بوادر تخفيض للسقف الأميركي: الزيدي يصوغ تصوّره للسلاح
بين ضغوط واشنطن وتمسّك الفصائل بنفوذها، يبدأ علي الزيدي مهمّة شاقة لتشكيل حكومة عراقية جديدة، في ظلّ صراع معقّد حول سلاح المقاومة وتوازنات الداخل والخارج.


بغداد | يتسلّم رئيس الوزراء العراقي المكلّف، علي الزيدي، مهمّة تشكيل حكومته وسط شبكة مُعقّدة من الضغوط المتقاطعة، تتمحور بأغلبها حول ملفّ سلاح فصائل المقاومة. وتتصدّر دائرةً تلك الضغوط الولايات المتحدة، التي اختارت، هذه المرّة، في تعليقها على التكليف، تجنّب التدخّل العلني - الذي كانت لجأت إليه في محطّات سابقة -، وارتأت، في بيان سفارتها في بغداد، خطاباً دبلوماسياً منخفض السقف، يدعم «تطلّعات العراقيين»، ويشدّد على السيادة والاستقرار، ويستبطن رغبة في اختبار خيارات الرجل وحدود حركته. وفي الاتجاه نفسه، أجرى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مساء أمس، اتصالاً هاتفياً بالزيدي، هنّأه فيه لمناسبة تكليفه، ودعاه إلى زيارة واشنطن. وذكر بيان صادر عن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، أن «الاتصال شهد استعراض العلاقات الاستراتيجية الثنائية بين العراق والولايات المتحدة، وسبل تطويرها وتعزيزها في مختلف المجالات، فضلاً عن تأكيد الجانبين على العمل المشترك، والتعاون الثنائي من أجل ترسيخ الاستقرار في المنطقة».
المقاومة تؤكّد أن الضغوط الأميركية لا تشكّل عاملاً مُقرِّراً
ويترافق القبول الأميركي المعلَن للزيدي، بحسب مصادر سياسية مطّلعة، مع ضغوط غير مباشرة تُمارَس عبر قنوات داخلية، هدفها تحجيم دور الفصائل داخل مؤسّسات الدولة، أو على الأقلّ منعها من الإمساك بمفاصل القرار التنفيذي. ووفقاً للمصادر نفسها، فإن الزيدي قدّم، خلال مشاوراته الأوّلية، تصوّراً يقوم على «فصل السلاح عن السياسة»، واضعاً إيّاه كأحد أعمدة برنامجه الحكومي، في محاولة منه لبناء توازن جديد بين الأمر الواقع في الداخل والضغوط الآتية من الخارج، ولا سيما من جانب الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، يعتقد الباحث السياسي، جودت كاظم، أن «واشنطن لا تسعى حالياً إلى تفكيك الفصائل بشكل جذري»، بل إلى «إعادة ضبط سلوكها» ضمن معادلة لا تهدّد المصالح الأميركية ولا تخلّ بالتوازن الإقليمي. ويعتبر كاظم، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «القبول بالزيدي يندرج ضمن هذا السياق، بوصفه شخصية يُمكن اختبارها في إدارة ذلك التوازن الدقيق، من دون الذهاب إلى مواجهات مفتوحة». ويرى أن «مستقبل الفصائل سيتحدّد على المدى المتوسط، عبر مسار تدريجي قد يشمل إعادة هيكلة جزئية ودمجاً انتقائياً داخل مؤسسات الدولة، في مقابل تقليص النفوذ السياسي لبعضها»، محذّراً من أن «أيّ محاولة لفرض تلك الرؤية بالقوة قد تؤدّي إلى نتائج عكسية، وتدفع نحو إعادة إنتاج التوتر الأمني».
في المقابل، يبدو أن الفصائل لا تزال متمسّكة بخياراتها، خصوصاً أنها أثبتت، من خلال انخراطها في المعركة الإقليمية، قدرة ونفوذاً يَصعب ألّا يُسيّلا سياسياً، فضلاً عن أنها تمتلك شرعية مركّبة، تستند إلى دورها في مواجهة الإرهاب والاحتلال من جهة، وإلى حضورها السياسي والاجتماعي من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، يشير قيادي في أحد الفصائل، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن «الفصائل جزء من معادلة الدولة والمجتمع»، معتبراً أن الضغوط الأميركية «لا تشكّل عاملاً مُقرِّراً»، في إشارة إلى رفض أيّ وصاية خارجية على القرار العراقي. ويلفت القيادي إلى أن الموقف من الزيدي «لم يُحسم بعد»، مبيّناً أنه «مرهون بطبيعة البرنامج الحكومي ومقاربة الرئيس المكلّف للملفات السيادية».
أمّا المستشار الحكومي، حسين فلامرز، فيعتقد أن «نجاح الزيدي مرتبط بقدرته على صياغة برنامج حكومي واضح الأهداف، قابل للتنفيذ، ويستجيب لمطالب الشارع، ولا سيما في ظلّ بيئة إقليمية مضطربة وتداعيات اقتصادية ثقيلة»، معتبراً، في تصريح إلى «الأخبار»، أن الحكومة المقبلة لن تواجه ملفّاً واحداً بل «حزمة أزمات متداخلة»، تبدأ من الاقتصاد ولا تنتهي عند الأمن.
