موسم بلا أجزاء ولا ضحك!
للمرة الأولى منذ سنوات، يكون الموسم شبه خالٍ من مسلسلات الأجزاء، إذ اقتصر الأمر على مسلسل واحد فقط يستكمل موسماً سابقاً هو «النُص» (تأليف عبدالرحمن جاويش، وإخراج حسام علي)


للمرة الأولى منذ سنوات، يكون الموسم شبه خالٍ من مسلسلات الأجزاء، إذ اقتصر الأمر على مسلسل واحد فقط يستكمل موسماً سابقاً هو «النُص» (تأليف عبدالرحمن جاويش، وإخراج حسام علي) بينما تعتمد الخريطة بالكامل على أعمال جديدة بشخصيات وحكايات لم تستهلك من قبل.
مشهد يبدو استثنائياً إذا ما قورن بالمواسم الماضية، التي كانت تشهد وجود ثلاثة أو أربعة أعمال على الأقل من نوعية «الجزء الثاني والثالث»، بوصفها استثماراً مضمون العائد. طوال السنوات الماضية، تحولت مسلسلات الأجزاء إلى ما يشبه «التأمين التجاري» لدى المنتجين. الجمهور يعرف الشخصيات، ويحفظ مسارات الصراع، ويتابع بدافع العادة قبل الفضول، وهو ما يخفف من مخاطر الفشل، ويضمن نسب مشاهدة مستقرة، ولو تراجع المستوى الفني.
لكن هذا الموسم يكسر القاعدة. غياب الأجزاء لا يعني فقط تغييراً في الخريطة، بل يشير إلى تحول في فلسفة الإنتاج نفسها. فالاكتفاء بالمسلسلات المستمرة كان قد خلق حالة من الركود الإبداعي، حيث تكتب الحكايات على مقاس النجاح السابق لا على مقاس الضرورة الدرامية، وتُمد الأحداث أفقياً بلا أي مبرر سردي، فقط لأن الجمهور ما يزال موجوداً.
الرهان على الجديد هذا العام يبدو محاولة لاستعادة عنصر المفاجأة، بعدما تحولت بعض الأعمال إلى نسخ مكررة من ذاتها. فالجمهور الذي اعتاد انتظار الجزء الجديد من مسلسل بعينه، بدأ يُظهر إرهاقاً واضحاً من التكرار، سواء على مستوى البناء الدرامي أو الشخصيات أو حتى القضايا المطروحة.
يمكن قراءة هذا التحول بوصفه استجابة لتغيرات السوق. فالإعلانات لم تعد تُبنى فقط على اسم المسلسل، بل على قدرته على خلق حالة نقاش على وسائل التواصل، وهي حالة يصعب تحقيقها مع جزء جديد لا يقدم إلا استمراراً لما هو قائم. كما إنّ المنصات باتت تميل إلى الأعمال المغلقة ذات الموسم الواحد، القابلة للتصدير والتسويق عربياً وخارجياً، بدل أعمال تتطلب من المشاهد متابعة مواسم سابقة لفهمها.
أما على المستوى الفني، فغياب الأجزاء يفتح الباب أمام عودة الكتابة من نقطة الصفر، ما يخلق مساحة أوسع للتجريب في الشكل والمضمون.
مع ذلك، لا يعني هذا نهاية مسلسلات الأجزاء تماماً. فالنجاح الجماهيري ما يزال عاملاً حاسماً، وقد تعود هذه الظاهرة بقوة إذا أثبتت الأعمال الجديدة إخفاقها في جذب الجمهور. لكن الفارق أن موسماً بلا أجزاء تقريباً يضع الجميع أمام اختبار حقيقي: هل يمكن للدراما أن تراهن على القصة لا على الاسم؟ وعلى الحكاية لا على العادة؟
اللافت هذا الموسم أيضاً غياب الكوميديا التي اقتصر حضورها على عمل واحد هو «فخر الدلتا» (تأليف عبدالرحمن جاويش، وإخراج هادي بسيوني)، وبطله شاب صعد من عالم الفيديوهات التمثيلية على مواقع التواصل الاجتماعي (أحمد رمزي)، في أول تجربة درامية تلفزيونية له. مفارقة تكشف تحوّلين هما أن الكوميديا لم تعد الرهان الأول في خريطة الموسم، وأنّ معادلة «البطل النجم» بدأت تتفكك بهدوء.
على مدار سنوات طويلة، كانت الكوميديا أحد أعمدة رمضان. وجود عملين أو ثلاثة في هذا النوع لم يكن مجرد تنويع، بل كان استثماراً مضموناً في الضحك العائلي وقت الإفطار. ومع الوقت، تحولت الكوميديا إلى مساحة شبه مغلقة على نجوم بعينهم، تُكتب الأعمال على مقاسهم، وتبنى النكت على حضورهم أكثر مما تبنى على البناء الدرامي نفسه.
هذا الموسم يبدو مختلفاً. فالاكتفاء بمسلسل كوميدي واحد يشير إلى تغير في نظرة المنتجين إلى هذا النوع. الكوميديا لم تعد «الاختيار الآمن» كما كانت، في ظل تحول الضحك إلى محتوى مجاني وسريع على منصات التواصل، حيث مقطع تبلغ مدته دقيقة قادر على تحقيق انتشار يفوق حلقة كاملة من مسلسل. ومع هذا التحول، لم تعد الميزانيات الكبيرة وحدها كافية لصناعة كوميديا قادرة على المنافسة.
وفي قلب هذه المفارقة، يأتي اختيار بطل جديد قادم من السوشال ميديا. يحمل القرار دلالةً على تحول معايير النجومية. لم يعد السؤال الأول: كم بطولة سينمائية قدم؟ بل كم شخصاً يتابعه؟
ظهور وجه جديد في بطولة عمل كوميدي يضع الصناعة أمام اختبار مزدوج: هل يمكن للكوميديا أن تعيش بلا نجم من الصف الأول؟ وهل يستطيع بطل قادم من السوشال ميديا أن يتحول إلى ممثل قادر على حمل 30 حلقة؟
هذا الرهان محفوف بالمخاطر، لكنه في الوقت نفسه فرصة للتجديد. فالكوميديا تحديداً تحتاج دماء جديدة، لأن النكتة حين تعاد تفقد دهشتها، والشخصية حين تستهلك تتحول إلى ظل باهت من نفسها. الاعتماد على وجه غير مستهلك، قد يمنح الكوميديا فرصة للهروب من النمطية التي علقت بها في مواسم سابقة، حين تشابهت الأعمال في الإفيه، والإيقاع، وطريقة الأداء.
لكن تقليص مساحة الكوميديا إلى مسلسل واحد يطرح سؤالاً أوسع: هل أصبح الجمهور أكثر ميلاً إلى الدراما الثقيلة؟ أم إن السوق لم تعد تثق بقدرة الكوميديا على المنافسة أمام مسلسلات الجريمة والتشويق والأكشن؟
