المقاومة العراقية في «نفير دائم»: لا ثقة بترامب
رغم إعلان الهدنة بين واشنطن وطهران، يدخل العراق مرحلة ترقّب حذر وسط هشاشة أمنية وسياسية، واستمرار انعدام الثقة لدى فصائل المقاومة التي تبقي جاهزيتها مفتوحة لأيّ تصعيد محتمل.


بغداد | دخل العراق مرحلة جديدة من الترقّب الحذر مع إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك بعد نحو 40 يوماً من التصعيد العسكري غير المسبوق الذي وضع البلاد في قلب المواجهة الإقليمية. وبينما رحّبت بغداد رسمياً بالتهدئة، لا تزال التحدّيات الأمنية والسياسية قائمة، في ظلّ استمرار حالة عدم الثقة بين فصائل المقاومة والاحتلال الأميركي، وتراكم آثار الحرب على الداخل العراقي.
وتكشف الأرقام الأولية عن كلفة بشرية مرتفعة للصراع؛ إذ استشهد - وفق تقديرات رسمية وتقارير دولية - ما بين 117 و120 شخصاً، بينهم مدنيون وعناصر من القوات الأمنية والجيش والشرطة، إضافة إلى مقاتلين من «الحشد الشعبي» وقوات «البيشمركة». كما سُجّل مقتل أحد أفراد طاقم أجنبي في هجوم استهدف ناقلات قرب أحد الموانئ العراقية. ولم تقتصر الخسائر على الأرواح، بل امتدّت إلى البنى التحتية والمنازل السكنية، خصوصاً في بغداد ومناطق أخرى شهدت تبادلاً للقصف الصاروخي والضربات الجوية. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن العراق تكبّد ما بين 6 و10 مليارات دولار نتيجة توقف تصدير النفط وإغلاق الأجواء وتعطّل الأنشطة الاقتصادية، في ما يعكس حجم التأثير المباشر للحرب على اقتصاد البلاد.
وعلى الرغم من إعلان الفصائل المسلّحة وقف عملياتها لمدّة أسبوعين تماشياً مع الهدنة، إلا أن هذا القرار لا يعكس تحولاً استراتيجياً في موقفها. ويبيّن قيادي في أحد الفصائل، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «إيقاف الحرب لا يعني تركنا للساحات، بل هو إجراء مرحلي مرتبط بالظروف السياسية والعسكرية». ويؤكد أنه «في حال تعرّضت قواتنا لأيّ قصف أميركي داخل العراق، فإن الردّ سيكون حتمياً كما حصل في السابق»، مضيفاً أن الفصائل «لا تثق بترامب ولا بالإدارة الأميركية، ولذلك نحن في حالة نفير دائم وأصابعنا على الزناد». ويشير القيادي إلى أن الحرب الأخيرة «أسهمت في رفع مستوى الخبرة الميدانية للفصائل، خصوصاً في مواجهة الخطط العسكرية المعقّدة»، متابعاً أن «لدى المقاومة اليوم بنك أهداف واسعاً ومعلومات دقيقة عن المصالح الأميركية في المنطقة، ما يعزّز قدرتها على الردع».
وتعكس هذه التصريحات، بوضوح، حقيقة أن الهدنة لا تزال هشة، وأن احتمال تجدّد المواجهة يبقى قائماً في أيّ لحظة، خاصة في ظل تعدّد اللاعبين وتداخل الساحات الإقليمية. ومع ذلك، تسعى الحكومة العراقية إلى استثمار الهدنة لإعادة الاستقرار الداخلي، حيث من المتوقّع تخفيف حالة التأهب الأمني وعودة الأوضاع تدريجياً إلى طبيعتها، بالتوازي مع إعادة فتح الأجواء واستئناف الرحلات الجوية. وكانت رحّبت وزارة الخارجية بوقف إطلاق النار، معتبرة إياه خطوة مهمّة لخفض التوتر، وداعية إلى البناء عليه عبر إطلاق مسارات دبلوماسية مستدامة. وفي الوقت نفسه، دانت بغداد الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان، في موقف يعكس محاولة الموازنة بين الالتزامات الإقليمية والمصالح المحلية.
وفي السياق نفسه، يشدّد عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، جواد الساعدي، على ضرورة «إعادة النظر في القدرات العسكرية العراقية»، مؤكداً أن «العراق أظهر نضجاً في إدارة الأزمة، لكنه بحاجة إلى تطوير منظوماته الدفاعية لمواجهة التحديات المستقبلية». ويعتبر أن «الاعتداءات الأميركية والإسرائيلية على السيادة العراقية تفرض على الحكومة اتخاذ خطوات أكثر حزماً لتحصين البلاد»، لافتاً إلى وجود توجّه لتعزيز أنظمة الدفاع الجوي وتحديث البنية العسكرية.
إلى ذلك، أكد القنصل الإيراني في البصرة، علي عابدي، أن بلاده «لا تحتاج إلى متطوعين من خارج حدودها للدفاع عنها»، مشيراً إلى أن «الجمهورية الإسلامية تمتلك أكثر من 14 مليون متطوّع داخلي على أتمّ الاستعداد لحماية البلاد عند أيّ تهديد». ورأى أن «تسجيل متطوّعين عراقيين للقتال إلى جانب إيران يعكس عمق العلاقات الشعبية بين البلدين، وهو محلّ تقدير كبير»، معرباً عن «عدم الثقة بالتوجّهات الأميركية»، ومعتبراً أن «السياسات الأميركية تقوم على المناورات والضغوط، وغالباً ما تنطوي على مخطّطات وحيل لا يمكن الركون إليها»، في إشارة إلى استمرار الحذر الإيراني رغم إعلان وقف إطلاق النار.
