التحدّي الاقتصادي على رأس الطاولة: ثقة ناقصة لحكومة الزيدي
وُلدت حكومة علي فالح الزيدي في العراق وسط توافق هشّ وانقسامات مبكرة، لتجد نفسها منذ اللحظة الأولى أمام تحديات أمنية واقتصادية وسياسية معقّدة، وضغوط أميركية متزايدة قد تهدّد استقرارها سريعاً.


بغداد | بعد مخاض سياسي طويل وتجاذبات لم تهدأ حتى اللحظات الأخيرة، نجح رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي فالح الزيدي، في نيل ثقة مجلس النواب. لكن حكومته خرجت إلى العلن محمّلةً بألغام سياسية وأمنية واقتصادية، لا سيما مع تصاعد الضغوط الأميركية، واستمرار الانقسام داخل قوى «الإطار التنسيقي»، وتزايد الحديث عن معارضة برلمانية قد تتوسّع تدريجياً. وصوّت البرلمان، بحضور 270 نائباً من أصل 329، على منح الثقة لحكومة الزيدي ومنهاجها الوزاري؛ وفيما جرى تمرير 14 وزيراً فقط، أبرزهم باسم محمد خضير للنفط، وفالح الساري للمالية، وفؤاد حسين للخارجية، ومصطفى سند للاتصالات، تمّ تأجيل حسم تسع وزارات أخرى - بينها الداخلية والتعليم العالي والتخطيط والعمل والإعمار -، بسبب اعتراضات سياسية على المرشحين المطروحين لها.
ورغم اكتمال النصاب الدستوري واكتساب الحكومة شرعيتها القانونية، إلّا أن الجلسة كشفت مبكراً عن حجم التصدّعات السياسية داخل القوى الداعمة للزيدي. إذ أعلنت كتلة «إشراقة كانون» مقاطعتها جلسة التصويت ورفضها منح الثقة للحكومة، فيما لوّحت قوى صغيرة أخرى بإمكانية الالتحاق بالمعارضة خلال المرحلة المقبلة. وقال النائب عن «إشراقة كانون»، محمد الخفاجي، إن «المنهاج الوزاري إنشائي ولا يرتقي إلى مستوى الحدث، ولا يتضمّن معالجات حقيقية»، معتبراً أن «تحكّم الكتل السياسية في العمل البرلماني لا يمكن أن ينتج حكومة قوية». كما هاجم ما وصفه بـ«المحاصصة والتخادم النفعي بين الكتل»، معتبراً أن أغلب المرشحين للمناصب الوزارية «لا يملكون تخصّص الكفاءة».
وتَرافق هذا الاعتراض مع توتر واضح داخل «الإطار التنسيقي» نفسه، خصوصاً بعد فشل تمرير مرشّحَي «ائتلاف دولة القانون» لوزارتَي الداخلية والتعليم العالي. وفي هذا السياق، اتهمت النائب عن الائتلاف، ابتسام الهلالي، أطرافاً من ائتلاف «الإعمار والتنمية» بزعامة محمد شياع السوداني، إلى جانب حزب «تقدّم»، بـ«الغدر والخيانة».
وتكشف هذه الخلافات، بحسب مراقبين، أن حكومة الزيدي، وإن وُلدت بتوافق سياسي نسبي، إلا أنها لا تزال مهدّدة بصراعات النفوذ داخل «البيت الشيعي». كما أنها تثير مخاوف من أن يحاول الزيدي لاحقاً إعادة ترتيب موازين القوى أو قلب الطاولة على بعض أطراف «التنسيقي»، بالاستفادة من الدعم الخارجي، ولا سيما من الجانب الأميركي، الذي يفضّل حكومة أكثر مرونة في الملفات الأمنية والسيادية. وفي هذا الإطار، يقول السياسي محمد الخالدي، لـ«الأخبار»، إن «باب التحدّيات انفتح فعلياً أمام حكومة الزيدي منذ اللحظة الأولى»، مشيراً إلى أن «واشنطن تنتظر من رئيس الحكومة الجديد اتخاذ خطوات واضحة تتعلّق بحلّ الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة، وهي مهمّة شديدة التعقيد وقد تضعه في مواجهة مباشرة مع قوى نافذة داخل الإطار وخارجه». ويلفت إلى أن «الزيدي يحاول تقديم نفسه كشخصية إصلاحية معتدلة قادرة على طمأنة الداخل والخارج معاً»، مستدركاً بأن «نجاحه يتوقّف على قدرته على المناورة بين الضغوط الأميركية من جهة، ومتطلّبات التوازن مع الفصائل والقوى الشيعية من جهة أخرى»، منبّهاً إلى أن «أيّ اندفاع سريع نحو ملف نزع السلاح قد يفجّر أزمة سياسية وأمنية مبكرة».
مخاوف من أن يحاول الزيدي لاحقاً إعادة ترتيب موازين القوى أو قلب الطاولة على بعض أطراف «التنسيقي»
وكان أعلن الزيدي، عقب نيله الثقة، أن حكومته «ماضية بعزم لتحقيق تطلّعات الشعب العراقي»، مؤكداً أن «طريق الإصلاح يبدأ من الداخل في مواجهة الفساد والترهّل الإداري»، ومشدّداً على «إصلاح المنظومة الأمنية عبر حصر السلاح بيد الدولة». كما دعا البعثات الدبلوماسية إلى العودة إلى عملها في بغداد، في رسالة أراد منها إظهار الانفتاح على «المجتمع الدولي». لكن التحدّي الأخطر أمام الحكومة الجديدة قد يكون اقتصادياً، في ظلّ أزمة مالية خانقة، واعتماد شبه كامل على عائدات النفط، بالتزامن مع اضطرابات إقليمية تهدّد استقرار أسواق الطاقة وخطوط الإمداد. ويواجه الزيدي ضغوطاً لتأمين الرواتب وتمويل الموازنة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من توتّرات محتملة جديدة في الخليج ومضيق هرمز. وفي أول تصريح له بعد تولّيه المنصب، قال وزير المالية الجديد، فالح الساري، إن الحكومة «ستحرص على عدم المساس بقوت المواطن»، مؤكداً العمل على «إيجاد معالجات مالية واقتصادية تسهم في تجاوز الأزمة المالية». إلّا أن مراقبين يرون أن الحلول الترقيعية لن تكون كافية في ظلّ تضخم الإنفاق الحكومي وارتفاع معدّلات البطالة وتآكل البنى الخدمية.
أمّا على المستوى الأمني، فتبدو الحكومة أمام اختبار عسير، مع استمرار التوتر الإقليمي، واحتمالات تجدّد الاستهدافات داخل العراق، فضلاً عن ملفّ فصائل المقاومة المسلحة الذي عاد بقوة إلى واجهة النقاش السياسي. والواقع أن استمرار شغور وزارة الداخلية حتى الآن يعكس حجم الانقسام حول إدارة الملف الأمني، ويؤشر إلى أن التفاهمات السياسية لم تنضج بالكامل بعد. أمّا على المستوى الخارجي، فإن حكومة الزيدي ستكون مطالَبة بإعادة ضبط علاقات العراق الإقليمية والدولية، وسط صراع نفوذ متصاعد بين واشنطن وطهران داخل الساحة العراقية. وفي هذا السياق، يقول النائب محمد جميل المياحي، لـ«الأخبار»، إن «الحكومة الجديدة اكتسبت الشرعية القانونية، لكن أمامها تحدّيات كبيرة على مستويات الأمن والاقتصاد والسيادة»، داعياً الزيدي إلى «عدم جمع الحاشية أو تجاوز القانون، واحترام الفصل بين السلطات، ووضع سيادة العراق فوق كلّ الاعتبارات».
