أميركا تستعدي حكومة السوداني: تخويل رسمي لـ«الحشد» بالردّ على العدوان
مع اتساع رقعة المواجهة، يجد العراق نفسه في قلب صراع إقليمي يتجاوز حدوده، بين تصعيد عسكري وضغوط دبلوماسية، ما يضع سيادته وقدرته الدفاعية أمام اختبار بالغ التعقيد.


بغداد | تفتح الضربات الجوية التي تستهدف مواقع «الحشد الشعبي» والجيش العراقي، الباب على فصل تصعيد أكبر من فصول الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والممتدّة ذيوله فوق الجغرافيا العراقية. ومع دخول المواجهة الإقليمية أسبوعها الخامس، يجد العراق نفسه في «المنطقة الرمادية»؛ فهو ليس طرفاً معلَناً في الحرب، لكنه يمثّل أحد أبرز ميادينها.
وشكّلت موجة الاعتداء الأحدث، التي طاولت مستوصف الحبانية العسكري غرب الأنبار، وأسفرت عن استشهاد 7 عسكريين وإصابة 13 آخرين، بعد يوم واحد من غارة أودت بحياة 15 عنصراً من «الحشد الشعبي» بينهم القيادي سعد دواي، نقطة تحوّل في مقاربة بغداد إزاء هذا التصعيد. إذ انتقلت حكومة محمد شياع السوداني، إثر ذلك، من سياسة «الاحتواء الصامت» إلى «التصعيد المحسوب»، سالكةً مسارَين متوازيَين: دبلوماسي وأمني.
واستدعت بغداد القائم بالأعمال الأميركي، وسلّمته مذكرة احتجاج شديدة اللهجة؛ كما استدعت في الوقت نفسه السفير الإيراني، محاوِلةً بهذا إظهار توازن شكلي في إدارة الأزمة. لكن اللافت، وفق مصدر دبلوماسي عراقي رفيع، هو أن الحكومة تتّجه نحو تدويل الملف، وذلك عبر تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي، على خلفية «انتهاكات متكرّرة للسيادة العراقية واستهداف منشآت مدنية وعسكرية». ويعكس التوجّه المذكور إدراكاً ضمنياً لمحدودية الخيارات العسكرية العراقية الرسمية، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول جدوى الرهان على المؤسسات الدولية في نزاع تتداخل فيه حسابات القوى الكبرى.
في المقابل، لم تنقطع قنوات الاتصال مع واشنطن؛ إذ تشير مصادر مطلعة إلى أن الإدارة الأميركية طلبت من بغداد مراراً تزويدها بإحداثيات مواقع انتشار القوات العراقية والفصائل المسلحة، وذلك «لتفادي استهدافها عن طريق الخطأ». غير أن هذا الطلب، الذي لم تستجب له حكومة السوداني حتى الآن، يضع الأخيرة أمام معادلة حسّاسة بين متطلبات «التنسيق العسكري» وضغوط السيادة، وبين تجنّب الضربات الأميركية وعدم تقديم معلومات قد تُستخدم لاستهداف فصائل حليفة ضمنياً داخل المنظومة السياسية.
وجاء قرار المجلس الوزاري للأمن الوطني تخويل «الحشد الشعبي» والقوات الأمنية العمل بمبدأ «حق الردّ والدفاع عن النفس» كخطوة غير مسبوقة، توسّع قواعد الاشتباك وتمنح غطاءً رسمياً لأيّ ردّ عسكري محتمل. لكن هذا القرار، وفق قراءات سياسية، لا يعكس بالضرورة توجّهاً نحو مواجهة مفتوحة، بقدر ما يمثل محاولة لامتصاص غضب الفصائل، التي تصاعدت انتقاداتها للحكومة بسبب استمرار الضربات.
وفي هذا الإطار، يؤكد القيادي في «الإطار التنسيقي»، علي الموسوي، أن «العراق متمسّك بخيار التهدئة وعدم الانجرار إلى الحرب»، مبيّناً أن «تخويل الردّ يأتي ضمن إطار الدولة ووفق القانون الدولي، وليس دعوة إلى التصعيد». ويشير إلى أن «الحكومة تعمل على تثبيت خطاب سياسي يدعم الحلول السلمية، مع الاحتفاظ بحق الردّ على أيّ اعتداء».
العراق يرفض طلب الولايات المتحدة تزويدها بإحداثيات مواقع قواته «لتفادي استهدافها عن طريق الخطأ»
وبالتوازي، تنشط بغداد على خطّ الوساطات الإقليمية؛ إذ بحث السوداني مع الملك الأردني، عبد الله الثاني، إضافة إلى قادة عرب آخرين، سبل وقف الحرب والحدّ من تداعياتها، وسط تحذيرات من انعكاساتها على الاقتصاد الإقليمي وسلاسل التوريد وحرية الملاحة. لكن الوساطة الأكثر حساسية تجري داخلياً، حيث تقود شخصيات سياسية نافذة حوارات مع الفصائل المسلّحة لضبط إيقاع عملياتها، خصوصاً تجاه إقليم كردستان والدول المجاورة، استجابة لضغوط إقليمية متزايدة.
وفي قراءة أمنية، يرى الضابط المتقاعد، جودت كاظم، أن «العراق دخل مرحلة الاستهداف المركّب، وذلك نتيجة التداخل بين مواقع الجيش والحشد والفصائل، وهو ما يجعل أيّ ضربة خارجية مرشّحة لإصابة أهداف متعدّدة». ويشير إلى أن «التفوّق الجوي الأميركي المطلق، مقابل غياب منظومات دفاع جوي عراقية فاعلة، يجعل البلاد مكشوفة عملياً».
والواقع أن الحرب الحالية أعادت إلى الواجهة أزمة مزمنة في بنية المؤسسة العسكرية العراقية. فرغم أن العراق لديه نحو 193 ألف جندي نظامي و100 ألف عنصر شبه عسكري، ويحتلّ المرتبة السادسة إقليمياً وفق مؤشر «غلوبال فاير باور» لعام 2026، إلا أن قدراته الجوية والدفاعية تبقى محدودة. فالقوات الجوية، التي تعتمد على طائرات «F-16» وطائرات تدريب كورية، تفتقر إلى منظومات إنذار مبكر ودفاع جوي متطوّرة، في حين لم تُنفَّذ بعد صفقات تسليح لصالحها أُعلن عنها منذ عام 2025، بينها صفقة شراء منظومة «M-SAM-II» الكورية. ويترافق هذا الضعف البنيوي، الذي تعود جذوره إلى مرحلة ما بعد 2003 وإعادة تشكيل الجيش، مع قيود خارجية وملفّات فساد عطّلت صفقات تسليح مهمّة، وهو ما جعل العراق، وفق توصيف خبراء، «ساحة مفتوحة بلا مظلة حماية».
وانعكس هذا الواقع تصاعداً في الغضب داخل البرلمان، حيث تتجه قوى نيابية إلى استجواب رئيس الحكومة ووزرائه الأمنيين، مع مطالبات بإعادة النظر في الاتفاقية الأمنية مع واشنطن، والتوجه نحو تنويع مصادر التسليح عبر روسيا أو الصين. وفي هذا السياق، يقول النائب محمد الشمري، إن «المرحلة الحالية تتطلّب مراجعة هادئة ومسؤولة للاتفاقيات الأمنية، بما يضمن حماية السيادة العراقية»، مشيراً إلى أن «البرلمان معنيّ بمتابعة أداء الحكومة في الملف الأمني، والعمل على دعم خيارات تنويع التسليح بما يعزز قدرات البلاد الدفاعية، من دون الانجرار إلى التصعيد».
الحوثي: مبادرتنا مرهونة بتطوّرات المعركة
صنعاء – رشيد الحداد | أكد قائد حركة «أنصار الله»، عبد الملك الحوثي، أن اليمن لن يتردّد في أداء واجبه «ضدّ طاغوت العصر من اليهود والصهاينة وذراعهم الأميركية»، معلناً في كلمة ألقاها بمناسبة الذكرى الحادية عشرة للعدوان الذي قادته السعودية على اليمن، أن «أيّ تطورات في المعركة تقتضي الموقف العسكري، ستجعلنا نبادر إليه بكلّ ثقة بالله وتوكّل عليه، كما في الجولات السابقة».
وجدّد الحوثي أن «موقفنا واضح وصريح ضدّ أميركا وإسرائيل، ولا نحمل أيّ نوايا عدوانية ضدّ أيّ بلد مسلم». ودعا النظام السعودي إلى مراجعة حساباته، والتخلّي عن «النهج العدواني»، واعتماد مبدأ حسن الجوار. كما دعا السعودية إلى «فكّ ارتباطها بالأجندة الأميركية والإسرائيلية»، وترْك من وصفهم بـ»الأعداء» لمواجهة الشعب اليمني بشكل مباشر، بدلاً من تحمّل أعباء هذا الصراع، مشيراً إلى أن ذلك يصبّ في مصلحة أمنها.

