استكمال حكومة بغداد متعثّر: «فيتو» أميركي على توزير الفصائل
تتعثّر جهود استكمال الحكومة العراقية الجديدة وسط تشابك الخلافات الحزبية مع الضغوط الخارجية، في مشهد يعكس حساسية التوازنات السياسية والأمنية، ويؤخر حسم الحقائب الوزارية الشاغرة رغم الوعود المتكررة.


بغداد | لم تنجح عطلة عيد الأضحى في تبريد الخلافات السياسية التي تعصف بمسار استكمال حكومة رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي؛ إذ تبدو الطريق إلى حسم الوزارات التسع الشاغرة في هذه الحكومة أكثر وعورةً مما كان متوقّعاً. فبعدما كانت القوى السياسية تتحدّث عن استكمال «الكابينة» الوزارية مباشرة بعد العيد، تكشف التطورات الأخيرة عن أزمة تتداخل فيها حسابات الاستحقاقات الحزبية مع الضغوط الأميركية لإبعاد فصائل المقاومة من الحكومة.
وبحسب مصدر نيابي تحدّث إلى «الأخبار»، فإنه «لا توجد حتى الآن أيّ بوادر جدية لعقد جلسة برلمانية خاصة لاستكمال التصويت على الوزارات المتبقّية. كما أن الكتل السياسية المعنيّة لم تقدّم أسماء جديدة لرئيس الوزراء، بل لا تزال تخوض نقاشات حادّة حول توزيع المناصب والحقائب». ويضيف المصدر أن «الاجتماعات السياسية مستمرّة بشكل شبه يومي، إلا أنها لم تنجح حتى الآن في تجاوز العقد الأساسية التي تعيق إنجاز الملف».
وتشمل الوزارات الشاغرة حقائب سيادية وخدمية مهمّة، أبرزها الدفاع، والداخلية، والتخطيط، والتعليم العالي، والعمل، والشؤون الاجتماعية، والإعمار والإسكان، والثقافة، والهجرة والمهجرين، وهي وزارات تختصر محدّدات التوازنات السياسية داخل النظام العراقي. وفي هذا الإطار، يبيّن المصدر أن أحد أبرز أسباب التعطيل يتمثّل في ما يصفه بـ«الفيتو الأميركي غير المعلن» على منح بعض الوزارات الأمنية والخدمية لقوى مرتبطة بالفصائل. ويضيف أن واشنطن، عبر مبعوثها الخاص إلى العراق وسوريا، توم برّاك، وقنواتها الدبلوماسية الأخرى، تبعث برسائل واضحة مفادها أنها لا ترغب في رؤية شخصيات تمثّل الفصائل المسلّحة، أو تدور في فلكها، في المواقع الوزارية الحساسة.
واشنطن لم تعد تكتفي بنزع سلاح الفصائل، بل تريد أيضاً إبعادها عن طهران
وتكتسب هذه الضغوط أهمية خاصة في ظلّ النقاش الدائر حول مستقبل سلاح الفصائل. فرغم الخطوات التي أعلنتها بعض التشكيلات بشأن فكّ الارتباط التنظيمي أو تسليم بعض المقار والأسلحة للدولة، يرى المصدر أن «المشكلة الأميركية لا ترتبط بالسلاح وحده، بل بطبيعة العلاقة السياسية والاستراتيجية بين بعض هذه القوى وطهران». ويضيف أن «هناك انطباعاً سائداً لدى عدد من القوى السياسية بأن تسليم السلاح، حتى لو تحقّق بصورة كاملة، قد لا يكون كافياً لإزالة التحفّظات الأميركية على مشاركة بعض الفصائل في الحكومة».
وتملك القوى المرتبطة بفصائل المقاومة أو القريبة منها ثقلاً سياسياً وبرلمانياً كبيراً يقترب من 90 مقعداً في مجلس النواب المكوّن من 329 مقعداً، وهو ما يجعل استبعادها أو تحجيم حضورها الحكومي، مسألة شديدة الحساسية بالنسبة إلى قوى «الإطار التنسيقي» التي تسعى إلى الحفاظ على توازناتها الداخلية، وعدم خسارة أحد مكوناتها الرئيسة. ومع ذلك، تؤكد قوى «التنسيقي» أن استكمال الحكومة لا يزال يمثّل أولوية سياسية. ويقول القيادي، علي الموسوي، لـ«الأخبار» إن «الإطار متمسّك بإكمال جميع الاستحقاقات الدستورية والسياسية. وهناك حوارات مستمرة بين القوى المختلفة للوصول إلى تفاهمات تضمن استكمال الكابينة الوزارية في أسرع وقت ممكن». ومن جهته، يشير النائب في «الإطار التنسيقي»، عامر الفايز، إلى صعوبة عقد جلسة برلمانية خلال المدة الحالية بسبب العطلة التشريعية، ووجود عدد كبير من النواب خارج البلاد، مرجحاً أن يتأخر استكمال «الكابينة الوزارية» إذا لم يتمّ التوصّل إلى اتفاق سياسي سريع يسمح بعقد جلسة طارئة مكتملة النصاب.
وفي الصورة الأعمّ، يرى الباحث في الشأن السياسي، عبد الستار العيساوي، أن تأخّر استكمال «الكابينة» لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة من العوامل السياسية الداخلية والخارجية. ويلفت العيساوي، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن «الوزارات الأمنية، وخصوصاً الدفاع والداخلية، تمثّل جوهر الصراع الحالي بسبب حساسيتها وتأثيرها المباشر في موازين النفوذ داخل الدولة». ويعتقد أن «الأزمة قد تستمر لمدة أطول مما تتوقّعه بعض الأطراف»، لافتاً إلى أن «رئيس الوزراء يواجه أحد أكبر التحدّيات منذ تكليفه، لأنه مطالَب بإرضاء القوى السياسية الداعمة لحكومته، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والشركاء الدوليين».
