ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

حلقة المقاومة الأضعف: 1000 يوم من خنق الضفة

فلسطين
حفظ المقالة

مع بلوغ الحرب يومها الألف، تحوّلت الضفة الغربية إلى ساحة مركزية تسعى إسرائيل من خلالها إلى حسم مشروعها التاريخي، عبر إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والواقع السياسي الفلسطيني، تمهيداً لتثبيت الضمّ الفعلي وإنهاء ما تبقّى من «أوسلو».

أحمد العبد
أحمد العبد
الجمعة 3 تموز 2026
أُقرّت مخططات لإعادة الاستيطان إلى 4 بؤر في جنين كانت أُخليت سابقاً (أ ف ب)
أُقرّت مخططات لإعادة الاستيطان إلى 4 بؤر في جنين كانت أُخليت سابقاً (أ ف ب)
الخط

رام الله | لم تعُد الضفة الغربية بالنسبة إلى إسرائيل جبهةً ثانوية فرضتها الحرب على قطاع غزة، بل تحوّلت، مع بلوغ الحرب يومها الألف، إلى الساحة التي تسعى تل أبيب إلى استثمار نتائج عملياتها العسكرية فيها، بإحداث تحوّلات بنيوية يراد منها رسم شكل القضية الفلسطينية ومستقبلها لعقود قادمة. ولذلك، يجري العمل على نقل مركز الثقل الميداني مجدّداً نحو الضفة الغربية، في إطار مشروع يتجاوز مطاردة مجموعات المقاومة إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً، وصولاً إلى تثبيت الضمّ الفعلي ونسف ما تبقّى من الأسس التي قام عليها «اتفاق أوسلو».
وفي هذا السياق، كشفت وسائل الإعلام العبرية، أخيراً، عن توجّه جيش الاحتلال إلى تعزيز قواته في الضفة، عبر الدفع بنحو 26 كتيبة، تتقدّمها ألوية النخبة، ومن بينها لواءا «المظليين» و«ناحال»، إلى جانب وحدات من قيادة الجبهة الداخلية. وبحسب تلك التقارير، فإن المؤسسة العسكرية تستعدّ للاستفادة من تقليص عملياتها على الجبهة اللبنانية، لتجديد الهجوم على الساحات التي تزعم أنها «لم تُعالَج بعد»، وتحديداً المخيمات والتجمعات الفلسطينية في الضفة.
وفي إطار التحشيد الدعائي لتلك العملية، بدأت وسائل الإعلام العبرية، وفي مقدّمها صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الترويج لرواية مفادها أن الضفة الغربية تتجه لتصبح الجبهة الرئيسة في المواجهة مع إسرائيل، مدّعية أن إيران تسعى، في ظلّ التفاهمات مع الولايات المتحدة والإغلاق المرتقب للجبهة الشمالية، لإعادة تأهيل البنى المسلحة في الضفة. ووفقاً لمزاعم الجيش وجهاز «الشاباك»، فإن ذلك يتمّ عبر ثلاثة مسارات رئيسة، هي: التمويل الرقمي بواسطة العملات المشفرة، والتهريب البري عبر الحدود الشرقية، ونقل المعرفة التقنية والتوجيه عن بُعد.

ويأتي هذا التوجّه بعدما عملت إسرائيل، طيلة ثلاث سنوات من الحرب، على تنفيذ خطة متكاملة تستهدف الجغرافيا والسكان والاقتصاد والمؤسسات في الضفة في آن واحد، تهيئةً للضمّ الفعلي. وفي هذا السياق، يقول الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات، في حديثه إلى «الأخبار»، إن ما تشهده الضفة اليوم ليس سوى تتويج لمسار إسرائيلي بدأ مع توقيع «أوسلو»، وشمل في العقود الثلاثة الماضية بناء منظومة متكاملة من السيطرة العسكرية والاستيطانية والقانونية، قبل أن تأتي الحرب الحالية لتوفّر البيئة الأكثر ملاءمة لحصد نتائج ذلك المشروع. وبحسب تقديره، فإن إسرائيل تستفيد من حال التساهل الدولي غير المسبوقة، ولا سيما من جانب الولايات المتحدة، لفرض وقائع تتعارض مع القانون الدولي والاتفاقيات القائمة، من دون أن تواجه ضغوطاً حقيقية تحدّ من اندفاعها.

هندسة الجغرافيا... من الحواجز إلى تفكيك المخيمات

في إطار العمل على استكمال هذا التحول البنيوي، تلجأ إسرائيل إلى استخدام أدوات متعدّدة، أهمّها توسيع منظومة الإغلاق التي تحوّلت من قيود مرورية مؤقتة إلى هندسة جديدة ومستدامة للحركة والجغرافيا، وذلك عبر شبكة الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية وجدار الفصل، التي كرّست تقسيم الضفة إلى مساحات معزولة وكنتونات منفصلة. وبهذا، تفقد المدن والقرى الفلسطينية قدرتها على التواصل الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي، بينما تترسّخ السيطرة الإسرائيلية المباشرة على حركة السكان والبضائع، وهو ما يجعل فكرة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة مستحيلة على الأرض.
وتتقاطع هذه الهندسة الجغرافية مع مشروع آخر أكثر عمقاً، يتمثل في الهندسة الديموغرافية، ولا سيما في مخيمات شمال الضفة. فمنذ أشهر، تتعرّض مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس لحملة تدمير ممنهجة طاولت المساكن والبنية التحتية وشبكات المياه والكهرباء، فضلاً عن تجريف الشوارع وشقّ طرق واسعة داخل الأزقة الضيقة التي شكّلت، لعقود، إحدى السمات العمرانية للمخيمات. ويشير ذلك بوضوح إلى نية تفكيك المخيم وتهشيم رمزيته بوصفه شاهداً حيّاً على النكبة وقضية اللجوء وحق العودة، ومن ثمّ فرض واقع جديد يدفع اللاجئين إلى الاستقرار خارجه وتحويله تدريجياً إلى مجرّد حيّ سكني عادي يفتقر إلى أيّ بُعد سياسي. وفي هذا السياق، يرى بشارات أن الاحتلال انتقل بالفعل إلى محاولة التحكّم بطبيعة الكثافة السكانية وتوزيعها داخل الضفة، بدءاً من مخيمات الشمال ووصولاً إلى التجمّعات البدوية، بما يخدم التصور الإسرائيلي الطويل الأمد.

يعمل الاحتلال على «طمس» مفهوم السيادة الفلسطينية برمّته


وإلى جانب ذلك، أسفر العدوان على الضفة، منذ السابع من تشرين الأول، عن استشهاد 1179 فلسطينياً، وإصابة نحو 12700، واعتقال ما يزيد عن 23 ألف فسطيني، فضلاً عن تهجير عائلات وتجمّعات كاملة، ولا سيما في شمال الضفة، حيث يتركّز نحو نصف الشهداء في محافظتَي جنين وطولكرم، بواقع 315 شهيداً في جنين وحدها، و215 شهيداً في طولكرم. وليس جيش الاحتلال وحيداً في المسؤولية عن هذه الجرائم؛ بل يرفده إرهاب المستوطنين باعتباره الذراع الميدانية المكمّلة لعملياته. وفي هذا الإطار، سُجّل تصاعد في الاعتداءات على القرى الفلسطينية، وعمليات إحراق المحاصيل واقتلاع أشجار الزيتون، ومهاجمة التجمّعات البدوية.
وإذ تأتي هذه الاعتداءات ضمن سياسة ممنهجة يرعاها الجيش، تهدف إلى تفريغ المناطق المصنّفة «ج» من الوجود الفلسطيني، فهي أفضت إلى تهجير عشرات التجمعات البدوية، وتحويلها إلى مناطق نفوذ استيطاني رعوي، في وقت أُقرّت فيه مخططات لإعادة الاستيطان إلى 4 بؤر في جنين أُخليت سابقاً، بالإضافة إلى بناء 14 مستوطنة جديدة في المحافظة وعدد من المعكسرات.
ولعلّ أخطر التحوّلات التي شهدتها الضفة، انتقال الاستيطان من مرحلة التوسّع الكمي إلى الضمّ الفعلي، وتجاوز ترتيبات «أوسلو» بالكامل؛ إذ لم يعُد الحديث يدور حول بناء وحدات سكنية إضافية، وإنما عن دمج المستوطنات قانونياً وإدارياً داخل المنظومة الإسرائيلية، وذلك عبر التمويل الحكومي الإسرائيلي الضخم، وتطوير شبكات الطرق الالتفافية، وربط الكتل الاستيطانية بعضها ببعض، بما يتجاوز عملياً كلّ ما نصّت عليه «أوسلو». وفي هذا الإطار، صادقت الحكومة الإسرائيلية، خلال الأشهر الماضية، على إقامة وتسوية أوضاع عشرات المستوطنات في مواقع بالغة الاستراتيجية، تقع أجزاء واسعة منها في عمق المناطق المصنّفة «أ»، الخاضعة نظرياً للإدارة الفلسطينية. ووصفت صحيفة «هآرتس» تلك الخطوات بأنها أشبه بـ«103 مسامير» دُقّت في خريطة الضفة الغربية، من أجل قبر «حلّ الدولتين»، وخلق واقع يجعل من الصعب على أيّ ائتلاف حكومي «يساري» أو «معتدل» مستقبلاً التفكير في عكسه أو تفكيكه.

سلطة رام الله تتآكل

على المقلب الآخر من المشهد، تبدو السلطة الفلسطينية وكأنها تعيش حالاً من الانفصال التامّ عن الواقع؛ إذ لا تزال مؤسساتها متموضعة في المربع السياسي والدبلوماسي نفسه، سالكةً طرق العمل التقليدية التي تبنّتها طيلة العقود الثلاثة الماضية. وفي الوقت الذي تلتهم فيه الجرافات الإسرائيلية ما تبقّى من الأرض، تصرّ سلطة رام الله على اجترار الخطاب العقيم عينه حول «عملية سلام» والمفاوضات التي ماتت أساساً في العقل الجمعي الإسرائيلي، من دون امتلاك القدرة أو الرغبة في صياغة استراتيجيات مواجهة ميدانية أو وطنية تتناسب مع حجم التهديد الوجودي الذي يهدّد كيانها ذاته.

وفي هذا السياق، يقول بشارات إن «الحال الفلسطينية تمرّ بمرحلة تيه سياسي وعدم وضوح بشأن الاتجاه الذي تسير نحوه القضية الفلسطينية». ويرى أن «هذا الأمر ينعكس على طريقة التعاطي مع مختلف الملفات، سواء ما يتعلّق بالحرب على قطاع غزة، أو العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، أو مستوى العلاقات الإقليمية والدولية»، مشيراً إلى «غياب الرؤية الفلسطينية في مختلف هذه المسارات».
ويعتقد أن هذا الواقع يرتبط بـ«حال الضعف السياسي الداخلي الناتجة من استمرار الانقسام الفلسطيني، وما ترتب عليه من إضعاف للبنية السياسية والمؤسساتية الفلسطينية»، مشيراً، في الوقت نفسه، إلى «غياب الأطر المؤسساتية القائمة على الشراكة السياسية الحقيقية، إلى جانب تراجع دور التنظيمات والفصائل الفلسطينية، وحتى تراجع دور مؤسسات المجتمع المدني»، والتي باتت، وفق تعبيره، أقرب إلى «أداء دور رقابي محدود».

وبحسب بشارات، لم يعُد الاحتلال يستهدف تقليص صلاحيات السلطة أو تقييد حركتها، وإنما يعمل على «طمس» مفهوم السيادة الفلسطينية برمّته، وذلك عبر سلسلة من الإجراءات التي تنزع تدريجياً ما تبقّى من مظاهر الإدارة الفلسطينية. وهذا ما يتجلّى، مثلاً، في قرصنة أموال المقاصة، وتقليص هامش عمل المؤسسات الفلسطينية، ونقل صلاحيات تتصل بإدارة مواقع دينية وتاريخية إلى جهات إسرائيلية، إلى جانب تشريعات وإجراءات متلاحقة تعيد تنظيم الحياة اليومية للفلسطينيين وفق الرؤية الإسرائيلية.
ومن بين أبرز نماذج تلك الإجراءات، نقل إدارة «الحرم الإبراهيمي» إلى «المجلس الديني» في مستوطنة «كريات أربع»، إلى جانب خطوات أخرى تستهدف مواقع أثرية وتاريخية في الضفة الغربية، وإلغاء قيود قانونية كانت تحدّ من توسيع السيطرة الإسرائيلية، فضلاً عن تشريعات وإجراءات تتّصل بإدارة الواقع اليومي الفلسطيني.

حصار اقتصادي يواكب الضم

يترافق كلّ ذلك مع حصار اقتصادي طاحن حوّل حياة الفلسطينيين في الضفة إلى جحيم يومي. فمنذ اندلاع الحرب، مُنع مئات آلاف العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الأراضي المحتلة عام 1948، فيما واصلت إسرائيل اقتطاع أموال المقاصة، وأدت سياسة الإغلاقات إلى شلّ قطاعات التجارة والسياحة والخدمات. وانعكس كلّ ما تقدّم، ارتفاعاً مهولاً في معدلات البطالة والفقر، وتراجعاً في القدرة الشرائية، وتعطّلاً لجزء كبير من الدورة الاقتصادية في الضفة الغربية. ولم يقتصر الأمر على حرمان الموظفين العموميين من رواتبهم لشهور طويلة، بل تعدّاه إلى ابتزاز السلطة الفلسطينية لدفعها إلى اتخاذ إجراءات تمسّ مباشرة بنظام المخصصات الاجتماعية وبنية الدعم الموجّه إلى عائلات الأسرى والشهداء، وهو ما يعكس الرغبة في إحداث انهيار معنوي واجتماعي شامل، يواكب عملية إعادة تشكيل الأرض نفسها.
إزاء كلّ تلك السياسات العدوانية، يحذّر بشارات من أن الضعف الذي يعتري الحال الفلسطينية يشكّل أحد العوامل التي تشجع الاحتلال الإسرائيلي على المضيّ في سياساته الحالية، كما يؤثّر في طبيعة المواقف العربية والإقليمية والدولية تجاه القضية الفلسطينية، في وقت أصبحت فيه هذه الأخيرة «مجالاً للاستثمارات السياسية الخاصة من أطراف مختلفة». ويرى أن ما يجري تحت عنوان «الإصلاحات السياسية» في فلسطين بات في بعض جوانبه جزءاً من عملية إضعاف ممنهجة، منبهاً إلى أن استمرار هذا المسار سيجعل الفلسطينيين أمام مرحلة «أكثر صعوبة وتعقيداً»، ومشيراً إلى وجود تحديات كبيرة أمام مستقبل المشروع الوطني.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك