رهيف فياض... المُدافع عن «نبض المدينة»
خسر لبنان رهيف فياض (1936 ـــ 2026)، المعمار الذي عارض مشروع «سوليدير» لأنها حوّلت الفضاء العام إلى سلعة، وأقصت السكان، وقطعت المدينة عن ذاكرتها.


خسر لبنان رهيف فياض (1936 ـــ 2026)، المعمار الذي عارض مشروع «سوليدير» لأنها حوّلت الفضاء العام إلى سلعة، وأقصت السكان، وقطعت المدينة عن ذاكرتها. في فكره وممارسته، انحاز إلى مدينة تُبنى لتُعاش، لا لتُباع، وإلى عمارة تقاوم السوق وتحمي الحقّ الجماعي في المكان. كان صوتاً نقدياً دافع عن المدينة كعقد اجتماعي، وعن العمارة كفعل أخلاقي في مواجهة الإقصاء
يوم انتهت الحرب الأهلية اللبنانية في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، بدأت الوعود بانتعاش ونهضة اقتصاديين، للعودة إلى ما كان يوصف به لبنان بأنه «سويسرا الشرق». أتت هذه الوعود على أرزاق الناس في وسط العاصمة، وعلى تاريخها وأبنيتها. قلّة حاربت هذا المشروع. يومها خُوّن هؤلاء، لكنّهم لم يتراجعوا. لكن المشروع ربح، واستبدل وسط المدينة، بنموذج غربي، فارغ من الحياة ومن سكّان بيروت. هُدمت المباني التاريخية، ورُدم البحر، وسيطر موقف سيارات طويل على ما كان يشهد يوماً على حركة الناس اليومية.
كان المعمار رهيف فياض أحد أبرز المعارضين لمشروع شركة «سوليدير» في وسط بيروت، وفي مقابلة تلفزيونية قال «بدنا نبني للناس»، مؤكّداً على أنّ العمارة المحلية يجب أن تكون مقاومة للعمارة المعولمة عبر التصاقها بالمكان، وأن تحترم المعطى المكاني، أو ما يعرف بفنّ المكان.
قبل أيام، رحل رهيف فياض، تاركاً بلداً مدمراً، يبحث عن حامٍ لتاريخه وتراثه، وبناه الاجتماعية وحقّ سكانه في مدن وقرى تشبههم وتحفظ تاريخهم. رحل فياض فيما المدينة التي دافع عنها، تزداد اغتراباً عن أهلها. غاب المعمار الذي رأى في العمارة فعلاً أخلاقياً قبل أن تكون مهنةً، وفي المدينة عقداً اجتماعياً لا صفقةً عقارية. برحيله، لا يخسر لبنان مهندساً فقط، بل يخسر صوتاً نقدياً نادراً وقف في وجه تحويل الفضاء العام إلى سلعة، ودافع عن حق الناس في مدينة تُبنى لتُعاش لا لتُباع.
معارض شرس لـ «سوليدير»
أشد معارك فياض كانت معارضته مشروع «سوليدير» في وسط بيروت. اعتبر يومها أنّه حوّل المنطقة إلى فضاء تجاري مقفَل، عوضاً عن أن تكون مساحةً عامة يعيش ويلتقي فيها الناس. في هذا النقد، تمسّك فياض بأن المدينة ليست مجرد عمارات أو واجهات، بل مجالات تلاقٍ وتفاعل اجتماعيين، وعندما تتغيّر هذه المجالات بحسب مصالح المال، ينعزل الناس بدل أن يلتقوا فيها.
كان فياض واضحاً في تصويره لما فعله المشروع بمكونات المدينة، فقد قدّمت «سوليدير» نموذجاً من العمارة المعولمة التي تُغيّب تاريخ المكان وتحوّله إلى منتج تجاري يخدم الطبقات الميسورة والمستثمرين، ويطرد السكان المحليين الذين كانوا جزءاً من المدينة قبل الحرب. وصف فياض وسط بيروت بعد مشروع «سوليدير» بأنه يشبه ضاحية حديثة أكثر من كونه قلباً مدينياً نابضاً بالحياة.
ركّز فياض على تحول الساحات والأماكن العامة في وسط بيروت بعد الإعمار. لم تعد ساحة البرج تمثل مكاناً للقاء الناس، بل تحولت إلى مساحة مفتوحة تفصِل المدينة، ما عزّز الانقسام بدلاً من الوحدة. أما ساحة الدبّاس، فقد تغيّرت إلى ما يُعرف اليوم بـ«الصيفي»، وهو اسم يشير إلى تحولها بعيداً من كونها فضاءً عاماً نشطاً.
كان يرى أنّ الشكل المعماري ليس بريئاً، بل يحمل داخله علاقات السلطة والاقتصاد
هنا يكمن جوهر نقده، إذ إنّ المجالات العامة ليست مجرد مساحات فارغة. هي دوافع لتلاقي الجماعات المدنية وممارسة الحياة الاجتماعية. عندما تُغيَّر هذه المجالات لخدمة استثمار خاص، فإن المدينة تفقد جزءاً جوهرياً من هويتها وذاكرتها.
اعتبر فياض أنّ تنفيذ «سوليدير» أنتج بيئة معمارية موجهة للربح، من أجل أولئك القادرين على الشراء أو الاستثمار، مؤكداً أن ارتفاع الإيجارات في وسط بيروت بعد الإعمار، جعل الشوارع والمباني حكراً على الأغنياء والزائرين العابرين، بينما لم تبقَ هناك مساحات يعتاد عليها السكّان المحليون أو يُعرّفونها بأنها «مدينتهم».
هذا التحوّل، وفقاً لفياض، لا يمثّل فقط تغيّراً في شكل المباني، بل تفككاً حقيقياً في الروابط الاجتماعية التي كانت تربط المدينة بأهلها. تحولت المدينة إلى موقعٍ استثماريٍ يُحوَّل فيه الفضاء العام إلى قيمة تجارية.
ممارسة اجتماعية
لم يكن رهيف فياض معمارياً تقنياً بالمعنى الضيّق، بل كان مفكّراً يرى في العمارة ممارسةً ثقافيةً واجتماعية، وفي المدينة كياناً حيّاً يتشكّل من الذاكرة والعلاقات والاقتصاد، بقدر ما يتشكّل من الحجر والإسمنت. من هذا الموقع النقدي، يمكن قراءة فكره بوصفه امتداداً عربياً لتيارٍ معماريٍّ نقديٍّ تشكّل في النصف الثاني من القرن العشرين، كان من أبرز رموزه حسن فتحي في مصر ورفعة الجادرجي في العراق.
اشتهر حسن فتحي بمشروعه الفكري والأخلاقي الذي تجلّى في كتابه «عمارة الفقراء»، الذي دعا فيه إلى عمارة تنبع من البيئة المحلية، تستخدم المواد التقليدية، وتستجيب لحاجات المجتمع الفعلية بدل فرض نماذج حداثية مستوردة. بالنسبة إلى فتحي، العمارة ليست ترفاً جمالياً ولا تعبيراً عن سلطة، هي أداة لتحسين شروط العيش وإعادة الاعتبار للإنسان العادي.
فياض، مثل فتحي، رأى أنّ العمارة التي تنفصل عن الناس تفقد معناها، وأن المبنى لا يُقاس فقط بجماليته، بل بقدرته على الاندماج في حياة المجتمع.
أما رفعة الجادرجي، فقد قدّم مقاربة تقوم على فهم العمارة بوصفها نتاج جدل بين التقنية، والمجتمع، والتاريخ. لم يكن الجادرجي ضد الحداثة، ولكنه رفض حداثة بلا جذور، ودعا إلى قراءة الشكل المعماري بوصفه نتيجة علاقات اجتماعية واقتصادية وثقافية.
في نقده لمشاريع الإعمار الكبرى، لم يركّز رهيف فياض على «قبح» أو «جمال» المباني، بقدر ما ركّز على المنطق الذي أنتجها: من يملك المدينة؟ لمن تُبنى؟ ومن يُقصى عنها؟ هذه الأسئلة هي نفسها التي طرحها الجادرجي.
مثل الجادرجي، كان فياض يرى أنّ الشكل المعماري ليس بريئاً، وأنه يحمل داخله علاقات سلطة واقتصاد. ومن هنا نقده اللاذع لمشاريع تحوّل الفضاء العام إلى مساحة استثمارية، تُفرغ المدينة من بعدها الاجتماعي، كما حصل في وسط بيروت بعد إعادة الإعمار.
ما جمع فياض وفتحي والجادرجي هو موقف أخلاقي ومعرفي من العمارة الحديثة، ورفض إخضاع المدينة لمنطق السوق وحده. فتحي واجه هذا المنطق بالدفاع عن الفقراء والبيئة المحلية، والجادرجي واجهه بالتنظير النقدي للشكل والحداثة، بينما واجهه فياض بنقد الإعمار النيوليبرالي الذي حوّل المدينة إلى سلعة.
سيرة ومحطات
وُلد رهيف فياض عام 1936 في قرية بترومين، في شمالي لبنان، لعائلة لم تكن محايدة ثقافياً أو سياسياً. نشأ في بيت مفتوح للنقاش والقراءة. والده، جبرائيل فياض، هو مربٍ وفاعل ثقافي في طرابلس، أسّس «جمعية أهل القلم» وأسهم في تنشيط الحياة الفكرية في المدينة، ما أتاح للابن منذ طفولته تماساً مبكراً بالكتب والأسئلة العامة والشأن العام.
في هذا المناخ، تبلور وعي مبكر لدى فياض بأن المعرفة ليست ترفاً، وأن التفكير فعل يومي. منذ سنواته الأولى، انجذب إلى الكتابة بقدر انجذابه إلى الرسم، وكان يبحث عن مسار يتيح له الجمع بين الحسّين. جاء اختياره للهندسة المعمارية نتيجة هذا البحث، بوصفها مجالاً يمكن أن يتقاطع فيه الفكر والممارسة.
التحق عام 1954، بـ «الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة» (ALBA)، بدافع وتشجيع من المهندس أنطون تابت، أحد أبرز وجوه العمارة والثقافة التقدمية في لبنان آنذاك. في الأكاديمية، صقل أدواته المعمارية، وبدأ يكوّن رؤيته الخاصة للعلاقة بين المبنى والمدينة، وبين العمارة والمجتمع، تخرّج عام 1963 حائزاً دبلوم الهندسة المعمارية، لكنه كان قد دخل الحياة المهنية قبل ذلك.
عمل فياض في أكثر من مكتب معماري، إلى أن انضم عام 1961 إلى مكتب أنطون تابت. وبعد وفاة الأخير عام 1964، تولّى إدارة المحترف، لتبدأ مرحلة شراكة طويلة مع جاد أنطون تابت. هذه الشراكة أنتجت عدداً من المشاريع البارزة في بيروت. ولم تقتصر تجربة فياض على السياق اللبناني، فقد امتدت إلى خارج البلاد، وشارك في مشاريع ذات طابع تقني ومعماري متقدّم. في العراق، وجيبوتي، والسعودية، ومصر، والمغرب، وقطر، وتركمانستان، إضافة إلى أعمال في لندن وجنيف وروسيا وفرنسا.
إلى جانب عمله المعماري، انتُخب فياض عام 2001 رئيساً لهيئة المعماريين العرب، ما أتاح له توسيع دائرة اشتغاله الفكري على قضايا المدينة والعمارة في العالم العربي. وفي 2007، تولّى الإشراف على مشروع إعادة إعمار ضاحية بيروت الجنوبية بعد العدوان الإسرائيلي، وهو دور جمع فيه بين الخبرة التقنية والحسّ الاجتماعي، بعيداً من المقاربات الاستثمارية الضيّقة.
كما كتب بانتظام في الصحافة آخرها فوق صفحات «الأخبار»، وبرزت مداخلته النقدية الموسّعة في صحيفة «السفير» عام 2009، حين خاض سجالاً معمارياً وفكرياً ضد المشروع الفائز بتصميم «دار الثقافة والفنون في بيروت»، معتبراً أنّ العمارة العامة لا يمكن فصلها عن أسئلتها الاجتماعية والسياسية.
بين العمارة والسياسة
على مدى أكثر من أربعين عاماً، درّس رهيف فياض مادة التصميم المعماري في الجامعة اللبنانية. لم يكن تدريسه تقنياً بحتاً، بل حواراً دائماً مع الطلاب حول معنى العمارة ودورها. رأى في التعليم ممارسة تحريضيةً، وفي الجامعة مساحة لتكوين الوعي لا لإنتاج النسخ الجاهزة.
سياسياً، انخرط في العمل العام منذ مراهقته، إذ انتسب إلى الحزب الشيوعي اللبناني في سن السادسة عشرة. شغل لاحقاً مواقع قيادية، لكنه احتفظ بمسافة نقدية واضحة، رافضاً الانضباط الأعمى أو التحوّل إلى بيروقراطي حزبي. ظلّ وفيّاً للماركسية بوصفها أداة تحليل وانحياز أخلاقي لا كمنظومة شعارات.
صدرت له مؤلفات عدة حول العمارة وفلسفتها، منها «نبض المدينة» (الفارابي، 2019)، و«في عولمة العمارة وصورة المدينة» (الفارابي، 2017)، و«خلاصات - الفكر العمارة والمجتمع» (الفارابي، 2013)، و«العمارة الغانية والإعمار الموجع» (الفارابي، 1999)، و«العمران والذاكرة العمران والوهم» (الفارابي، 2000)، و«العمارة ووعي المكان» (الفارابي، 2004) و«من العمارة إلى المدينة» (الفارابي، 2009).
معركة التحرّر الوطني تمرّ في العمارة
ننشر هنا مقتطفات من حوار سابق أجرته الزميلة السابقة زينب حاوي مع المعمار الراحل ونُشر في ملحق «كلمات» في الأول من شباط (فبراير) 2019.
■ كيف يُعرّف رهيف فياض المعمارُ والإنسانُ، عن نفسه؟
ـــ أنا لا أفصل بين الصفتَيْن. فهما صفةٌ واحدةٌ، لإنسانٍ واحد. وكوني معماراً، يُعطيني صفةَ الإنسان مرَّتين، لأن العِمارة في الأساس، هي منتج اجتماعيٌّ معدٌّ لتلبيةِ حاجاتِ الناس. ومن يَحترفُ العملَ فيها، يخصِّص وقته للقيام بعملٍ ذي طابعٍ إنسانيّ. فأنا رهيف فياض بصفتي المزدوجة الإنسان والمعمار، إنسان بامتياز.
■ لكن هل كلُّ عملٍ معماريّ هو ذو طابعٍ إنساني بالضرورة؟
ـــ بالطبع لا. يجب على العمل المعماريّ، أن يكون هادفاً للنهوض بالمجتمع الذي يبنى فيه، وأن تلبّي العِمارةُ حاجاتِ الناس. لذا يمكنُ لعمل معماري ما أن لا يكترث بحاجات الناس، فيفقدُ بالتالي صفته الإنسانية.
■ كثير من المتخصصين يصنّفون العمارة ضمن قائمة الفنون، كيف تُصنّفها في رأيك؟
ـــ إنَّ العِمارةَ كمنتجٍ اجتماعيّ يلبيّ حاجةً إنسانية متطوّرة ومتغيّرة، مع تطور الحاجات وتحسُّن وسائل الإنتاج، وكونها أيضاً لصيقةَ الحضارةِ لشعبٍ ما، وجزءاً من ثقافةِ هذا الشعب، فهي أقربُ ما تكونُ إلى الإنتروبولوجيا. وإذا أردنا تصنيفها، فعلينا أن نَجد لها مكاناً ضمن علومِ المُجتمع. فالعِمارةُ جزءٌ لا يتجزَّأ من المجتمعِ، تتضافرُ فيها كلُّ المكوّناتِ المتطوّرة، والتي تتطوَّر مع تطوُّرِ وسائل الإنتاج في المجتمع.
العمارة إذاً، في الإنتاج الاجتماعيّ، هي في موقعٍ ما داخل علوم المجتمع، وعلوم الإنسان، التي تتضمَّن كلَّ الأمور المتعلّقةِ بالإنسان، وعلاقته بذاته والآخر. (...)
يجب أن تكونَ (العمارة) ابنةً للتطُّورِ الحضاري لشعوبِ المكان. وعلى المستوى الاجتماعيّ، أن تكون وليدة المجتمع الذي هي فيه. ومن حيثُ مواد البناء المستعملة، عليها أن تستعمِل الموادَّ المتوافرة محلياً. وأُعطيك مثالاً حسن فتحي الذي أنتج عِمارةَ الطين، حيث استعملَ الطينَ، وجعل الناس يبنون بيوتهم بأنفسهم. وهو بذلكَ معمارٌ مقاومٌ. إذاً، علينا استخدام المواد المتوافرة في المكان، لتنتج عمارتنا المقاومة.
■ هل نجحتَ أنتَ في أن تكونَ معماراً مقاوماً؟
ـــ أنا لا أعتقد ذلك، ولكنني أقول إن هذا هو موقفي من العمارة، وليس من الضروري أن أنجح، وقد لا أستطيع النجاح. ولكنَّني أطرح فكرةً، ومنطلقاً، يمكنُ أن يشكّلا عنصر استقطابٍ. وقد قدتُ هيئةَ المعماريين العرب مدة أربع سنوات، في هذا الطريق. وأقولُ، إن هذا هو الطريقُ الضروريُّ، ومعركتُنا لإنجازِ عمارةٍ مقاومةٍ، هي ذاتُها معركتُنا في النضالِ الوطني للتحرُّر، ولكي نكونَ نحنُ ذاتنا، لا كما يُرادُ لنا أن نكون.
مرثية لبيروت؟
في كتابه الأخير «طيف جنائزي في بيروت» (دار نلسن ــ 2022) الذي نشر أجزاء منه فوق صفحات هذه الجريدة، حوّل رهيف فياض مرحلة ما بعد انفجار مرفأ بيروت يوم الرابع من آب (أغسطس) 2020 إلى مادة تفكير نقدي في المدينة ومعناها.
يفتتح فيّاض كتابه بنصّ أقرب إلى بيان، يصف فيه الانفجار كنقطة انهيار تاريخية، لا كحادثة عابرة. ما جرى، وفقاً لرؤيته، ليس فقط تدميراً عمرانياً واسع النطاق، بل نكبة طالت بنية العيش نفسها، وكسرت استمرارية الأحياء وعلاقات الناس بأمكنتهم. من هنا، يصبح السؤال المركزي في الكتاب: ماذا يعني أن نعيد بناء مدينة فقدت جزءاً من روحها؟
ينقسم العمل إلى ثلاثة مسارات. في المسار الأول، يناقش مفهوم التراث في المدن العربية، رافضاً التعامل معه كمجموعة مبانٍ مصنّفة أو عناصر معمارية معزولة. التراث، كما يراه، هو نسيج من الذاكرة والعادات والحياة اليومية، وأي محاولة لحمايته من دون فهم هذا البُعد الإنساني تبقى ناقصة، وربما مزيّفة.
في المسار الثاني، ينتقل إلى معاينة بيروت بعد أشهر قليلة من الانفجار، عبر نصوص مرفقة بصور توثّق آثار الدمار. يقدّم قراءة حساسة لتفاصيل الشوارع والبيوت والوجوه، كاشفاً عن مدينة تحاول الوقوف وسط صدمة لم تُهضم بعد. أما المسار الثالث، فيركّز على شارع «غورو» بعد مرور تسعة أشهر، حيث تتداخل محاولات التعافي مع مخاطر المحو والتغيير القسري. هنا، يطرح فيّاض تساؤلات حول إعادة الإعمار، وحدودها، ومن يملك حق إعادة صياغة المدينة.


