المقاومة تفعّل «الضغط المتعدّد الجبهات»: سقوط اتفاق تحييد العراق
رغم اتفاق بغداد وواشنطن على تهدئة الهجمات، تكشف الوقائع الميدانية تصعيداً متسارعاً يعيد العراق إلى ساحة صراع مفتوح، مع تبادل الضربات وتآكل فرص ضبط التوتر.


بغداد | لم تمضِ ساعات على إعلان بغداد وواشنطن اتفاقاً على تشكيل لجنة تنسيق عليا لـ»منع الهجمات» وضبط استخدام الأراضي العراقية، حتى أتت الوقائع الميدانية لتنسفه. فالتصعيد العسكري، سواء عبر الغارات الجوية الأميركية التي طاولت مواقع أمنية وفصائل تابعة لـ»الحشد الشعبي» في كركوك ونينوى، أو عبر الطائرات المسيّرة التي استهدفت بها المقاومة منشآت داخل العراق وخارجه، يؤشر إلى أن البلد سيظلّ ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل بالنار.
واستشهد في كركوك عدد من عناصر «الحشد الشعبي» في 3 ضربات جوية استهدفت مقرّاً لقيادة «عمليات الشمال وشرق دجلة». وبعد ساعات، تكرّر المشهد نفسه في الموصل، حيث سقط ضابط في الشرطة وعنصر آخر، خلال استهداف مزدوج طاول موقعهما في أثناء محاولتهما إسعاف الجرحى. في المقابل، لم تهدأ وتيرة هجمات الطائرات المسيّرة؛ إذ أُسقطت مسيّرتان قرب السفارة الأميركية في بغداد، فيما سقطت أخرى في البصرة داخل حقل مجنون النفطي. كما شهدت أربيل ومحيط مطارها انفجارات متكرّرة، وذلك في سياق هجمات متصاعدة على إقليم كردستان، بلغت، وفق تصريحات مسعود بارزاني، أكثر من 450 هجوماً منذ بدء الحرب. وادّعى بارزاني أن مقرّه الخاص تعرّض للقصف 5 مرات سابقاً، من دون إعلان ذلك، محذراً من أن هذه الهجمات «ترقى إلى إعلان حرب» على الإقليم، الذي استُهدف أيضاً منزل رئيسه، نيجيرفان بارزاني.
اللافت أن هذه التطورات جاءت رغم إعلان هدنة جزئية غير مستقرّة، تمثلت بوقف مشروط لهجمات بعض الفصائل على السفارة الأميركية. إلا أن قيادياً في «المقاومة الإسلامية» بيّن، لـ»الأخبار»، أن «تعليق استهداف السفارة لا علاقة له بأيّ ضغوط سياسية، بل جاء حرصاً على المدنيين»، مؤكداً أن «الهجمات ضدّ العدو مستمرة في مواقع متعدّدة». ولفت إلى أن «ضربات محور المقاومة أوجعت العدو، لكنه يرفض الاعتراف بخسائره»، متهماً «جهات داخل العملية السياسية بالعمل لمصلحة العدو».
وفي خضمّ هذا التصعيد، برز تطور بالغ الحساسية تمثّل في معلومات عن إنزال جوي أميركي ليلي داخل الأراضي العراقية، في مناطق قريبة من المثلث الحدودي مع سوريا والأردن. واعتبر النائب كريم المحمداوي هذه العملية «خرقاً صريحاً للسيادة»، محذراً من أنها قد تفتح الباب أمام مواجهة مباشرة وتحويل العراق إلى ساحة صدام إقليمي مفتوح.
أميركا تعتمد استراتيجية «الاستنزاف الدقيق» عبر ضرب مراكز القيادة والمخازن
ويأتي ذلك في وقت يعكس فيه المشهد الداخلي انقساماً واضحاً بين القوى السياسية. ففيما يدعو بعض الأطراف إلى التهدئة، حذر عضو حركة «صادقون»، حسين الشيحاني، من أن استهداف مواقع «الحشد الشعبي» يمثّل «تصعيداً خطيراً قد يؤدي إلى ردود فعل يصعب ضبطها»، مشدّداً في الوقت نفسه على ضرورة «تغليب منطق الدولة وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة».
ويرى الباحث في الشأن الأمني والسياسي، عباس التميمي، أن «العراق يعيش مرحلة تداخل خطير بين العاملَين الداخلي والإقليمي، حيث لم تعُد الدولة قادرة على الفصل بينهما». ويشير إلى أن «الاتفاقات الأمنية مع واشنطن تفتقر إلى ضمانات تنفيذ حقيقية، ما يجعلها عرضة للانهيار عند أوّل اختبار ميداني». كما يلفت إلى أن «استمرار الضربات الجوية بالتوازي مع هجمات الفصائل يعكس غياب توازن الردع، ويدفع البلاد نحو نموذج صراع منخفض الحدّة لكنه طويل الأمد»، محذراً من أن «أيّ تصعيد إضافي، كعمليات الإنزال الجوي، قد يغيّر قواعد الاشتباك بالكامل».
وتكشف البيانات الصادرة عن فصائل المقاومة، ولا سيما «سرايا أولياء الدم» و»كتائب حزب الله» و»حركة النجباء»، عن انتقال واضح من نمط الردّ الموضعي إلى استراتيجية «الضغط المتعدّد الجبهات». إذ أعلنت هذه الفصائل تنفيذ ما لا يقلّ عن 6 عمليات خلال 24 ساعة، فيما تُظهر البيانات اعتماد خطاب تصعيدي متدرّج، يربط العمليات العسكرية بالردّ على العدوان الأميركي - الإسرائيلي في الإقليم، ويؤكد في الوقت نفسه أن وتيرتها مرشحة للارتفاع في حال استمرار الضربات الجوية على مواقع «الحشد الشعبي». كما تعمد الفصائل إلى نشر تسجيلات مصوّرة لعمليات الإطلاق، وذلك في إطار حرب نفسية موازية تهدف إلى تثبيت معادلة ردع إعلامي، إلى جانب الفعل العسكري.
في المقابل، تُظهر الضربات الجوية التي تستهدف مقار «الحشد الشعبي»، خصوصاً في كركوك ونينوى، أن الطرف المقابل يعتمد استراتيجية «الاستنزاف الدقيق»، وذلك عبر ضرب مراكز القيادة والمخازن، الأمر الذي يفسّر ارتفاع عدد الضربات إلى أكثر من 100 منذ بداية التصعيد، وفق تقديرات أمنية.
