طارق علي: «مرض عصبيّ» اسمه الرأسمالية
بين تشخيص الرأسمالية كمرض عصبي ومراجعة إخفاقات التجارب الاشتراكية، يعيد طارق علي طرح «فكرة الشيوعية» كضرورة لإنقاذ المستقبل.


بين تشخيص الرأسمالية كمرض عصبي ومراجعة إخفاقات التجارب الاشتراكية، يعيد طارق علي طرح «فكرة الشيوعية» كضرورة لإنقاذ المستقبل. يحلل الكتاب أزمة 2008 المالية ليكشف زيف استقرار السوق، داعياً إلى نظام يكسر احتكار البيروقراطية ويجمع بين العدالة الاقتصادية والديموقراطية الجذرية، كبرنامج إنقاذ بشري يتحدى يأس المنظومة الراهنة
يبدأ طارق علي كتابه «فكرة الشيوعية» (2009) الذي انتقل أخيراً إلى المكتبة العربية عبر «منشورات تكوين)، بتوصيف صادم ولافت للمشهد العالمي الراهن، فالرأسمالية التي احتفلت بنصرها «النهائي» بعد سقوط جدار برلين عام 1989، لم تعد تبدو ذلك النظام الواثق من نفسه. بدلاً من ذلك، يرى علي أنها أصبحت أقرب إلى «مرض عصبي» ينتج أيديولوجيات مهتزة لمحاولة إقناع العالم بأنّ الفقراء سيبقون فقراء إلى الأبد. يأتي هذا الكتاب، الذي يحلل الأزمة المالية لعام 2008 وتداعياتها، ليُعيد طرح السؤال الذي ظن كثيرون أنه دُفن: هل لا تزال «الشيوعية» صالحة كبديل؟
من هيغل إلى ماركس
يقوم طارق علي برحلة تنقيب في تاريخ الأفكار، معيداً شرح أن الشيوعية لم تكن مجرد نتاج مصادفة، بل استجابة ضرورية لـ«عبودية الأجر» التي فرضتها الرأسمالية الصناعية. يعود المؤلف إلى التناقض الهيغلي. بينما رأى هيغل أنّ التاريخ وصل إلى نهايته في الدولة البروسية، جاء «الهيغليّون الشباب» ليقلبوا هذه الطاولة، ومن أبرزهم كارل ماركس.
يوضح علي كيف استلهم ماركس من فيورباخ فكرة أنّ «الكون هو الذي يحدد الوعي» وليس العكس، ليطوّر ما عرف بنظرية «المادية التاريخية». هذه الرؤية لم تكن مجرد ترف فكري، بل كانت نظاماً تشريحياً لفهم آليات عمل المجتمعات. يشدد علي على أنّ قيمة المادية التاريخية تكمن في قدرتها المستمرة على التأثير في الدراسات النسوية وحركات السود والبيئة والتحرر، طالما أنّ هذا الكوكب باقٍ.
بين النظرية والواقع الطبقي
من النقاط الجوهرية التي يثيرها علي هي تبسيط التوقعات في البيان الشيوعي. بينما توقع ماركس وأنجلز انقساماً طبقياً حاداً وبسيطاً (عمّال ضد رأسماليين)، أثبت الواقع التاريخي تعقيداً أكبر. يشير المؤلف إلى أنّ الرأسمالية وسّعت معاقلها من دون تقليص البنى الطبقية القديمة كلياً، فظهرت انقسامات داخل البروليتاريا نفسها، عرقيةً، دينيةً، ولغويةً، وجيوش احتياط من العاطلين.
هذا التعقيد هو ما جعل السياسة والبرنامج الحزبي ضرورةً، وليس مجرد انتظار عفوي للثورة. وهنا يكمن المطب التاريخي، فقد تحولت هذه السياسة في كثير من الأحيان إلى بيروقراطية خانقة في النماذج اللاحقة.
مأساة النموذج السوفياتي
يحلل طارق علي الأزمة التي واجهت الثورات الشيوعية في القرن العشرين. المعضلة الكبرى كانت بحدوث الثورات في بلدان «متخلفة» رأسمالياً، وتحديداً روسيا وثورتها عام 1917 والصين في ثورتها عام 1949، بدلاً من الدول الصناعية المتقدمة. تصوّر ماركس الاشتراكية كابنة لـ «اقتصاد الوفرة»، لكن الواقع فرضها في بيئات تعاني من «الندرة».
الفرج لن يأتي إلا عبر نظام يجمع بين العدالة الاقتصادية والحرية السياسية
هذه الندرة، بحسب علي، هي التي ولدت البيروقراطية الستالينية. ويفرق المؤلف بوضوح بين عظمة الإنجاز في حقبة ستالين، مثل انتصارات الجيش الأحمر في «كورسك» و«ستالينغراد» ولاحقاً الحرب العالمية الثانية، «التي حمت الحضارة الإنسانية من النازية»، وبين انحطاط الممارسة المتمثل في «الغولاغ»، وتصفية الكوادر الثورية، وتحويل الأحزاب الشيوعية العالمية إلى مجرد «حراس حدود» للمصالح السوفياتية.
الخديعة الكبرى
يوضح علي في تحليله كيف استفادت الطبقات الحاكمة في الغرب من جرائم الستالينية لتشويه المشروع الاشتراكي برمته. لقد قُدمت الستالينية على أنها «المرحلة الأولى» الضرورية نحو الشيوعية، وهو ما ساعد في مسخ الفكرة الأصلية.
ينتقد المؤلف بشدة نماذج مثل رئيس وزراء كمبوديا وقائد الخمير الحمر بول بوت، ورئيس كوريا الشمالية كيم إيل سونغ، واصفاً إياها بـ «المحاكاة الساخرة» و«القصور السياسي». ويؤكد على أنّ تلك الفظائع لم تكن ضرورية للحفاظ على مكتسبات الثورات، بل كانت نتيجة لغياب الديموقراطية الاشتراكية.
نماذج المقاومة: تيتو، ماو، وكاسترو
في مراجعته للنماذج الآسيوية واللاتينية، يطرح علي أسئلة جوهرية: هل الدعم الشعبي هو ما أبقى فيديل كاسترو في السلطة رغم الحصار الأميركي؟ الإجابة لديه هي «نعم». خلافاً للأنظمة المفروضة بجيوش أجنبية، امتلكت الثورات في الصين، وفيتنام، وكوبا جذوراً شعبية حقيقية. ومع ذلك، يرى أن نقطة ضعف هذه الحكومات ظلت في فشلها في إضفاء الطابع المؤسسي على المشاركة الجماهيرية الحقيقية، مكتفيةً بنموذج الحزب الواحد الذي يكرس احتكار الحقيقة والقوة.
لا يكتفي طارق علي بالنقد التاريخي، بل يستشرف المستقبل. يرى أن الفرج لن يأتي إلا بتجربة تثبت عكس التصور السائد، عبر نظام يجمع بين العدالة الاقتصادية والحرية السياسية. ويقول في كتابه:«سيتعين على سكان الشرق والغرب أن يشهدوا بأنفسهم نظاماً يجمع بين الاشتراكية والديموقراطية، نظاماً يمارس ويعزز التعددية السياسية، وحرية التعبير، والحرية الثقافية». ويؤكد علي أنّ العالم الرأسمالي اليوم، في مفارقة ساخرة، بدأ ينجذب لـ«النموذج الاستبدادي المركزي في الإنتاج» وهو النموذج الصيني الحالي، وهو ما يهدّد إرادة السكان وحرياتهم. لذا، فإن البديل المطلوب هو «ديموقراطية سياسية جذرية» تتحدى أولويات رأس المال.
محكومون بالأمل
لا تنبع أهمية طروحات طارق علي في «فكرة الشيوعية» من مجرد محاولة استعادة حلم قديم، بل من تقاطعها البنيوي مع التشريح الاقتصادي الذي قدمه وزير المالية اليونامي يانيس فاروفاكيس في كتابه «المينوتور العالمي». عندما يصف علي الرأسمالية بأنها «مرض عصبي» فقد قدرته على تقديم الوعود، فإنه يضع إصبعاً فلسفياً على الجرح الذي شخصه فاروفاكيس تقنياً، إذ يمثل عام 2008 اللحظة التي «جُرح فيها الوحش» (المينوتور)، حيث انكسرت الآلية التي كانت تضمن استقرار الاقتصاد العالمي عبر ضخ الثروات كقرابين للعجز الأميركي ووول ستريت.
يتكامل تحليلهما في نهاية «أساطير الاستقرار»، إذ يثبت الكاتبان أنّ انهيار 2008 لم يكن «وعكة» عابرة، بل إعلان عن نهاية حقبة السيطرة الواثقة. فما يصفه فاروفاكيس بـ «توقف تدوير الفائض» هو ذاته ما يراه علي «تآكلاً في الشرعية الأيديولوجية»، حيث لم تعد الرأسمالية قادرة على تبرير استغلال القلة للكثرة إلا عبر خلق حالة من اليأس المنظم والادعاء بأنّ «لا بديل»، وهو ما يفسر استمراريتها رغم بؤسها الظاهر.
كما إنّ استدعاء علي لنقد تروتسكي للنماذج الستالينية يتقاطع جوهرياً مع نزعة فاروفاكيس نحو «الديموقراطية الراديكالية». كلاهما يرفض استبدال «وحش السوق» بـ«وحش الدولة البيروقراطية». المخرج الحقيقي، في نظرهما، ليس في العودة إلى الوراء، بل في صياغة نظام يزاوج بين العدالة الاجتماعية والديموقراطية الجذرية. نظام لا يصادر الحرية بل يجعلها الأوكسجين الضروري لنجاح أي عملية إنتاجية تخدم المجتمع.
من هنا، تتحول «فكرة الشيوعية» من خيار سياسي إلى برنامج إنقاذ عالمي. في ظل الرأسمالية التي تحولت إلى «وحش جريح» يستنزف موارد الكوكب لإطالة أمد بقائه، يصبح «التخطيط العالمي» القائم على الاحتياجات الإنسانية لا مجرد رغبة ثورية، بل ضرورة لضمان استمرار الحياة البشرية نفسها. إنها الرحلة الحتمية من «مملكة الضرورة» التي تفرضها السوق والبيروقراطية، إلى «مملكة الحرية» التي تنشدها الشعوب.
