العراق بعد «الطوفان»: الحرب على المقاومة لا تضع أوزارها
منذ السابع من أكتوبر، تحوّل العراق من ساحة تأثّر بالأزمات الإقليمية إلى إحدى أبرز ساحات إعادة تشكيل موازين القوى، وسط تصاعد الضغوط الأميركية، وتحديات أمنية واقتصادية متشابكة، وصراع متجدّد حول مستقبل فصائل المقاومة والسيادة العراقية.


بغداد | لم تعُد الساحة العراقية، منذ السابع من أكتوبر، مجرّد مسرح خلفي للصراعات الإقليمية، بل باتت مركز ثقل في التحوّلات التي أعقبت ذلك التاريخ، بما حملته من إعادة رسم لخرائط النفوذ في المنطقة. ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، انعكست تداعياتها مباشرة على العراق، بدءاً من عمليات جبهات الإسناد، وصولاً إلى الهزّات والزلازل اللاحقة، التي شملت اغتيال الأمين العام لـ«حزب الله»، السيد حسن نصرالله، والسقوط المفاجئ للنظام السوري، وما رافقه من تغييرات في معادلات الأمن الإقليمي. وشكّلت هذه التطوّرات نقطة انعطاف في بنية الأمن العراقي، حيث انتقل البلد من مرحلة ضبط التوتر إلى اشتباك غير مباشر - حمل رسائل ردع متبادلة - بين فصائل المقاومة العراقية والقوات الأميركية. وهو اشتباك غير مستقرّ، تخلّلته هجمات جوية طاولت مواقع لـ«الحشد الشعبي» والجيش في أكثر من محافظة، في مقابل استهداف الفصائل قواعد من مثل «عين الأسد» و«الحرير».
وأعاد هذا الواقع، إلى الواجهة، ملفّ «السيادة الجوية» التي يتحكّم بها الأميركيون، ويوظّفونها لمصلحة العدو، وذلك في غياب منظومات الدفاع المتقدّمة عن العراق، بقرار أميركي. كما فرض تحدّيات جديدة على الحدود العراقية - السورية، ولا سيما مع بروز تهديدات مرتبطة بجماعات مسلّحة تحمل طابعاً تكفيرياً، وهو ما استدعى استنفاراً أمنياً واسعاً، لمنع تكرار سيناريوات قاتمة سابقة. واقتصادياً أيضاً، لم يكن العراق بعيداً عن تداعيات المعركة، إذ ترافقت المشاركة غير المباشرة في حرب الإسناد، مع تشديد الإجراءات المالية الأميركية على حركة الدولار عبر البنك المركزي، الأمر الذي انعكس على استقرار العملة والأسواق الداخلية، وفتح نقاشاً داخلياً حول أدوات الضغط الاقتصادي في إدارة التوازنات السياسية. وبلغ التأزّم الاقتصادي، أخيراً، ذروته بإغلاق مضيق هرمز، الذي أدّى إلى تهاوي صادرات العراق النفطية؛ علماً أن موازنة البلاد المالية عليها تعتمد على تلك العائدات بنسبة تصل إلى 90%.
قواعد اشتباك غير مستقرّة تحكمها رسائل ردع متبادلة، أكثر منها مواجهة مفتوحة
في هذا السياق، يشير القيادي في «كتائب سيد الشهداء»، حامد الكعبي، في تصريح إلى «الأخبار»، إلى أن «هذه الأحداث المتلاحقة رتّبت واقعاً جديداً؛ إذ طرأ نوع من الضعف التكتيكي على جبهة الساحة العراقية، وذلك نتيجة فقدان عنصرَين رئيسَين: الأوّل هو رمزية السيد نصرالله، وما يمثّل استشهاده للمحور، والثاني هو سقوط النظام في سوريا». ويضيف أن «بعض القوى السياسية العراقية سارعت إلى توظيف هذه المتغيّرات ميدانياً وسياسياً للضغط على محور المقاومة ومحاولة تعديل موازين القوى الداخلية»، لافتاً إلى أن «التحوّل الميداني الأبرز يتركّز حالياً على الحدود العراقية - السورية، حيث نشأت مخاطر أمنية ممتدّة». ويوضح أن «التهديدات الحالية ترتبط بوجود جهات خارجية تعمل ضمن النظام الجديد في سوريا، وتحمل فكراً تكفيرياً ولغة عدائية صريحة، ما يحرم العراق من الاطمئنان إلى الجبهة الغربية». كما يرى الكعبي أن «بعض القوى السُّنّية حاولت استغلال مؤشرات ضعف المحور، للمطالبة بزيادة حصتها ونفوذها ضمن نظام المحاصصة القائم».
وعلى مستوى إدارة التجاذب الأميركي - الإيراني، حاولت حكومة رئيس الوزراء السابق، محمد شياع السوداني، الحفاظ على توازن دقيق لحماية الاستقرار الداخلي، وهو ما سعت لتسويقه «كإنجاز استراتيجي»، وفق ما يذهب إليه الكعبي، متحدّثاً عن «صيغة تعهّدات متبادلة؛ قدّمت بغداد بموجبها وعوداً للإدارة الأميركية بمنع الفصائل من استهداف مصالحها، في مقابل تعهّد واشنطن بعدم ضرب المقاومة والحشد، خلال فترات التهدئة الحسّاسة». لكن هذه التوازنات «سرعان ما اصطدمت بالخروق الأميركية»، وصولاً، بحسب الكعبي، إلى «خروج الأمور عن السيطرة جرّاء الاعتداءات الأميركية التي استهدفت مقرّات الحشد الشعبي، وأسفرت عن استشهاد مقاتلين، وفجّرت ردود أفعال ميدانية من المقاومة الإسلامية، وصلت إلى حدّ إسقاط طائرة أميركية للتزوّد بالوقود».
وعلى الرغم من أهمية المعادلة التي فرضتها تلك العمليات، كشفت مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر، مفارقة حادّة داخل النظام السياسي العراقي؛ إذ تمتلك القوى القريبة من «محور المقاومة» ثقلاً برلمانياً يتجاوز التسعين مقعداً، فضلاً عن نفوذها العسكري والأمني، لكن هذا الثقل لا يُترجَم إلى حسم كامل لصراع النفوذ لصالحها، وذلك بفعل ضغوط واشتراطات خارجية تتعلّق بالحقائب السيادية وشروط المشاركة في الحكومة. وفي هذا السياق، يشير القيادي السابق في «الحشد الشعبي» والخبير العسكري، عباس الزيدي، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن هناك «مخطّطاً مستمرّاً منذ بدء معركة غزة، يهدف إلى تقويض محور المقاومة»، مشيراً إلى أن «العراق ضحية مباشرة للاعتداءات الأميركية التي تستهدف القوات الأمنية والحشد، وتمثّل خرقاً صارخاً للسيادة، وهذا يفرض على الحكومة وضع ملفَّي السيادة الكاملة والتسليح الاستراتيجي كأولوية قصوى». ويرى الزيدي أن «إثارة ملفّ نزع سلاح الفصائل وتفكيكها تتجاهل مبرّرات وجوده القانونية والشرعية، وعلى رأسها التهديدات الإقليمية المستمرة، والاحتلال الإسرائيلي والأميركي، والاستهدافات المباشرة»، مضيفاً أن «التغييرات الجارية هي نتاج محاولة إسرائيلية لفرض واقع جديد في المنطقة بدعم أميركي، إلّا أن مواجهة المحور في لبنان والعراق وإيران، أعادت تظهير المشهد على حقيقته، وكبحت المخطّط الإسرائيلي».
مع ذلك، لا يزال ملفّ السلاح حاضراً كعقدة كبرى في المشهد العراقي بعد 7 أكتوبر، حيث تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية، والمحاولات المستمرّة لإعادة هندسة توازن القوى داخل الدولة ومؤسساتها. وفي هذا الإطار، يرى الباحث السياسي، ومدير مركز «نواة» للدراسات الاستراتيجية، عباس المعموري، أن الساحة العراقية تواجه «ضغطاً دولياً مُكثّفاً يهدف إلى تحجيم دور فصائل المقاومة»، مشيراً إلى وجود «مفارقة واضحة تتمثّل في امتلاك قوى الإطار التنسيقي ثقلاً برلمانياً كبيراً، مقابل قيود دولية تمنع ترجمة هذا الثقل إلى نفوذ تنفيذي مباشر في بعض المفاصل السيادية». ويخلص المعموري إلى أن «المسار (الذي فُتح بعد الحرب مع إيران) يهدف إلى عزل سياسي واقتصادي تدريجي للفصائل، باستخدام أدوات ضغط مالية وسياسية، لكن هذا المسار يهدّد في المقابل بإعادة إنتاج التوتر داخل النظام السياسي العراقي بدل حسمه».
