نيران مركّزة على سفارة واشنطن | المقاومة العراقية للأميركيين: مخزوننا «كبير جداً»
مع تصاعد هجمات الفصائل واستهداف السفارة الأميركية، ينزلق العراق نحو حرب مفتوحة تتجاوز قواعد الاشتباك السابقة، وسط مخاطر أمنية واقتصادية متفاقمة وتراجع قدرة الدولة على ضبط مسار التصعيد.


بغداد | مع توسّع رقعة الاشتباك بين فصائل المقاومة المسلحة وقوات الاحتلال الأميركي، يبدو العراق متجهاً نحو نوع من الحرب المفتوحة، التي لن تبقى مسقوفة بالقواعد السابقة للحملة على إيران. فالهجوم الذي استهدف منطقة الجادرية وسط بغداد، وما تلاه من استهداف مباشر للسفارة الأميركية، لم يكونا حدثَين منفصلين، بل جزء من مسار تصاعدي متسارع، يعكس تحوّل العراق إلى جبهة رئيسة في المعركة الإقليمية الجارية.
وفي الساعات الأولى من صباح أمس، تعرّضت السفارة الأميركية في بغداد إلى هجوم هو الأعنف منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وفق ما أفادت به مصادر أمنية. ونجح الهجوم، الذي نُفّذ بخمسة صواريخ وعدد من الطائرات المسيّرة، جزئياً، في اختراق منظومة الدفاع الجوي؛ إذ سقطت إحدى المسيّرات داخل المجمع، ما أدى إلى اندلاع حرائق وتصاعد أعمدة الدخان، وسط دويّ انفجارات هزّت العاصمة. وبالتوازي، كانت منطقة الجادرية في العاصمة تشهد استهدافاً صاروخياً لمنزل تشير معلومات أولية إلى وجود عناصر من الفصائل داخله، إضافة إلى شخصيات إيرانية، وهو ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، مضيفاً حلقة جديدة إلى مسلسل تصفية القيادات بعد استهداف البنى.
وكانت أعلنت «كتائب حزب الله» العراقية، مساء أول أمس، مقتل القيادي فيها والمتحدث العسكري باسمها، أبو علي العسكري، من دون أن تحدّد ظروف ذلك ولا تاريخه. وقال الأمين العام لـ«الكتائب»، أبو حسين الحميداوي، في بيان: «بكلّ فخر ورضا بقضاء الله وقدره، نزف إليكم نبأ استشهاد الحاج أبو علي العسكري إلى جنات الخلد»، مضيفاً أن «الحاج أبو مجاهد العساف، المسؤول الأمني لـ(كتائب حزب الله)» سيخلفه. ولم تقتصر الهجمات على فصائل المقاومة على العاصمة؛ ففي القائم غربي البلاد، تعرّضت مواقع تابعة لـ«الحشد الشعبي» إلى غارات جوية أوقعت عدداً من الشهداء والجرحى.
وفي المقابل، تكشف تصريحات صادرة عن قيادات في الفصائل حجم ثقتها بقدراتها العسكرية، واستعدادها لمواصلة التصعيد. إذ يؤكد المعاون العسكري لحركة «النجباء»، عبد القادر الكربلائي، أن «الخزين الاستراتيجي من الصواريخ والطائرات المسيّرة كبير جداً، وليس كما يُتصوّر محدوداً أو مركزياً». ويبيّن الكربلائي، في حديث إلى «الأخبار»، أن «آلية الإنتاج تعتمد على شبكة واسعة من الورش والخطوط البسيطة، ما يجعل استهدافها أمراً بالغ الصعوبة»، مشيراً إلى أن «هذه الصناعة مستمرّة وقادرة على تلبية متطلّبات المعركة لمدة طويلة».
«الاستهدافات الحالية ليست ذروة التصعيد، بل بدايته، وتأتي ضمن بنك أهداف متدرّج»
وتنبئ تصريحات الكربلائي ببداية حرب استنزاف مفتوحة، تقوم على ضرب المصالح الحيوية بشكل متكرّر، مع قدرة على التعويض السريع، وهو ما يفسّر الوتيرة المتصاعدة للهجمات. كما تكشف مصادر مقربة من الفصائل أن المرحلة الحالية «ليست ذروة التصعيد، بل بدايته»، مشيرة إلى أن العمليات التي تستهدف القواعد والمنشآت الأميركية «تأتي ضمن بنك أهداف متدرّج». وتوضح المصادر أن «الردّ مرتبط بشكل مباشر بحجم الضربات التي تتعرّض إليها قيادات الفصائل»، مؤكدة أن «استهداف القيادات سيُقابل بتوسيع رقعة العمليات، لتشمل منشآت أكثر حساسية».
وفي خضمّ ذلك، تحاول الحكومة العراقية التأثير على مسار التصعيد المتبادل بإجراءات أمنية مشدّدة وإعفاء عدد من القيادات الاستخبارية، إلا أنها لا تزال تفشل في إثبات حضورها. كما إن بغداد تبدو غائبة عن التأثير في المعادلات الإقليمية، في وقت تتّسع فيه رقعة الاشتباك. ويأتي هذا فيما بدأت تداعيات التصعيد الاقتصادية تظهر بوضوح، مع تراجع كبير في صادرات النفط العراقية نتيجة التوترات وإغلاق مضيق هرمز، وهو ما ينذر بأزمة مالية ستزيد من تعقيد الوضع الداخلي. وفي حين يهدّد استهداف الحقول النفطية والمنشآت الحيوية البنية الاقتصادية للبلاد، أعاد وصول نيران التصعيد إلى محيط مطار بغداد الدولي، المخاوف من هشاشة الأمن في واحدة من أكثر المنشآت حساسية، خصوصاً مع قرب سجن الكرخ الذي يضمّ آلاف المعتقلين المرتبطين بتنظيم «داعش»، منها.
وفي هذا الإطار، يؤكد المتحدث باسم وزارة العدل العراقية، أحمد لعيبي، أن القلق الحالي يتركّز بشكل خاص على سجن الكرخ الواقع قرب مطار بغداد، والذي يمثّل واحداً من أكثر المواقع حساسية. ويبيّن اللعيبي، في حديث إلى «الأخبار»، أن «التحدي لا يأتي من داخل السجون، بل من طبيعة الهجمات الخارجية، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو المقذوفات التي قد تصيب البنى التحتية»، مضيفاً أن «المنظومة الأمنية لا تزال متماسكة، لكن استمرار هذا النمط من القصف يفرض ضغوطاً كبيرة على الخطط الاحترازية».
