تصعيد تدريجي في عمليات المقاومة: العراق يدخل «ساعة الصفر»
على وقع المواجهة المتصاعدة بين واشنطن وطهران، يعود العراق إلى خط التماس، وسط مخاوف من انزلاق أمني واقتصادي وسياسي يهدّد بتحويله مجدداً إلى ساحة حرب مفتوحة.


بغداد | على وقع الحرب المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يجد العراق نفسه مجدّداً في قلب العاصفة، إذ إن اغتيال المرشد الإيراني، السيد علي الخامنئي، وما تبعه من ردود صاروخية ومُسيّرة، كلّ ذلك نقل البلاد إلى «ساعة الصفر»، وفق توصيف قياديَّيْن بارزيْن في فصيلين مسلّحين تحدّثا إلى «الأخبار»، مؤكدَين أن «المرحلة الحالية هي الأخطر منذ سنوات». وفي أول بيان من نوعه منذ بدء التصعيد، أعلنت «كتائب حزب الله - العراق» أنه «تأكّد لدينا أن الطائرات الحربية والمسيّرة التي اعتدت على العراق قد أقلعت من القواعد الأميركية المتمركزة في الأردن»، مشيرة إلى «(أننا) نرقب ما ستفضي إليه تصريحات المجرم ترامب بشأن إرسال قوات أميركية برية إلى المنطقة». ودعت «الكتائب» السعودية والإمارات إلى «ضبط خطابهما وفق حجمهما الحقيقي»، معتبرة أنه «لا يتجاوز دورهما حدود الوظيفة اللوجستية وتُسخِّران أراضيهما وإمكاناتهما لخدمة المشروع الصهيوأميركي».
وبالعودة إلى حديث القياديَين اللذين فضّلا عدم الكشف عن اسميهما، فقد أفادا بأن توجيهات صدرت إلى جميع التشكيلات بـ»الاستعداد الكامل لأي ضربة»، وذلك بعد تعرّض مقارّ لـ»الحشد الشعبي» وفصائل مسلّحة في الأنبار وبابل (جرف الصخر) وديالى والمثنى لسلسلة استهدافات جوية خلال اليومين الماضيين. وأشارا إلى أن «إسرائيل تحاول استفزازنا أكثر وسحب المعركة إلى الداخل العراقي، وهذا بات متوقّعاً بالنسبة إلينا». وأكّدا أن «القيادات العليا ما زالت داخل العراق ولم تغادر البلاد»، وأنها «تدير الموقف ميدانياً تحسّباً لتطور الاستهدافات ضدّ الحشد».
في المقابل، كشف أحد القياديَّيْن أن رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، طلب من رئيس هيئة «الحشد الشعبي»، فالح الفياض، ضبط الإيقاع وعدم التحرّك بمعزل عن المنظومة الأمنية الرسمية، وذلك في محاولة واضحة لمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. وأضاف أن «أميركا وإسرائيل تريدان الحرب، بينما موقفنا واضح، ومنذ أشهر توقفت عملياتنا العسكرية، لكن إذا فُرضت علينا المواجهة فلن نتردّد».
وفي السياق نفسه، بيّن حسين الشيحاني، عضو المكتب السياسي لحركة «الصادقون»، الجناح السياسي لـ»عصائب أهل الحق»، لـ»الأخبار»، أن «الاحترازات من الكيان الصهيوني ليست أمراً جديداً، بل قائمة منذ سنوات، لأننا نعرف طبيعة هذا العدو وأساليبه في استهداف القيادات والشخصيات الأمنية المؤثّرة». وأوضح أن هذه الاحتياطات «مبنيّة على تقدير موقف دائم ومراجعة مستمرة للواقع الأمني»، لكنها «لا تعطّل القيادات عن ممارسة دورها الوطني والشرعي».
تعرّضت مواقع لـ»الحشد» في ديالى وجرف الصخر لضربات أدّت إلى سقوط قتلى وجرحى
وأضاف الشيحاني أن الحرب الدائرة «لم تضف سقفاً جديداً إلى الاحترازات، لأننا نتعامل أصلاً مع بيئة تهديد مستمر»، مشيراً إلى وجود ترتيبات لتجنّب سقوط ضحايا في صفوف القيادات والكوادر. وشدّد على أن «قرار السلم والحرب لا يمكن أن يُتّخذ بشكل فردي، بل هو قرار جامع تشترك فيه القيادات الرسمية والقوى السياسية والمرجعيات الدينية. لسنا طلاب حرب، لكن إذا وجد العراقيون أنفسهم أمام تكليف شرعي للدفاع عن النفس، فنحن مستعدّون».
ميدانياً، اعترضت الدفاعات الجوية طائرتَين مسيّرتين قرب مطار أربيل الذي يضمّ قواعد أميركية، فيما أعلنت فصائل مسلّحة استهداف قاعدة «فكتوريا» في مطار بغداد الدولي بسرب من المُسيّرات. كما تعرّضت مواقع لـ»الحشد» في ديالى وجرف الصخر لضربات أدّت إلى سقوط قتلى وجرحى، في وقت أعلنت فيه قيادة العمليات المشتركة إسقاط عدد من الطائرات المُسيّرة في البصرة وذي قار. ومع حلول المساء، أفادت «المقاومة الإسلامية في العراق»، بتنفيذ 28 عملية خلال اليوم، بعشرات الصواريخ والمسيرات على قواعد العدو في العراق والمنطقة.
اقتصادياً، بدأت تداعيات الحرب تظهر سريعاً؛ إذ أعلنت شركة Gulf Keystone» Petroleum» تعليق عمليات الإنتاج مؤقّتاً في حقل شيخان في إقليم كردستان، فيما سبقتها شركات «DNO» و»Dana Gas» و»HKN Energy» إلى خطوات مماثلة «احترازية»؛ علماً أن الإقليم يصدّر نحو 200 ألف برميل يومياً عبر خط جيهان التركي. وكان قفز خام برنت إلى ما فوق 82 دولاراً للبرميل، مدفوعاً بالمخاوف من تعطّل الإمدادات.
إزاء ذلك، رأى الباحث في الشأنين الأمني والسياسي، علي ذياب، في حديث إلى «الأخبار»، أن «العراق يقف على حافة انزلاق خطير، لأن جغرافيته تجعله ساحة تماس مباشرة بين واشنطن وطهران». واعتبر أن استمرار الهجمات المتبادلة سيضع بغداد أمام ثلاثة تحدّيات: أولها أمني، مع احتمال تصاعد الضربات ضدّ قيادات عراقية خلال الأيام المقبلة، خصوصاً إذا ما توسّعت هجمات الفصائل على المصالح الأميركية. وثانيها اقتصادي، إذ إن أي اضطراب في صادرات الشمال أو الجنوب سيضغط على المالية العامة المعتمِدة أساساً على النفط. وثالثها سياسي، مع تعاظم الانقسام الداخلي بين قوى تدعو إلى تحييد العراق، وأخرى ترى أن الانخراط في «محور المقاومة» بات قدراً. وأضاف ذياب أن «واشنطن قد تلجأ إلى ضربات نوعية ضدّ شخصيات عراقية فاعلة إذا اعتبرت أن الفصائل تجاوزت خطوطاً حمراً»، محذّراً من أن ذلك «سيعيد سيناريو الاغتيالات الذي شهدناه سابقاً، لكن هذه المرة في سياق إقليمي أوسع وأكثر اشتعالاً».
