة؟».

نظرتُُ إليها لثوانٍ من دون إجابة، ثمَّ وضعت يدي في صدري أبحث عن شيء ما وأنا أقول لها، لم أجد شيئاً، أظنّها أحسَّت بالإهانة، لأني لم آخذ سؤالها على محمل الجدِّ، فقالت وهي تنصرف: «أنا الحقّ عليا اللي سألتك». تبدو الأسئلة هنا مجرَّد أسئلة، ولا يهمُّ كثيرين على من يطرحون السؤال ما دام أنّ الإجابة هي فتحة أمل ربما لتنظيف غرفة في طابق من مستشفى يعجّ بآلاف النازحين أو بانتهاء حرب كل يوم نصحو لنقول بيقين إنّ هذا هو يومها الأخير.

الحياة تطل عبر ضوء من تحت الركام

(من الرسالة السادسة عشرة)

محمد ذلك الطفل ذو السنوات العشر وصاحب أجمل ابتسامة رأيتُها، كان يتجوّل بيننا بكرسيِّه المتحرِّك وملفّ يحمل فيه رسوماته التي أمضى فترة علاجه هنا بالعمل عليها، يخبرني محمد أنه كان في البيت مع أسرته وهم من سكّان جباليا، حيث شعر فجأة أن البيت كلَّه هوى فوق رأسه، يقول لي إنه كان محاطاً بسجّادة كبيرة، التفّت عليه، فقام بتخليص نفسه منها بصعوبة، ونظر بعينيه من تحت الركام، ليرى ضوءاً يأتي من زاوية هناك، يخبرني وهو يبتسم عن محاولاته للوصول إلى النور رغم أنه كان يصرخ للأصوات في الخارج «أنا هنا، أنا تحت الركام»، لكنْ، لم يسمعه أحد، فظلّ يجرّ نفسه دون أن يُدرك أن قدمه مصابة حتَّى وصل إلى الضوء الذي رآه وظلَّ ينبش بأظافره الصغيرة والدم يشلب منها، يزيح حجراً من هناك وقطعة خشب من هناك محاذراً ألَّا ينهار شيء فوق رأسه. يخبرني محمد أنه بعد جهد من المحاولات، استطاع النفاذ من الفتحة التي وسَّع منها بأصابعه ومدَّ رأسه منها ثمَّ سحب باقي جسمه وظلَّ يركض حتّى تلقّفه المسعفون. وعند سؤالهم له عمَّن ساعده للخروج من تحت الركام أجاب بفخر: «أنا اللي طلعت حالي».

فتّة عدس بالدقّة والطحينة

(من الرسالة الثالثة عشرة)

كانوا يجهّزون فتّة عدس. لا أظنّ أنّي تناولتُ ألذّ منها سابقاً. مزيج الطحينة مع الدقّة الغزاوية التي تحتوي على الكثير من الفلفل الأخضر والثوم والليمون نقلَت فتَّة العدس البسيطة إلى مستوى آخر. كنتُ أقف على شباب الغرفة في أثناء إعداد الطعام، وأتابع بعيني الناس الذين يتناثرون في مداخل المستشفى وأمامه وفي ممرَّاته وبين السيَّارات المتناثرة. أتأمل في الصراعات الخفيفة التي دفعني صوتها للوقوف بداية على الشبَّاك.

أتأمَّل في وجوه الأطفال الذين يجرون بين أقدام الكبار يمارسون ألعاب الغمّيضة و«الصفطة» وهي لعبة تعتمد على فريقَين يرصّان بضع بلاطات صغيرة فوق بعضها ويضربانها بالكرة ويقوم الجميع بالجري والتملص من الكرة بينما يقوم باقي أعضاء الفريق بمحاولة رصّ البلاطات مجدداً فوق بعضها.

والأسبق في تحقيق الهدف هو المنتصر في اللعبة. لم يتعب الأطفال في محاولة البحث عن البلاطات، حيث هناك وفرة من البيوت المقصوفة، ويمكنهم دائماً العثور على شيء هناك. قبل أن نبدأ الأكل، طلبنا من أحمد الخروج من الغرفة، لأننا نريد أن نمشّط شَعْرنا، وهذا أمر ليس من اللائق أن يحدث أمام رجل.

خرج أحمد بعد مشاكسة لطيفة، ودخل المشط شَعري لأوَّل مرَّة منذ أيَّام طويلة. تغريد ظلّت تمشِّط شَعري كأنها تدلّكه، وأنا كنتُ أشعر أن هناك جرباً ما قد أصاب شَعري. الحكّة شبه دائمة، حيث لا سبيل لتهوية الشّعر بكشفه أمام النازحين هناك، ولا رفاهية حمّام محترم، فبات شَعري مرتعاً لكلِ ما هبَّ ودبّ. لكن ملعقة من فتَّة العدس خدَّرت ما تبقّى من حكَّة كنتُ أحسّها. الآن أنا في جنَّة من المذاق النادر. ولذلك اختفى كلّ شيء آخر حتّى القصف الذي كان يُوقِع من يد أحدنا ملعقته في لحظة مفاجئة.

سيجارة بين موتين

(من الرسالة الثامنة عشرة)

لم أكن يوماً مدخّنة، لكن سيجارة الصباح مع فنجان القهوة ضرورة ملحَّة، كي أتمكّن من التواصل مع العالم. اكتفيتُ هنا في كثير من الأحيان بنصف سيجارة أتحايل بمختلف الطرُق على تدخينها في الحمّام. أدلف إلى الداخل وأُنزل غطاء التواليت واقفةً بقدمي فوقه. أُشعل السيجارة ورأسي يمتدّ خارج النافذة.

القصف في الخارج يرجُّ المبنى والطرقات على الباب تستعجلني بالخروج، أتجاهلها أحياناً، تصيبني بالعصبية كلّ مرَّة، ولا أجد ردّاً منطقياً غير جملة واحدة: أعاني من الإمساك. يبدو هذا السبب منطقيّاً في الكثير من الأحيان للمنتظِرات خلف الباب. لكنَّ بعضهنّ يبدأن بالتندُّر عن هذا السبب، كأنهنَّ يخبرنني أن سبب إطالتي البقاء في الحمّام هو أمر آخر يتواطأْن على فعله، ربما لأن أخريات يقمنَ بالفعل نفسه.

أُنهي السيجارة على عجل، وأرشُّ قليلاً من معطِّر الجوّ خلفي في ما لو علقت الرائحة في الداخل، رغم أني كنتُ حريصة على مدّ رأسي لأبعد نقطة ممكنة خارج النافذة.

أخرج وأنا أتنفّس براحة بأن هذه المرّة عُدت بسلام من دون فضيحة في الطابق. مرَّة، كاد الأمر يصبح «جرصة» في الطابق، حيث علا صوت رجل يبدو من لباسه ولحيته أنه من المتعصِّبين. يقول إنّ هناك رائحة دخان تخرج من الحمّامات، وإننا في حرب، وهذا سلوك مرفوض، وبدأ بإلقاء خطبة عصماء، وأنا أتجاهل أن أنظر باتّجاهه حتّى جاء صوت طفل صغير يردُّ على الشيخ بأنّ حمّام الرجال مملوء بأعقاب السجائر، فسكت الشيخ كأنه بُهت، حيث أُسقط في يده القيام بدور الرقيب الديني علينا.

ما قاله الطفل كان طوق نجاة لكلِِّ امرأة أحسَّت بالقلق ذاته الذي أحسستُ به من انكشاف غوايتنا الصغيرة أمام الآخرين، ووضعنا في فوهة القيل والقال حول تلك النسوة اللواتي يردن الاستمتاع بسيجارة يتيمة، بذنْب بسيط لا يخصّ أحداً إلاهنَّ. متعة بسيطة قد لا تعني أحداً من المقيمين معنا، لكنها بالنسبة إليهنَّ وقت مستقطع من الحرب. وقت مستقطع من رائحة الموت والدمار، وقت مستقطع من موت ربما يستهدفهنّ في اللحظة القادمة.

طائر نقّار الخشب في صدري

(من الرسالة العشرين)

أحدّثك، يا لمار، عن خوفي من النشر على حسابي في الفايسبوك. بعد أيام من الحرب، أخذتُ قراراً بعدم النشر، عدم كتابة أي جملة على صفحتي. لم يكن فقط شحّ الإنترنت هو السبب، هذا أمر كانت له حلول، وإن لم تكن دائمة، لكن دافعي الأكثر خفية كان الخوف. كنتُ أتابع كلّ ما أتيح لي من منشورات من قبَل أصدقاء، عن أصدقاء آخرين كتبوها وباتت نعوات خاصّة بهم: أيّ كلمة كنت أفكّر بكتابتها كنتُ أراها نعوة، قد ينشرها أصدقاء في وقت لاحق، حتّى صباح الخير قد يشاركها صديق أو صديقة ما كاتباً فوقها، لم تعِش حتّى يأتي الصباح بخير.

لم أستطع احتمال فكرة أن أصبح خبراً تتمّ مشاركته، وأعلم أنّ كثيرين سيكتبون كلاماً لم يقولوه لي. سيمدحونني ويمجّدون حضوري الذي كان، وهناك من سيدّعي أننا كنَّا أقرب الأصدقاء، كي يحظى بعدد أكبر من اللايكات. كما أنني لم أكن أرغب أن يتنامى عدد متابعيَّ بدافع الشفقة أو التشجيع، كأنني ثور في حلبة أو ديك في مصارعة. اكتفيتُ بطمأنة الصديقات والأصدقاء الذين ما كفّوا عن السؤال والدعم، وكان السؤال دائماً: «فاتنة طمنينا هل أنت بخير؟».

هنا تفقد الكلمات معانيها المعجمية، يا لمار، فهذا السؤال يبدو منطقياً حين تريدين الاطمئنان على أحد، هل أنتَ بخير؟ خرج الخير من الكلمة وبقيت مفرغة من معناها، فلم أجد ردّاً غير أننا على قيد الحياة، ما زلنا على قيد الحياة أو أختصر هذا كلّه بكلمة «عايشين الحمد لله». تكفي هذه الكلمة ليعرفوا أنني ما زلتُ أتنفّس.

كان ياسر الزيات صديقي الشاعر والصحافي المصري يرسل إليّ في كثير من الأحيان نقاطاً، كي يعرف حين تتحوَّل لديه إلى اللون الأزرق مع خطّين أنني ما زلت أتنفس وأن هاتفي ما زال قادراً على الحياة. لا تعلمين، يا حبيبتي، كم أنقذ هذان الخطَّان الأزرقان حياة أناس عدّة. بعضهم كان تحت الردم، وكان الخطّان هذان بمثابة إشعارَيْن لدى المسعفين بوجود حياة في الأسفل تحت كلّ هذي الحجارة وهذا الردم المتراكم فوق الصدور.

وأنا أكتب لكِ عن الخوف تذكّرتُ مشهداً في مسلسل Game of Thrones حين كان نيد ستارك ينفّذ حكم الإعدام بحقّ شخص ما، وكان هناك نقاش بين أبنائه عمّا لو كان المعدوم خائفاً أم شجاعاً. كان الطفل بران يحضر هذا الحكم، لذا استثار السؤال رغبته في المعرفة، فقام بسؤال والده بعد تنفيذ الحكم: «يا أبي، هل يمكن للمرء أن يكون شجاعاً وهو خائف؟». فردَّ عليه والده: «يا بني، لا يمكن للمرء أن يكون شجاعاً إلّا وهو خائف».

مشي الخوف ولا مشي الطمع يمّه

(من الرسالة الثالثة والعشرين)

قدما أمي الصغيرتان تعودان للمشي، كفّها على ذراعي والآخر على عكّازها، والشوارع تبدو أطول لمَن لا يعرفها مثلي. كم يبلغ طول المسافة حتّى الوصول إلى مفترق شارع صلاح الدين؟

على الخريطة لا تظهر أيّ بيانات تشير إلى المسافة ما بين النقطتَين، وليس لنا إلَّا أن نُكمل المسير. أكمل الطريق وكلّ ما فيّ ينزّ ماءً وأنا أنظر إلى وجه أمّي الذي صار الدم فيه أكثر وضوحاً من لون البشرة.

تحوّل وجهها إلى أحمر فاقع، ذكّرني بالوقت الذي كانت تقضيه بالساعات أمام فرن الطينة وهي تخبز لنا. وجهكِ الآن، يا أمّي، أحمر داكن من دون فرن طينة. لا أكفُّ عن سؤالها: هل نستريح، يا أمّي؟ ولا تكفُّ هي عن تكرار الإجابة نفسها: «امشي يمَّه، مشي الخوف ولا مشي الطمع».

كيف كنتِ تمشين، يا أمّي، عندما نزحتِ مع أهلكِ من الكوفخة قريتكِ الصغيرة الواقعة في شمال غزة، كنتِ طفلة تبلغين وقتها أربع سنوات، ربما كنتِ تَجرين وقتها، وربما نمت وأنتِ تمشين مع الماشين المهجَّرين من بيوتهم قسراً. أكاد أراكِ الآن، يا رابعة، وجدّتي تنادي عليكِ، كي تلزمي خطَّ الطريق، أكاد أراكِ وأنتِ تمشين حافية القدمين، تحملين لعبة صغيرة بين ذراعيكِ أو ربما صرَّة فيها بعض من ملابسكِ أو كلّها.

نمشي فيتّسع الطريق ويستطيل، النازحون يجيئون ويذهبون، يأتون من الخلف ويمضون إلى الأمام. نحن نمشي على وقع خطاكِ، يا أمّ، تذكّرني هذه الجملة، يا لمار، بجملة من نصّ كتبه عمُّكِ جهاد الذي اختفت آثاره من الحياة قبل سبعة وعشرين عاماً وهو يقول في رسالة وصلت إلينا في أثناء دراسته في سوريا: «راحل، يا أمَ، فتكسرت تنهيدة من ثوبها، وتجعَّد الماضي على مرآة حاضره».

في أثناء المسير، كانت أمي تعرّفني على الشوارع التي نمرُّ فيها، على البيوت وأصحابها، فالكلُّ في الحيّ يعرف بعضه مهما اتّسعت رقعة الحيّ وتمدَّدت. تخبرني أمي أننا وصلنا إلى «المصلّبة» وهو اسم المكان. أنظر حولي وأحاول طبع هذه الأماكن في رأسي. أنظر إلى الأمام، فأرى عربة يجرُّها حصان تعدو قادمة باتّجاهنا. أفرك عينيّ، وأنظر مجدداً إلى الجالسين فوق العربة، أصرخ: «محمود، يمَّه محمود».

كان محمود أخي بعدما انتهى من دفن ابنه، اتجه إلى طريق صلاح الدين، حيث التقى بعائلته. سألهم عن أمي، فأخبروه أنها لم تصل بعد. كان قد عثر على سائق عربة، حيث تجمَّع سائقو العربات في مفترق صلاح الدين، كي يقلّوا العائلات للأمتار القليلة الباقية.

وحين عرف أنّ أمي لم تصل، طلب منه العودة إلى الوراء، حيث ظهر أمامنا عن البعيد. الدموع كانت تتناثر من عينيّ وأنا أشعر أنّ الحياة طبطبت على قلبي للحظة. سترتاح أمي من عناء قطع هذه الأمتار الباقية حتّى نصل إلى ما أطلقوا عليه «الممرّ الآمن». نزل محمود عن العربة بعينَين حمراوَين، تظنّهما امتصَّتا كلَّ الدماء من وجهه، لتتجمَّع فيهما. لا تعلمين، يا لمار، كمّ الدموع التي ذرفتها وأنا أنظر إلى وجه أمي التي صعدت بصعوبة وبمساعدة محمود إلى العربة.

العربة الصغيرة التي تجلس فوقها زوجته وبناته الأربعة ومتاعهم القليل الذي جلبوه معهم من المستشفى. حينها فقط استطعتُ فتح هاتفي، كي أوثّق هذه اللحظة، كي أوثّق وجه أمي وهي تنظر حولها وتسحب أنفاساً من الهواء كادت ألَّا تصل إلى رئتَيها.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك