نظـرة الأعمى *
قليلون منا من يتلقّون زيارات. أما أنا، فلا أحد يزورني، لم يعد لي أحد يهتمّ بي، لا أهل ولا أصدقاء. الأشخاص الذين يرتدون الأردية البيضاء والذين كانوا يأتون ليقدّموا الرعاية لنا، كانوا يثيرون شفقتي.


ترجمة: محمد أسعد قانصو
قليلون منا من يتلقّون زيارات. أما أنا، فلا أحد يزورني، لم يعد لي أحد يهتمّ بي، لا أهل ولا أصدقاء. الأشخاص الذين يرتدون الأردية البيضاء والذين كانوا يأتون ليقدّموا الرعاية لنا، كانوا يثيرون شفقتي. ابتساماتهم المليئة بالأمل، لمساتهم المشجّعة، وكلماتهم المهدّئة كانت تبدو مزيفة. حتى وإن أظهروا قدراً من الهدوء أمامنا، كنا نشعر بأنهم مصدومون بعمق من هذا المشهد المليء باليأس والبؤس.
جميعهم كانوا متأثرين بعجزهم أمام هذا المرض الذي ينتصر كل يوم، فيأخذ إلى المقابر واحداً أو اثنين منا.
أحتفل بعيد ميلادي وأنا أتخيّل جميع الفتيات اللواتي يبلغن الآن الرابعة والعشرين من العمر، وهن يتمتعن بصحة جيدة، مبتسمات ومشرقات مثل الزهور المتفتحة، محاطات بالأصدقاء، مظللات بأجنحة الحماية الأسرية.
فتيات جميلات، سعيدات بنبض أجسادهن وقوة سحرهن، فتيات يتذوقن طعم الحياة ويطمحن إلى المستقبل. فتيات يُبرزن قوامهنّ الممتلئ في ملابس جميلة تجذب أنظار المعجبين بهن. فتيات جميلات في أفكارهن، شابات في أرواحهن. يرقصن على أهواء كل موسيقى العالم.
أتخيّل كل الفتيات الشابات، وأنظر إلى نفسي، «أوليماتا»، أنا «أولي»: لقد فقدتُ أكثر من خمسة وعشرين كيلوغراماً، ولم يبقَ سليماً سوى هيكلي العظمي. لم أعد أشعر بلحمي تحت جلدي. أصبحتُ كومة من العظام لا تستطيع بقايا عضلاتي أن تحرّكها إلا بصعوبة. أحياناً أبقى طوال اليوم على سريري في ذات الوضعية من دون أن أجد في نفسي القوة للنهوض.
منذ زمنٍ طويل لم أعد أجرؤ على النظر إلى نفسي؛ فمجرّد رؤية الآخرين كانت كافية كي أكوّن فكرة عن حالتي.
لم أعد أتجنّب النظر إليّ فحسب، بل أيضاً أتجنّب وضع كفيّ الذابلتين على جلدي الذي تعلوه بقع تزداد اتساعاً يوماً بعد يوم.
أصبحتُ غلافاً فارغاً من محتواه، قشرة فول سوداني. أشعر أنني فارغة، ليس لأنني فقدتُ الشهية أو أنني أتقيأ كل ما أتناوله، بل لأنني لم أعد أشعر بتلك الشعلة، تلك القوة، تلك الرغبة في الحياة والإيمان بها.
رائحة قوية من الْإِيْثِرِ الْإِيْثِيلِيِّ [مرَّكب عضوي يُستخدَم كمخدّر في العمليات الجراحية] ممزوجة بروائح أخرى معروفة جداً تملأ الممر. الأغطية المتسخة التي تستلقي عليها هذه الأجساد المحتضرة تتدلى بعدم تناسق يخفي بالكاد الأحواض الصحية الموضوعة تحت كل سرير.
النظافة هنا شبه مستحيلة، رغم التنظيف اليومي والتعقيم المنتظم؛ فالمرضى الذين لم يعودوا قادرين على التحكّم في أجسادهم لا يهتمّون كثيراً بملاءة متسخة أو بملابس ملطخة بالقذارة.
الكرامة، الكبرياء، وجميع تلك الكلمات التي تميّز الإنسان عن الحيوان، تتلاشى وتختفي مع تقدّم المرض. الزوار النادرون، ومن بينهم الطاقم الطبي، الذين يأتون لرؤيتنا، ليسوا سوى غرباء بالنسبة إلينا. إنهم غرباء عن مآسينا، وعن معاناتنا وأحزاننا اليومية.
كل واحد منا، في غرف الاستشفاء هذه، له تجربته الخاصة والشخصية تماماً، فلا أحد يسعى إلى أن يشبه الآخر.
الرابطان الوحيدان اللذان يجمعاننا هما: السيدا والعزلة.
كل واحد منا يشعر بالوحدة، وحدة مفجعة، في جسده وفي روحه، تماماً مثل ذلك الطفل ذي الثمانية أعوام الجالس إلى جواري، واسمه «سِيدي».
فتى صغير جميل، أُدخل المستشفى تقريباً في الوقت الذي أدخلت فيه، وذلك بعد وفاة والدته في الغرفة ذاتها.
وُلِدَ سِيدي من أم مصابة بالسيدا، من دون أن يعرف السبب، وسيموت بالسيدا، من دون أن يعرف السبب...
هذا الطفل يثير الدهشة لأنه يبتسم دائماً، حتى عندما ينام؛ يتحول ابتسامه إلى تعبير مضحك يجعله لطيفاً جداً ويحفر في وجنتيه اثنين من الأعشاش الصغيرة.
منذ اليوم الأول، جلس إلى جواري على سريره، وأراني صورة التُقِطَتْ له مع زملائه في الصف الرابع الابتدائي.
أشار بإصبعه إلى طفل جميل الملامح، مفعم بالحيوية، بالكاد استطعتُ أن أتعرّف إليه، لشدّة ما كان يختلف عن «سِيدي» الذي يجلس بجانبي.
كان كثيراً ما يُخرج الصورة، ويتأمّلها طويلاً وهو يصف لي زملاءه واحداً تلو الآخر، ثمّ يعيدها إلى ظرف صغير، ويخبّئها بعناية تحت وسادته.
قبل أسبوعٍ واحد من امتحان القبول في الصف السادس، قرّر المدير ومجلس المعلمين — بعد الاطلاع على حالته الصحية — فصله من المدرسة. بالنسبة إليهم ليس من الحكمة المخاطرة بإبقائه بين التلاميذ. وبمساعدة الجهل والخوف من المجهول، أصبح سِيدي معزولاً تماماً.
في تلك المدة كانت والدته تقضي أيامها الأخيرة في المستشفى، أما والده، الذي ليس له من الأبناء سواه، فلم يكن — لا يعرف بأي معجزة — مصاباً. ولم يخبر أحداً قطّ بأن زوجته وابنه مصابان بالسيدا. كان يتلوى في أكاذيب هائلة ليخفي خجله وبؤسه. وبعد وفاة زوجته بأيام قليلة، اضطرّ سِيدي، ابنه الوحيد، إلى دخول المستشفى، إذ شهد مرضه حينها تطوّرات مقلقة.
بعد أن توقّف عن الذهاب إلى المدرسة، ولم يعد له رفاق في اللعب، وعزله والده في الحجر الصحي، مبتعداً عنه جهلاً وخوفاً، أصبح سِيدي وحيداً، منفياً في روحه وجسمه.
تلك الوحدة التي تحطم دفاعات الحياة، وتترك المجال مفتوحاً للمرض، ليغوص بك — بلا مقاومة — نحو أعماق الموت المظلمة.
وصول سِيدي إلى المستشفى لم يغير كثيراً من تطوّر مرضه. مع السيدا، لا يكون الوقت مبكراً ولا متأخراً؛ فقد يُقضى عليك في أي لحظة.
الطفل، على عكس الآخرين، بدا وكأنه يشعر بالراحة بين المرضى؛ صحيح أنه كان نادراً ما يرى والده الذي دائماً ما تجنّب المجيء إلى هذا الممرّ مثل كثيرين غيره، لكن مجرد حديثه معي، ومع الآخرين من المرضى مثله، كان بمنزلة دعم عاطفي له.
كان ابتسام سِيدي محيّراً، وغالباً ما كنتُ، حين تحنقني المعاناة، أستدير لأتجنّب النظر إلى سريره، هرباً من ذلك الوجه الملائكي وتلك العينين الواسعتين اللتين كانتا تهمسان لي بصمت: «تماسكي».
سِيدي مريض، هذا صحيح، لكنه بيننا يشبه نقطة مضيئة في عتمة وجودنا. كنت أقول في نفسي دائماً: إن كان يبتسم وسط المعاناة والإهمال، فذلك لأنّه ليس مثلنا.
ليس لسِيدي ماضٍ، أو لعل ماضيه ليس ثقيلاً ولا محمّلاً مثل ماضينا. إنه كائن خارج التاريخ، بلا ذكريات؛ حياته هي الحاضر، هي صورته.
ولكي لا تتحوّل صورته إلى ذكرى من الماضي، يبقى زملاؤه في الصفّ ثابتين في حاضره.
ليس له عدوٌ ولا أمل. بلا تاريخ، بلا ماضٍ، لا يتخيّل مستقبلاً.
هو يعيش، ولا يعرف لماذا. هو مريض، ولا يعرف لماذا. لذلك يتقبّل معاناته ويتحدّى الموت بابتسامة.
أمّا نحن، الكبار في هذا الممر المظلم، فنعيش على الماضي، على التاريخ، على الظلال والذكريات.
هذا الغذاء يضاعف معاناتنا ويشكّل حجاباً معتماً على حاضرنا. وأسوأ من كل الأدوية التي تُعطى لنا لتأخير موتنا، أنّ هذا الماضي، وهذا التاريخ، وهذه الظلال، وتلك الذكريات — الأكثر حيوية من لحظتنا الراهنة — تستهلك أرواحنا.
العالم من حولنا يتشوّه بأفكارنا. نوع من كيمياء الروح تحلل محيطنا وتمنحه مضموناً آخر، بنغمة تختلف عن نغمة الواقع «الحقيقي».
في كلّ مرة كنتُ ألتفتُ فيها لكي لا أرى وجه سِيدي المبتسم، كنتُ أقع على وجه ذلك الرجل الجالس بجانبي، بنظرته الثابتة والفارغة، غير مكترثٍ بمعاناته ولا بمعاناة الآخرين؛ جسد لا يتحرك إلا بمساعدة شخص آخر، كان هذا الرجل الخاضع لوطأة الخرف المصاحب لمرضه ثرياً جداً. لديه ثلاث زوجات وعائلة كبيرة.
في بداية مرضه، سافر إلى أوروبا لتلقّي العلاج، كما كان يفعل دائماً، حتى لأبسط الأسباب كأوجاع أسنانه.
انتقل إلى مصحّة خاصّة هناك لأنه كان يملك الكثير من المال، لكن حين بدأت تظهر عليه مشكلات عصبية في مرحلة لاحقة، وتبيّنت إصابته بالسيدا، أُعيد إلى الوطن، وأُدخِل المستشفى بهدوء، من دون ضجّة أو إعلان.
في البداية، كانت زوجاته الثلاث يزرنه بالتناوب، وهنّ في أبهى حلّة وكأنهنّ ذاهبات إلى حفلة، وقد اتفقن على إبقاء مرضه سرّاً لأنه كان عاراً على العائلة. كان الأبناء وسائر أفراد العائلة يجهلون حقيقة مرضه، ويعتقدون أن الرجل، كعادته، في إحدى المصحات الأوروبية.
رتّبت الزوجات الثلاث كلّ شيء وفقَ أهوائهنّ، وبينما كنّ ينتظرن الموت الوشيك لزوجهنّ، شرعنَ فعلاً في تبديد ثروته. لم يُبدينَ كبيرَ اهتمامٍ بالرجل المريض الذي، وقد غدا لا مبالياً بأي شيء، كان يحتاج إليهنّ على الأقل ليقضي أيامه الأخيرة.
زوجاته — اللواتي كنّ قد أقسمن له بالوفاء في السرّاء والضرّاء — لم يعدن يرغبن حتى في رؤيته، وانتهى بهنّ الأمر إلى زيارته في المستشفى مكرَهات، وبأقلّ قدرٍ ممكن.
في الواقع، الجميع، شَأْنَهُنَّ، يتجنبوننا. رغم توصيات المتخصصين، ومن المؤتمرات المتكرّرة، ومن كل ما يُنشر حول طرق انتقال العدوى، يظل الناس يفرّون منا كما لو كان مجرد اقترابهم منا كافياً ليصيبهم بالسيدا. ممرّنا هو الأقل ارتياداً في المستشفى، ونادراً ما يتلقّى النزلاء فيه زيارةً من أحد.
الجميع يخاف من الموت المُتَرَصِّد في مكانٍ ما بهذا الممرّ، لكن السبب الرئيسي لهذا النفور هو إما أن المريض يخفي مرضه عن عائلته، أو أن العائلة نفسها تخفي مريضها. لم يسبّب أي مرض من قبل هذا القدر من العار واليأس وسوء الفهم داخل العائلات.
ما كان يقوله لي والدي كثيراً بدأ يتحقق: «صحيح أنه قبل الموت تنفتح حياتك أمامك مثل كتاب، وتكون الصفحات واضحة جداً، حتى تشعر أنك تعيش أدق تفاصيل وجودك بشكل كامل».
لقد عشت حياة مليئة بالتقلّبات؛ دخلتُ السجن، تمّت استضافتي في المستشفى مرتين. بعتُ أنوثتي «للراشدين» لأضمن بقائي، تسوّلت، نمت في الشارع مع المشردين، وتعرضت للجرب، والقمل، والبراغيث، والتهاب الملتحِمة، والالتهابات المعوية، وأمراض أخرى لا أستطيع ذكرها... والآن، أُصِبتُ بالسيدا.
اطمئنوا، لقد تعلّمت كل شيء عن هذا المرض، ومرضي ليس «نظيفاً» مثل كل هؤلاء النجوم والشخصيات الذي يعلنون عبر الصحافة أنهم أصيبوا بالسيدا عن طريق نقل الدم أو أي وسيلة انتقال أخرى مشكوك فيها إلى حدّ ما.
السيدا، فيما يخصُّني، هي سيدا الفقراء، أولئك الناس الذين لا صوت لهم، الذين انتقل إليهم المرض في أماكن موبوءة على يد شخص دنيء من بين كثيرين، بعيداً من كل اعتبار أخلاقي أو صحي.
أحاول كل يوم أن أتذكّر أدقّ تفاصيل حياتي لأعرف متى بدأت إصابتي بالفيروس. لا أعرف ذلك... لأن حياتي كانت صراعاً دائماً، وكنتُ دائماً الخاسرة الأبدية.
* الفصل الأول من رواية للكاتب السنغالي مامادو سامب، بالعنوانِ ذاتِه؛ حازت «الجائزة الكبرى لطلاب المدارس الثانوية» في السنغال، وصدرت حديثاً عن «دار البيان العربي للثقافة والنشر» في بيروت. يقيمُ الكاتب حالياً في العاصمة داكار، مكرِّساً حياتَه للكتابة بشكل مستقِلٍّ، بعدما تقلَّد مناصب رسمية في وزارتي التربية ثمَّ شؤون المرأة والأسرة والطفولة.
