ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

بدر الحاج يعود إلى طرابلس الشام: مرثية لـ«جوهرة» الساحل السوري

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

يتتبّع بدر الحاج تحوّلات طرابلس عبر أرشيفها البصري، مفككاً النظرة الاستشراقية ومستعيداً المدينة من الخرائط والعدسات الأجنبية.

بول مخلوف
بول مخلوف
السبت 21 شباط 2026
بدر الحاج يعود إلى طرابلس الشام: مرثية لـ«جوهرة» الساحل السوري
الخط

يتتبّع بدر الحاج تحوّلات طرابلس عبر أرشيفها البصري، مفككاً النظرة الاستشراقية ومستعيداً المدينة من الخرائط والعدسات الأجنبية. كتابه الذي يصدر الأسبوع المقبل تحت عنوان «طرابلس الشام: رحلة مصوّرة 1945-1844»، يوثّق قرناً من التاريخ من أوائل أربعينيات القرن التاسع عشر حتى النصف الأول من القرن العشرين، ويحوّل الصورة إلى شهادة على التهميش والانهيار


للمرة الثانية، يختار المؤرّخ والباحث بدر الحاج مدينة طرابلس لكي تكون موضوعاً لحفره الأركيولوجي ساعياً إلى استنطاق طبقاتها التاريخية المتعاقبة.

كتابه «طرابلس الشام: رحلة مصوّرة 1945-1844» الصادر حديثاً باللغة الإنكليزية، يقدّم توثيقاً بصرياً لمدينةٍ عريقةٍ لُقِّبت يوماً بـ«جوهرة» الساحل السوري؛ كاشفاً عن ملامح هذه المدينة وتحوّلاتها على امتداد قرنٍ كامل من الزمن.
عبر وسائط بصرية متنوعة، كالرسم والخرائط والنقش والتصوير، يتتبع بدر الحاج سيرة طرابلس التي تحوّلت بعد الحملات الصليبية إلى موضوع مثير في المخيال الغربي وظلّت كذلك ردحاً من الزمن.

يزيل الحاج هذه القشرة الاستشراقية التي غلَّفت طرابلس عبر إعادة قراءة الأرشيف البصري قراءة رصينة ومؤطرة. اللوحات والصور (بعض الصور ليست من مكتبته الخاصة، بل من المكتبة الوطنية الفرنسية) المندرجة في الكتاب، تأتي مرفقة بنصوص يضيء فيها الحاج على السياق التاريخي والاجتماعي، مقدِّماً لمحة تعريفية بالفنان و/أو صاحب الصورة حيث لا تبقى الصورة معلّقةً في فراغ تخييلي أو صالحة للاستهلاك الثقافوي والسياسي. بهذا المعنى، يقوم الحاج بتثبيت «الكادر» للصورة حتى تغدو مرآةً عاكسة لمرحلتها، لا مركزاً للسحر والخرافة وإثارة شبق النظرة الاستشراقية.

  • من الكتاب
    من الكتاب

صحيح أنّ غالبية المصوّرين والفنانين الذين أنتجوا هذه اللوحات والصور هم أوروبيون، غير أنّ المسألة تتعلّق بالأثر وبكيفية توظيفه. يعيد الحاج إدراج الصورة في سياقها التاريخي والاجتماعي، مفككاً النظرة التي حدّق بها الاستشراق في المدينة، ومستعيداً صوتها من داخل مادّتها البصرية.

على هذا النحو نتعرف إلى طرابلس المدينة كما «كانت عليها» عبر الصور الفوتوغرافية، وليس على طرابلس «الصورة». كتاب بدر الحاج ليس توثيقاً فحسب، هو مراجعة سوسيولوجية للمكان، هو تحدٍّ ثقافيّ، عرقلة للسردية، لكل إطار تخييلي ألصق بها انطلاقاً من مرجعٍ خارجيٍّ عنها.

هكذا، يعيد بدر الحاج تقويض فصلٍ من التاريخ. ومن دون أن يتخلى أو ينزاح عن منهجيته الصارمة في التوثيق، لا يخفي نقده اللاذع لقصور المعرفة بالمنطقة سواء في المرحلة العثمانية، أو في سياسات التهميش التي رافقت قيام لبنان الكبير. تتحوّل الصورة إذن من وثيقةٍ ساكنة إلى مادّة سجالية، تقرأ وتناقَش وتستعاد. نبدأ معه في مرحلة استكشاف للمدينة، ثم نجد أننا أمام مرثية مبطّنة لتحوّلاتها، ثم ننتبه أننا أمام عمل يرمي إلى ترسيخ ذاكرة جماعية ينتشلها من ركام النسيان وحطام الاستشراق.

بداية

في الصفحات الأولى من كتابه، يوضح بدر الحاج غرضه: «هذا الكتاب ليس تاريخاً تقليدياً لمدينة طرابلس الشام، ولا يسعى إلى تقديم مسحٍ وصفيّ لأحيائها وخاناتها وأسواقها وشوارعها وأزقّتها ومساجدها وكنائسها أو لحياتها الاجتماعية. فقد تناول باحثون في لغاتٍ مختلفة هذه الموضوعات بعمقٍ على مرّ السنين، ولا أبتغي تكرار ذلك المتن البحثي أو التوسّع فيه. بل يهدف هذا الكتاب إلى سدّ فجوةٍ من نوعٍ آخر. وعلى حدّ علمي، فهو أول عملٍ يُكرَّس لتوثيق طرابلس عبر التصوير الفوتوغرافي، ويغطي الفترة الممتدة من أوائل أربعينيات القرن التاسع عشر- حين التقط الرائد الفرنسي جوزيف-فيليبير جيرو دو برانجي (1804–1892) أول صورة معروفة للمدينة- حتى النصف الأول من القرن العشرين».

اللوحات والصور المندرجة في الكتاب، تأتي مرفقة بنصوص يضيء فيها الحاج على السياق التاريخي والاجتماعي


سبق لبدر الحاج أن نشر عام 2010 كتاباً توثيقياً عن طرابلس، مقتفياً أثرها عبر الطوابع البريدية، تحت عنوان «طرابلس الشام: جولة مصورة مع البطاقة البريدية». ركز في ذلك الكتاب على الفترة الممتدة من العقد الأخير من القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين. غير أن الكتاب الحالي يمتاز عن السابق بأنه «وسع النطاق الزمني وزاد وفرة المواد البصرية، جامعاً التصوير الفوتوغرافي في قلب السرد التاريخي».
يتزامن كتاب بدر الحاج مع الكارثة المكانية التي تحلّ على طرابلس. تواجه هذه المدينة اليوم- التي عرفت في الماضي كوارث طبيعية أفضت إلى انهيار تراثها العمراني- زلزالاً مدمراً لا يهددها فحسب، إنما يهزّ بنيتها التحتية وحيوات سكانها. تتهاوى الأبنية في طرابلس، المنازل تسقط كأوراق الخريف على رؤوس قاطنيها بفعل فساد سياسي وإداري متجذر منذ نشأة لبنان الكبير. هذا ما سيظهره لنا الحاج في الصور الفوتوغرافية.

أمام اضمحلال الأثر تحت وطأة الكوارث، وتلاشي المدينة وتبخّرها بفضل التهميش السياسي؛ أمام التراجيديا التي تعصف بطرابلس، ينحو بدر الحاج صوب التوثيق كتخليد لما لا يجب أن يُمحى، ويكتب ما يشبه الوصية في مقدمة الكتاب: «آمل أن يُسهم هذا العمل في تشجيع مزيدٍ من الأبحاث الأكاديمية.

فالتوثيق البصري عبر التصوير الفوتوغرافي يُعدّ ركيزةً أساسية للباحثين في تخصّصات متعدّدة، من العمارة والتاريخ السياسي إلى الدراسات الاجتماعية. واليوم، يبعث الألم في النفس ما نشهده من إهمالٍ للتراث المعماري في طرابلس— ولا سيّما في محيط ساحة التل، حيث تقف مبانٍ أنيقة على طراز الآرت ديكو مهجورةً، نوافذُها محطّمة وأسلاك الكهرباء تتدلّى من شرفاتها. تلك المباني نفسها كانت نابضةً بالحياة ومفعمةً بالحيوية حين زرتُ طرابلس للمرة الأولى في مطلع خمسينيات القرن الماضي».

خرائط التخييل: عاصمة الشمال كما تخيلتها أوروبا

سيكون ما أورده بدر الحاج في مقدمة الفصل الأول تنويهاً أساسياً لما سيأتي لاحقاً. ينطلق من فكرة ستكون تلخيصاً مكثفاً لهذا الفصل وربما للكتاب برمته. يكتب الآتي: «على مر القرون، أنتج عدد من الرسّامين والكتاب والمسافرين والمصورين خرائط وصوراً تمثيلية لطرابلس، غالباً ما ظهرت على شكل نقوش في الأطالس وكتب السفر. اعتمد رسامو الخرائط المبكرون على روايات المسافرين، وخطط الرحلات، ومعلومات التجار والمستكشفين، وكثير منهم لم يزر المدينة قط.

في المقابل، قدّم الجغرافيون العرب والمسلمون أوصافاً تفصيلية وحسابات تاريخية موسّعة، معتبرين طرابلس مركزاً مهماً للعلم الإسلامي، ولا سيما في عهد الفاطميين. أسهم جغرافيون بارزون أمثال المسعودي، والإدريسي، وياقوت الحموي، والمقدسي، وابن بطوطة بشكل كبير في توثيق المدينة جغرافياً. خلال فترة الصليبيين في طرابلس، أصبحت المدينة كياناً سياسياً وجغرافياً مهماً، درست بسبب موقعها الاستراتيجي على الساحل السوري وتضاريسها الفريدة».

يأخذنا الفصل الأول إلى زمن كانت فيه طرابلس ترسم قبل أن تُرى. لا يفتش بدر الحاج في الفصل الأول عن جغرافيا المدينة، بل في جغرافيّة المخيلة الأوروبية. نراه يقدم لنا مختارات من الخرائط والنقوش التي أنتجها رسامون وجغرافيون من هولندا وإيطاليا وفرنسا وإنكلترا، بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر. المدهش أنّ معظم هؤلاء لم يطأ أرض طرابلس قط. لقد اعتمدوا على روايات التجار والحجاج، وأحياناً على مجرد التخمين ليرسموا مدينة تقع على الساحل السوري، تارة بأسوارها وأبراجها، وطوراً ببساتينها وموانئها، فيما من زار منهم طرابلس، رسمها وفقاً لما رآه وما تخيله في آن.

يكشف الحاج إذاً عن شهوة أوروبية قديمة لتملك الشرق عبر تمثيله. من بيري ريس العثمانيّ الذي رسم سواحل طرابلس في كتاب «البحرية» (1525) بعين ملاح يبحث عن مرافئ آمنة، إلى أولفيرت دابر الهولندي الذي أهدى أوروبا صوراً للمدينة في موسوعته عن سوريا (1677)، وصولاً إلى لويس فرانسوا كاسا الذي رسم منظراً بانورامياً جميلاً من فوق المدينة (1799)... هذه الخرائط والرسوم، مع افتقارها إلى الدقة العلمية، تحمل قيمة سياسية: إنها تكشف كيف كان الغرب يتخيّل الشرق، وكيف كانت طرابلس حاضرة في مخيلته قبل أن تزورها الكاميرا.

الفصل الثاني: صيادو الظل... المصورون الأوائل


مع بزوغ الفوتوغرافيا، ننتقل في الفصل الثاني من التخييل إلى التسجيل. سيتبدّد وهج الخرائط واللوحات شيئاً فشيئاً لتحلّ محلها الصورة الفوتوغرافية، على أنّ الوهج الثقافيّ المقرون بالرسم والنقش والخرائط لن يتبدد كلياً. بعض الصور الفوتوغرافية ولو أنها حملت قيمة تاريخية واعتبرت وثائق، إلا أنها حافظت على الخيال الأوروبي أو انحيازه الثقافوي، فالكثير منها التقط لمعابد الدينية وللآثار الصليبية الموجودة في المدينة. طرابلس تقع شمال الطريق الرئيسي للحجاج والسياح المتجهين إلى الأراضي المقدسة، ولم تكن محطة أساسية، بل مجرد معبر إلى أرز الرب الذي تغنّى بها الكتاب المقدس.

يستعرض الحاج أبرز المصورين الذين زاروا طرابلس منذ 1844: التقط الفرنسي جوزيف فيليبير جيرو دي برانجي أول صورة للمدينة، ثم يتوقف عند أسماء أخرى: لوي دو كليرك الذي صور القلعة والأبراج في 1859-1860 بتكليف حكومي لتوثيق آثار الصليبيين، وفرانسيس بيدفورد الذي رافق الأمير ويلز في رحلته الشرقية وترك لنا صوراً للقلعة ولنهر أبو علي، ويأتي تانكريد دوما، الفرنسي-الإيطالي الذي أقام في بيروت وأعطى طرابلس اهتماماً كبيراً، إذ ترك أرشيفاً بصرياً غنياً بالتفاصيل.

لكن ما يميز هذا القسم هو التنبيه إلى «ما لم تصوره كاميرا» المحترفين، وما صورته كاميرا الهواة. يلفت الحاج إلى أن المصورين المحترفين ركزوا على المعالم الأثرية والدينية (القلعة، المساجد...) وهم بذلك لم يقوموا بقطيعة نهائية مع إرث طويل من «الذاتية» الأوروبية، وتجاهلوا الحياة اليومية، بينما قام الهواة، من مبشرين وسياح، بتصوير الناس والأسواق والحرف، تاركين لنا صوراً أكثر حميمية وألفةً. هؤلاء الهواة، كانوا أكثر قرباً من روح المدينة، وهم المادة الخام التي يركز عليها الحاج لتأريخ طرابلس، فلا أهداف أو نوايا استشراقية لديهم.


وفي هذا الفصل أيضاً، نعثر على دور المصورين المحليين، والمؤسسات البريدية في نشر الصور، ويتوقف الحاج عند ظاهرة البطاقات البريدية التي عمّمت صور طرابلس في أوروبا.

الفصل الثالث: غروب نهر أبو علي، تقهقر المدينة

يتحوّل بدر الحاج في هذا الفصل من المؤرخ إلى الراثي؛ من الباحث إلى الشاهد الحزين. يحمل القسم الثالث عنواناً درامياً: «تقهقر طرابلس» وفيه يتتبع العوامل التي حوّلت المدينة من متن تجاري وثقافي نابض ومزدهر إلى هامش مهمَل ومخروب.

يبدأ الفصل بوصف البستان المحيط بالمدينة الذي أبهر الرحال الفارسي ناصر خسرو في القرن الحادي عشر، وقد طُمس اليوم بالإسمنت، ثم ينتقل إلى الجرح الأعمق: فصل طرابلس عن محالها الحيوي، أي سوريا والعراق بعد إنشاء دولة لبنان الكبير عام 1920. تغدو الصور في هذا الفصل شواهد على جريمة جغرافية. المدينة التي كانت ميناء وجوهرة الساحل السوري، تجد نفسها معزولة.

يكشف الحاج عن شهوة أوروبية قديمة لتملك الشرق عبر تمثيله


إلى جانب الكوارث الجيوسياسية، يعرّج الحاج على الكوارث الطبيعية: فيضانات نهر أبو علي (خاصة في 1955) التي جرفت الأحياء والجسور ومحَت معالم عمرانية، تشكّل صور هذا الكتاب شاهدها الوحيد. لكن الأسوأ، كما يرى الحاج، هو ما فعلته السلطة السياسية: قرارات توسيع مجرى النهر التي دمرت ما تبقى، وإهمال السلطات اللبنانية المتعاقبة للمدينة، وهدم مسرح الإنجا (الذي كان تحفة معمارية) الذي بناه معماري إيطالي عام 1906 بأمر من حاكم المدينة، ليحل محله موقف سيارات، وهو المصير نفسه الذي لحق بساحة الشهداء في بيروت.

ما يميز هذا الفصل عن الباقي هو الصوت الشخصي الذي يعلو. يشهر الحاج نقده المقذع «للنخبة الطائفية الحاكمة» في بيروت التي «لطالما رأت نفسها متفوقة على سكان المناطق والأقضية التي ألحقت بلبنان الكبير». إنها لحظة نقد سياسي صريح، تجيء ممن يعتبر أنّ التراث ليس مجرد حجارة بل هو قضية وجود.

يزيد المشهد قتامة في الفقر المتفشي والعنف الطائفي المتزايد. الصور الجوية التي التقطها الطيارون الفرنسيون في العشرينيات والثلاثينيات تظهر مدينة متماسكةً، محاطة بالبساتين، تمتد نحو البحر، ومقارنتها بالواقع اليوم تكفي لإعلان ثورة.

الصورة كشهادة أخيرة

يتحقق ما وعد به العنوان الفرعي «رحلة مصوَّرة»، في الفصل الأخير حيث نجد عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية تعود إلى الفترة الممتدة من 1844 حتى 1950. تتوالى المشاهد تباعاً: الميناء، المباني، القلعة، نهر أبو علي بجسوره القديمة، المساجد والمدارس، ساحة التل بعربات تجرها البغال، والاحتفالات الرسمية أيام الانتداب الفرنسي.

كل صورة هنا هي شاهد على غياب. المباني التي تظهر واقفة مستقيمة نعرف أنها اندثرت أم أنها مهددة بالسقوط. الجسور التي تعبر النهر جرفها الفيضان، والساحة المزدحمة بالباعة والمتفرجين غدت اليوم موقف سيارات.

كتاب بدر الحاج هو فعل إنقاذ. إنه يجمع شتات صورة مدينة توزعت بين ألبومات سياحية، ومكتبات فرنسية، ومجموعات خاصة، ليعيد تركيبها في سردية واحدة. ليس مجرد كتاب فوتوغرافي للتصفح و«التذوق» بقدر ما هو تأريخ بديل. لعل أجمل ما فيه، وأكثره حزناً، هو أنه يذكرنا بأنه لم يتبقَّ من هذا التراث الحضري سوى هذه الصور.


بدر الحاج: النظام الحالي مسؤول عن خراب المدينة

يجيء كتاب بدر الحاج في توقيت يبدو قدرياً، متزامناً مع الفاجعة المكانية التي تشهدها طرابلس. حدث الأمر بالمصادفة. لم يكن في بال المؤرخ والباحث اللبناني أنّ مدينة طرابلس ستكون على أعقاب زلزال مدمر سيفتك بعمرانها أثناء اشتغاله على كتابه. لكن المصادفة هنا تكشف ما هو أعمق من كارثة طبيعية: تكشف تاريخاً طويلاً من الإهمال. في دردشة سريعة معه، يعيد الحاج تذكيرنا بأن النظام اللبناني الذي أهمل هذه المدينة العريقة مسؤول عن الخراب الحاصل. يتحدث عن الفصل الثالث من الكتاب، وهو الفصل الذي يحكي عن انسلاخ طرابلس من عمقها (الجغرافي) الطبيعي، حيث الصور الفوتوغرافية قرائن على التحولات التي عصفت بالمدينة. تكشف هذه الصور تراجع البناء «الأثري» لمصلحة «الحداثي»، نتيجة تدمير متدرّج وفقدان رؤية حافظة للذاكرة. وبدر الحاج الذي استعان باختصاصيين وبمهندسين معماريين يعرفون طرابلس، يخبرنا أنّ هناك حوالى 600 منزل ومبنى في طرابلس مهدد بالسقوط، على أنّ الكثير من هذه المباني تعود إلى الحقبة المملوكية. بدلاً من صقلها وترميمها وإدراجها في القائمة الأثرية، تهمل هذه العمارة وتترك رهينة البناء العشوائي والفوضى السائدة. هي مدينة أثرية لكن لا أحد يكترث لآثارها، ولا لتاريخها، ولا لسكانها، لكن كتاب بدر الحاج «طرابلس الشام: رحلة مصوّرة 1945-1844» يجيء مقاوماً لهذه اللامبالاة، وفعلاً ضد النسيان.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك