مذكّراتي العزيزة
إنها المرّة الأولى التي أجرّب فيها كتابة مذكّراتي. لم يسبق لي أن فعلت ذلك، لكن، إن كنت سأحكي بعض الأحداث لأحفادي في المستقبل، فيجب أن أتذكّرها كما حصلت، وأن يكون لي الخيار في تحريف وقائعها كما أريد.


إنها المرّة الأولى التي أجرّب فيها كتابة مذكّراتي. لم يسبق لي أن فعلت ذلك، لكن، إن كنت سأحكي بعض الأحداث لأحفادي في المستقبل، فيجب أن أتذكّرها كما حصلت، وأن يكون لي الخيار في تحريف وقائعها كما أريد. ذاكرتي لا تشوبها شائبة، لكنني لا أضمن نفسي في سنّ الثمانين، جدّتي أصغر من ذلك وتنسى الكثير من الأشياء، وأنا لا أريد أن أنسى.
قبل أسبوع من الآن أخذتُ القرار، لكنه لم يكن صالحاً للتنفيذ في ذلك الحين، فقد كان عليّ أولاً أن أُعدّ الدفتر الذي سيكون حافظ أسراري. بالطبع، الدفاتر التي أراها مخصّصة للمذكرات لا تصلح لهذا العمل، لذلك لم أختر تلك المزيّنة بنقوش ورسومات ملونة، أو تلك المزوّدة بقفل ومفتاح، إذ لا يمكن المخاطرة بالكتابة على دفتر يصرخ لمن يراه: «أسرار، أسرار.. تعال لتقرأها». لذلك وقع اختياري على دفتر بسيط يحتوي على خمسين صفحة، وقد استهلكتُ الصفحات العشر الأولى في كتابة بعض مسائل الرياضيات وجمل الإعراب والكيمياء ومقاطع نقلتها من كتاب اللغة الفرنسية، ووسمتُ الغلاف الخارجي بكلمة «خرطوش». هكذا، أضمن أنه لن يلفت نظر أحد.
تقول صديقتي إن عليّ البدء في أول أيام السنة الجديدة بحيث أدوّن أهدافي وخططي لبقية العام، لكن من يهتمّ بأن يكون ذلك في يوم مميز؟ كما إن ذلك سيفرض عليّ الانتظار بضعة أشهر، وأنا لا أملك ترف الانتظار... ثم إنه لا خطط عندي ولا أهداف ولا طموحات، بل يوميات فتاة طموحها الوحيد أن تكون ابنةً مطيعة...
مذكّراتي العزيزة، هل يجب أن أطلق عليك اسماً معيناً؟ فأنا أشعر بشيء من الغرابة كوني أتحدث مع دفتر. سأفكر في ذلك لاحقاً، والآن إليكِ المفاجأة الكبرى: «لقد دخّنتُ سيجارة». لم يحصل ذلك اليوم، بل في اليوم الذي قررت فيه الكتابة، فهذا حدث مهم يجب أن يُسطر.
كانت المرّة الأولى، وأنا موقنة أنها الأخيرة، لكنها كانت تستحقّ التجربة. قبل ذلك بليلة، لم أكن أستطيع النوم، فاسترقت النظر إلى التلفاز بينما أخي الكبير يشاهد فيلماً. كانت الممثلة جميلة جداً، شعرها أشقر، بيضاء كالثلج، تضع أحمر شفاه وترتدي فستاناً أسود. تقف على شرفتها لتراقب المارة بعيون حزينة وتدخن.
أغراني المشهد وأردت التجربة. لم يكن في بيتنا سجائر، وبالطبع لم أكن لأشتريها، لذا ذهبت إلى بيت صديقتي، وفي غفلة منها خطفتُ اثنتين، قبل أن أودّعها سريعاً وأنطلق إلى سطح بيتنا وأجلس خلف خمّ الدجاج.
كانت لحظة تاريخية صرتُ فيها متمرّدة وسارقة وكاذبة في آنٍ واحد. لكنني الآن متأكدة أنها تجربة لا تستحق التكرار، فقد كان الطعم بشعاً وحارقاً، وقد اضطررتُ إلى البقاء ساعة كاملة في البرد للتأكد من زوال الرائحة من ثيابي.
كل ما أعرفه في حياتي تعلمته من التلفاز، رغم أنه لم يكن متاحاً في كل الأوقات، ولم تكن مشاهدته رفاهية في حياتنا. الكثير من البرامج والأفلام كانت محظورة، أخي هو الوحيد الذي كان يملك الحق في مشاهدة ما يريد. أمي كانت تشاهد الأفلام بالأبيض والأسود، لكنها كانت تغيّر القناة عند كل مشهد من مشاهد الحب، لأن الحب عيب وهذه المشاهد قد تضللنا.
لم يكن يعنيني الحب، لم أشعر بالانجذاب لأي من شباب القرية، ولا أعتقد أنهم فعلوا. كنت أسمع الكثير من التعليقات حول طباعي الحادّة وكلماتي اللاذعة ووجهي دائم العبوس. لم أكن أفسح المجال أبداً لأي محادثة أن تستمر، ولم أكن أقبل المديح، حتى إنني كنت أثور لأقل كلمة.
منذ يومين كنت في زيارة لصديقتي ووضعنا القليل من الكحل حول أعيننا، وحين رآني أخوها قال لي إنني أملك عينين جميلتين، فقلتُ له من دون تفكير: «عليك أن تخرس». وبعد استيعاب الصدمة قال إنه لم يكن يقصد سوءاً، وإنه لم يقل شيئاً شائناً. كان محقّاً، لكنني لم أستطع تصديقه أو تصديق كلامه. كنت أعتقد أن مثل هذه التعليقات سخرية محضة، لأنني لا أرى نفسي جميلة، وأرى الجميع أوفر مني حظاً في جمال الوجه. كيف لي ألا أعتقد أنهم يسخرون مني؟وكيف يمكن لأحد أن يمتلك عينين جميلتين تحت حاجبين كثيفين ونظارات طبية بحجم النافذة ووجه شاحب مغطى بالنمش؟
أتت إليّ أمي الآن تطلب مني مساعدتها في تحضير العشاء، لكنها رأتني أكتب فابتسمت في وجهي لأنها ظنت أنني أنجز واجباتي المدرسية، وقد أسعدني ذلك لأن خطتي الصغيرة نجحت، لكن عليّ التفكير في خطة أخرى لأستمرّ في الكتابة أثناء الصيف. لا بأس، لدينا متسع من الوقت. أما الآن فعليّ الذهاب لمساعدتها حتى لا أشعر بالذنب، وأثناء ذلك أكون قد فكرت في اسم لك. سأعود لاحقاً يا مذكّراتي العزيزة...
■ ■ ■
عزيزي دفتر المذكّرات... أتعرف لِمَ أنا وحيدة؟ لا، ليس لأن تفكيري مختلف ولا لأنني لا أشبه من حولي. حقيقة الأمر هي أنني غير محبوبة فقط!
أريد بشدّة إرجاع هذه الفكرة إلى قلة ثقتي بنفسي، إلا أنني سمعتهم يقولونها: «لا نحبّها». خرجت هذه العبارة من أفواههم، مجردة، عارية كما هي، وارتطمت بي. كنت أعدّهم أصدقائي، أحبّهم وأرغب في قضاء الوقت معهم وأحاول إسعادهم، لكنني اكتشفت أنني لا أحد عندهم.
أحبّتني جدتي، لكنها ماتت في اليوم الذي تعلمتُ فيه كتابة اسمها! كنتُ متحمّسة لأريها الاسم، لكنني وصلتُ لأرى سكان الحي في بيتنا، وأمي تصفع خدَّي جدتي، التي تغطّ إلى جانبها في نوم عميق.
الشخص الآخر الذي أحبّني كان أبي، لكنه مات بدوره، وتركنا جميعاً نفتقر إلى الحبّ.
أنا واثقة من أن أمي تحبّني، لكنها عاجزة عن الوصول إلى هذا الحبّ في قعر قلبها بعد ثلاثة أولاد ومسؤوليات لا تنتهي، لذلك ألتمس لها العذر.
لم تكن اليوم المرّة الأولى التي أشعر فيها بانعدام الحبّ، دائماً ما كنت الفرد المهمّش الذي يحاول أن يكون جزءاً من المجموعة، لكنه لا يُرى ولا يُسمع.
وأنت يا عزيزي، هل تحبّني؟ أعلم أنك لن تجيب، لكنني أسأل من باب الرغبة في الشعور أنّ ثمّة أحداً معي. لقد أخبرتك سابقاً أنني لا أستطيع مشاركة أفكاري ومشاعري مع سواك.
أرأيت؟ لشدّة وحدتي اتخذتُ الدفتر صديقاً! ينقصك اسم فقط، لكنني لم أجد بعد ما يليق بك، ربما في المرّة القادمة.
أما الآن فلننسَ الحزن والشفقة على أنفسنا قليلاً، ودعني أخبرك أمراً مهماً: أمي كانت تقرأ الروايات! هل تصدّق؟ السيدة منال تقرأ؟ لا زلتُ مصدومة.
عدتُ من المدرسة ووجدتُها قد أفرغت محتويات صندوقٍ قديمٍ لها، ومن بينها كومة من الكتب. ظننتها في البداية لأبي، لكنني تفاجأتُ حقاً بأنها روايات. أغلفتها قديمة بعض الشيء ومتآكلة، وأوراقها صفراء، لكنها لا تزال جيدة. سألتها إن كنتُ أستطيع أخذها، فلم تجب، ربما لم تسمع، فأخذتُها من دون تكرار السؤال وهربت.
واحدة كانت بلا عنوان وأوراقها ناقصة فتخليت عنها، والثانية أخافني عنوانها: «أين عمري». خفت أن أصل إلى يوم أطرح فيه على نفسي هذا السؤال. أعلم أنني لا زلتُ صغيرة، لكنني لا أريد أن يضيع عمري من دون أن أشعر أنني عشته حقّاً.
لقد حان وقت العشاء الآن، وأمي تناديني لتناول الطعام. هل أسألها عن كيفية حصولها على الروايات؟ لا، ليست فكرة جيدة.
في المناسبة، عنوان الرواية الثالثة «العمر لحظة»، ألا تعتقد أنها إشارة؟
* مشغرة/ لبنان
