مباركة أميركية للانفصال: ابن زايد يحقّق «حلمه» بترك «أوبك»
يشكّل قرار الإمارات الانسحاب من «أوبك» و«أوبك بلس» تحوّلاً استراتيجياً يتجاوز النفط، ليعكس إعادة تموضع سياسي في خضمّ الحرب على إيران وتصاعد التنافس مع السعودية على النفوذ الإقليمي.


لم يكن رئيس الإمارات، محمد بن زايد، ليتّخذ القرار السياسي الكبير والخطير بالخروج من منظّمتَي «أوبك» و«أوبك بلس»، لولا أنه يحظى بتغطية أميركية له. وهو قرار لا يمكن فصله عن سياق الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، ولا عن سياق المنافسة المحتدمة مع السعودية، ولا سيما بعد الضربة التي وجّهتها الأخيرة إلى النفوذ الإماراتي في اليمن. على أن هذه الخطوة ستستدعي حتماً ردّاً سعودياً سيدفع المملكة في اتجاه أو آخر في ما يتّصل بالحرب في المنطقة، التي كان حسَم ابن زايد خياره منذ مدّة بالانخراط الفعلي فيها، في حين تحاذر المملكة التورّط المباشر في مستنقعها بسبب الثمن الباهظ الذي يمكن أن يترتّب على قرار من ذلك النوع.
أما الولايات المتحدة، التي وقفت خلف إنشاء «أوبك» عام 1960، لتتحكّم عبر هيمنة السعودية - بصفتها «زعيمة» دول الخليج - على المنظّمة، بأسواق النفط العالمية من حيث الإمدادات والأسعار، فيبدو أنها لم تعُد معنيّة باحتكار «أوبك» للقرار النفطي، لسببَين: الأول، هو تباين الرؤى مع السعودية، التي يبدو أن لها مصلحة في أسعار مرتفعة لتحقيق التوازن في ميزانيتها المالية؛ والثاني، هو دخول روسيا على خطّ التأثير عبر «أوبك بلس»، حيث عمل البلدان على خفض الإنتاج، وبالتالي تقليص حصص الدول الأعضاء منه. وكان لذلك تأثير كبير في لجم تراجع الأسعار بعد أزمة «كورونا» التي انحدرت بالنفط إلى مستويات ما تحت الصفر. ويومها، احتجّت الإمارات على تقليص حصتها، وسعت إلى تعديل القرار، إلا أنها لم تحقّق سوى نجاح محدود.
وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، واضحاً في تشجيع هذا الانفصال بشكل غير مباشر سابقاً، عندما اتهم «أوبك» بتعمّد رفع الأسعار. وهو حالياً له مصلحة أكيدة في زيادة الإنتاج لخفض الأسعار أو تهدئتها قليلاً، مع اقتراب الانتخابات النصفية، حيث تسود مخاوف من أن يطيح الغلاء وزيادة التكلفة على المستهلك الأميركي، بسيطرة الجمهوريين على مجلسَي الكونغرس، ويجعل من ترامب، في النصف الثاني من ولايته، «بطّة عرجاء»، وهي العبارة التي تُستخدم عادة لوصف حال الرئيس في السنة الأخيرة من حكمه. ثمّة تأثير آخر للقرار الإماراتي، يتمثّل في زيادة الشرخ داخل «مجلس التعاون الخليجي»، الذي يشهد تنافساً متزايداً بين دوله على الأدوار والنفوذ والرهانات، فيما تتعاظم التهديدات التي تواجه أنظمة الحكم فيه، والتي جعلت السؤال مشروعاً عما إذا كان بقي شيء من آمال عُقدت عليه للنهوض بالخليج، وما إذا كان لا يزال قادراً على تأدية الدور الذي أنشئ من أجله عام 1981، وهو الوقوف في وجه إيران.
من شأن الفائض المالي المتوقَّع من تلك المبيعات أن يمنح ابن زايد مرونة مالية كبيرة
هكذا، يرى ابن زايد أنه أمام فرصة ذهبية لا يجوز تفويتها؛ ففي الوقت الذي ينحبس فيه النفط على الناقلات عند مضيق هرمز، وتخسر الأسواق النفط الإيراني أيضاً، بسبب الحصار الأميركي، فإن امتلاك الإمارات إطلالة مباشرة على بحر عمان، بما يمكّنها من التصدير من دون المرور بمضيق هرمز ولا حتى بمضيق باب المندب في حال إغلاقه، يتيح لها الاستفادة القصوى من تصدير كميات أكبر وبأسعار تتجاوز ضعفَي سعر التعادل في ميزانيتها المالية والبالغ 45 إلى 50 دولاراً للبرميل. كما أن من شأن تلك الميزة أن تحقّق لها نقلة نوعية في النفوذ والتأثير العالميَين، من طريق مدّ السوق بكمّيات إضافية تسدّ جزءاً من عجزه الذي تسبّبت به أزمة مضيق هرمز، الأمر الذي يوصل ابن زايد إلى ما لم يكن يحلم به؛ فهو لا يعيده إلى الساحة الإقليمية فقط، وإنما العالمية أيضاً، وذلك بعد أن نجحت السعودية في عزله إلى حدّ كبير عبر هجومها الكاسح على «المجلس الانتقالي الجنوبي» في شرق اليمن، والتصدّي لمشاريعه الفتنوية والتقسيمية المؤازَرة إسرائيلياً في السودان والصومال.
عملياً، يحرّر هذا القرار الإمارات من أيّ قيود على الإنتاج والتصدير، ويفتح الطريق أمامها لرفع قدرتها الإنتاجية القصوى من 4.8 برميل يومياً راهناً، إلى 6 ملايين برميل يومياً في العام المقبل، علماً أن الحصة الإنتاجية للدولة بموجب اتفاقات «أوبك» و«أوبك بلس»، تبلغ 3.41 مليون برميل، لم تصل إليها إلّا بعد احتجاجات في المنظّمتَين، أتاحت لها إضافة 300 ألف برميل، بشكل تدريجي. وتُصدّر أبو ظبي حالياً بين 2.7 و3 ملايين برميل يومياً؛ وفي حال تمكّنت من تحقيق 6 ملايين برميل إنتاجاً العام المقبل، فإن الفارق عن حصتها الحالية في المنظّمتَين، سيكون 2.59 مليون برميل، كلّها متاحة للتصدير، وهو ما من شأنه أن يخفّض الأسعار، أو يحدّ من ارتفاعها، إذا فرضت تطورات الأوضاع في المنطقة ارتفاعات إضافية.
ومن شأن الفائض المالي المتوقَّع من تلك المبيعات أن يمنح ابن زايد مرونة مالية كبيرة، تتيح له تمتين سيطرته الداخلية التي كادت تهتزّ بعد ما جرى في اليمن، حيث ظهر كمغامر يقود بلاده في مسالك خطرة؛ كما وتمويل حلفائه في المنطقة، ولا سيما في اليمن حيث لم يتخلَّ عن طموحاته في السيطرة على الممرّات المائية ويسعى إلى العودة عبر حلفائه؛ وفي السودان، فضلاً عن منافسات تمتدّ من غزة وسوريا ولبنان، إلى «أرض الصومال». في المقابل، فإن الخصم السعودي الذي يحتاج إلى ما بين 80 و96 دولاراً سعراً للبرميل لتحقيق التعادل في الميزانية، سيعاني إذا ما تراجعت الأسعار إلى ما دون ذلك، خاصة وأن المملكة تواجه مخاطر أخرى من نوع احتمال إغلاق مضيق باب المندب، والذي يمكن أن يوقف صادراتها كلياً. وحينها، تصبح للرياض مصلحة أكيدة في أن تلقي بثقلها لوقف الحرب على إيران، وهذا سيكون أقوى ردّ منها على القرار الإماراتي.
