شكوى عراقية ضدّ استهداف «الحشد»: «الكتائب» تعرض هدنة: «السفارة» مقابل الضاحية
مع تصاعد التوتر في العراق، تتكثّف الضربات المتبادلة بين واشنطن والفصائل، فيما تسعى بغداد لاحتواء الانفجار عبر تحرّكات قانونية وسياسية، وسط مؤشرات إلى تهدئة مؤقّتة لا تلغي مخاطر التصعيد.


بغداد | يتصدّر العراق مشهد التصعيد الإقليمي بوصفه إحدى أكثر الساحات سخونة، فيما ينذر التصعيد المتبادل بين الولايات المتحدة وفصائل المقاومة، والذي يتخلّله استهداف متواصل لمواقع «الحشد الشعبي»، بارتقاء إضافي على سلّم التصعيد، وإن بدأت مساعٍ لبلورة تسويات مؤقّتة خلال أيام.
وتَمثّل التطور الأبرز في هذا السياق في إعلان الحكومة العراقية الشروع رسمياً في تقديم شكوى قانونية ضدّ الجهات المسؤولة عن قصف مقارّ «الحشد الشعبي» والقوات الأمنية. وأكّد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، أن «الاعتداء الغادر الذي طاول مؤسسة أمنية رسمية لا يمكن تبريره»، مشيراً إلى أن بغداد بدأت إجراءات قانونية لمحاسبة المتسبّبين، بالتوازي مع متابعة أوضاع الجرحى وعوائل الضحايا وتقديم الدعم اللازم لهم.
وكانت تعرّضت مواقع عدّة لـ»الحشد»، بينها مقارّ في محور الطارمية في منطقة البوبحر شمال بغداد، وصلاح الدين، ونينوى، وكركوك، لضربات جوية، فرضت على إثرها القوات الأمنية إجراءات مشدّدة وفتحت تحقيقات لكشف الملابسات. في المقابل، لم تُخفِ واشنطن مسؤوليتها غير المباشرة عن تلك الهجمات، إذ أعلن رئيس هيئة الأركان المشتركة، دان كين، أن العمليات العسكرية مستمرة ضمن استراتيجية «حماية القوات الأميركية»، مع تأكيد الاستعداد لتوسيع نطاق الضربات عند الضرورة. ومن جهته، أفاد رئيس منظمة «بدر»، هادي العامري، بسقوط أكثر من 60 شهيداً و100 جريح في صفوف «الحشد الشعبي» نتيجة الأعمال العدوانية الأميركية والإسرائيلية على مقرّاته.
وفي المقابل، عرضت «كتائب حزب الله» تعليق استهداف السفارة الأميركية في بغداد لمدة 5 أيام، بناءً على توجيهات الأمين العام للكتائب. وأوضح البيان الصادر عن المسؤول الأمني، أبو مجاهد العساف، أن التعليق مؤقّت ويخضع لشروط واضحة، تتمثّل في وقف إسرائيل جميع عمليات القصف والتهجير في الضاحية الجنوبية لبيروت، والتزام الولايات المتحدة بعدم استهداف المناطق السكنية في بغداد والمحافظات العراقية، إلى جانب سحب عناصر وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) من محيط السفارة مع إبقائهم داخل المبنى فقط، باستثناء مناطق إقليم كردستان. وحذّر من أن أيّ انتهاك لهذه الشروط سيقابَل برد مباشر ومركّز مع رفع وتيرة الضربات بعد انتهاء المهلة المحددة.
مساعٍ لاحتواء الانفجار عبر تسويات مؤقّتة قد تتبلور خلال أيام
وجاء البيان في وقت تواصل فيه الفصائل عملياتها العسكرية ضدّ المصالح الأميركية داخل العراق، والتي تقابلها تحرّكات حكومية وسياسية تهدف إلى احتواء التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
وفي هذا الإطار، كشفت مصادر عراقية مطّلعة عن ضغوط سياسية وقضائية مُكثّفة مورست خلال الأيام الماضية، شملت تحذيرات مباشرة للفصائل من مغبة استمرار الهجمات، إلى جانب رسائل تهديد أميركية بخيارات أكثر تصعيداً. وبحسب بعض المصادر، فقد أفضت هذه التحركات إلى تفاهمات غير مُعلنة أسهمت في خفض مؤقت للتوتر.
أمّا في البرلمان، فتتصاعد الدعوات إلى اتخاذ موقف أكثر تشدداً حيال الوجود الأميركي. وقال النائب صكر الحميداوي، لـ»الأخبار»، إن «مجلس النواب يتحمّل مسؤولياته، ولدينا مطالب واضحة، أبرزها إلغاء الاتفاقية الأمنية وإعادة النظر في وجود السفارة الأميركية، إلى جانب استكمال الإجراءات القانونية ضدّ استهداف قواتنا».
وفي تعليقه على تلك التطورات، يرى الباحث في الشأن الأمني والسياسي، محمد هاشم، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «العراق بات ساحة توازن دقيق بين مشروعين متصارعين، ما يجعله عرضة لهزات متكرّرة كلما تصاعدت المواجهة الإقليمية». ويستدرك بأن «التصعيد الحالي محكوم بسقوف مدروسة، إذ تدرك الأطراف كلفة الانزلاق إلى حرب مفتوحة داخل العراق»، مرجّحاً أن «تشهد المرحلة المقبلة تفاهمات مرحلية تضبط إيقاع الاشتباك من دون أن تنهي جذوره». ويشير إلى أن «الحكومة العراقية تسير في مسار مزدوج يجمع بين التحرك القانوني والدبلوماسي من جهة، ومحاولة احتواء الفصائل من جهة أخرى، وهو توازن شديد الحساسية».
بدوره، يلفت مدير مركز «نواة للدراسات»، عباس المعموري، إلى أن «العراق يواجه لحظة مفصلية تتطلّب إعادة تعريف أولوياته الوطنية». ويشير إلى أن «استمرار التوتر الأمني ينعكس مباشرة على البيئة الاستثمارية ويقوّض فرص التعافي الاقتصادي، خصوصاً في ظلّ الاعتماد شبه الكلي على النفط»، معتبراً أن «إعادة تشغيل خطوط التصدير تمثّل خطوة إنقاذ مؤقّتة، لكنها لا تعالج جذور الأزمة المرتبطة بالاستقرار السياسي والأمني». ويرى أن «المؤشرات الحالية توحي بأن جميع الأطراف، بما فيها واشنطن والفصائل، تميل إلى تجنّب الانفجار الكبير، ما يفتح الباب أمام تسويات محدودة في المدى القريب»، لكنه يحذّر من أن «غياب رؤية عراقية موحّدة قد يُبقي البلاد في دائرة الاستنزاف».
