حامد عبد الصمد: كلّنا شركاء في خراب الكوكب
لم يذكر الكتاب المقدَّس «الخطايا السبع» بشكل صريح، لكن في ملحمته الشعريّة «الكوميديا الإلهية» ذات الطابع الروحي والفلسفي، فإن دانتي فعل.


لم يذكر الكتاب المقدَّس «الخطايا السبع» بشكل صريح، لكن في ملحمته الشعريّة «الكوميديا الإلهية» ذات الطابع الروحي والفلسفي، فإن دانتي فعل. وفي روايته «مصنع السحاب» (دار المحروسة ـ 2026)، يبتكر الروائي والباحث حامد عبد الصمد «اللعنات السبع» من دون أن يذكرها صراحة في السرد. وعلى أساسها يبني روايته ذات الطابع ليس فقط الروحي والفلسفي، بل النفسي والاجتماعي أيضاً. رواية تضع القارئ في مكاشفة مع ذاته، وتُجلسه على كرسي الاعتراف، وتلحُّ عليه بأسئلة وجودية، كأنَّها، كما «الكوميديا الإلهية»: جحيم، ومطهر، وجنة.
عبر «زجاجة كلاين» التي ظهرت على غلاف الرواية، وفي حوار فلسفي عميق جرى مرَّة بين الأستاذ الجامعي «إيسامو» وحبيبته المُنتحرة الأستاذة الجامعية في الفلسفة أيضاً «كاتارينا»؛ ومرة ثانية بين القاتل «إيسامو» الذي نقل اختصاصه من الفلسفة إلى القتل الرحيم، والراهبة «هاناكو» التي عاشت منذ مولدها في ميتم ثم جاءت في عقدها الأربعين إلى «مصنع السحاب» لتحصل على خدمة الموت الرحيم، بعدما حملت طوال حياتها لعنة «العبودية العاطفية»؛ تكتشف كقارئ أنَّك أنت وحدك وفي الوقت نفسه: جحيمك، ومطهرك، وجنتك، وأنَّك، كما زجاجة كلاين، التي تجمع بين الداخل والخارج في سطح واحد متصل، فراغٌ مزدوج يتكوَّر فوق ذاته ليحمي نفسه من فراغ أوسع وأبشع.
كان يُفترض أن يحتفي الكاتب والقرَّاء برواية «مصنع السحاب» خلال «معرض القاهرة الدولي للكتاب» الأخير، لكن المفاجأة كانت بسحب الرواية ومنع مشاركتها بحجة احتوائها على أفكار «تروّج للإلحاد». وهو ما اعتبرته الجهات المعنية مخالفاً للضوابط المنظمة للمشاركة في المعرض. هذا ما دفع الكاتب إلى طرح روايته على «أمازون»، إضافة إلى رابط تحميل مجاني على «غوغل درايف». وبعد أقل من ثماني وأربعين ساعة، كتب على صفحته الشخصية على فايسبوك: «شكراً حضرة الض
ابط وفضيلة الشيخ اللي منعوا رواية مصنع السحاب في مصر. الرواية الآن رقم 1 مبيعاً على أمازون، رغم إني طرحتها بالمجان على غوغل. تحياتي، حامد عبد الصمد، من القرن الحادي والعشرين، وحضراتكم عاملين إيه في الستينات عندكم؟».
نحاوره اليوم حول منع الرواية وأبعادها النفسية والفلسفية
■ مسرح الرواية الأساسي في جزيرة نائية في اليابان، وتظهر فيها أيضاً مسارح ثانوية (ميتم، دير، أروقة الفلسفة والحب أيام دراسة «إيسامو» في ألمانيا)، وليس فيها سياق سياسي أو إسلامي يهدِّد لا سلطات سياسية ولا أخرى دينية. هل تعتقد أنَّ مَن منعها قد قرأها؟ أو إن قرأها، فهل فهم سياقها؟ أم أنّ هناك أسباباً غير مباشرة للمنع؟
ـــ اخترت جزيرة نائية في بلد بعيد كمسرح للأحداث، سعياً إلى خلق مسافة جمالية وفكرية تفصل النص عن السياق الجغرافي والثقافي المباشر، كي يتركَّز الانتباه على الفكرة والتجربة الإنسانية المشتركة التي تجمع كل البشر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأسئلة الحياة والموت والمعنى. أردت للقارئ أن يدخل الرواية بوصفها تأملاً إنسانياً عاماً، لا تحليلاً لواقع ما في مكان ما.
أما إذا ما كانت الجهات التي منعتها قد قرأتها فعلاً أو فهمتها إن قرأتها، فلا أملك جواباً قاطعاً. ما أميل إليه هو أنّ المنع لم يكن موجَّهاً إلى الكتاب بقدر ما كان موجَّهاً إليَّ شخصياً. لقد جاء في سياق عقابي واضح، بعدما وجَّهت رسالة علنية إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي أطالبه فيها بالكشف عن مصير الشاب شريف جابر الذي كان مختفياً قسرياً لأكثر من شهرين عقب إلقاء القبض عليه من جهات أمنية.
وقد استجابت الدولة بالفعل لتلك الرسالة: ظهر شريف جابر وعُرض على النيابة وسُمح له بتوكيل محام. لكن ما حدث لاحقاً هو أنّ جهات أمنية أخرى قرَّرت معاقبتي على هذا التدخل.
لكن كان لا بدّ من ذريعة، فجاء وسم الرواية بأنها «تروِّج للإلحاد»، وهو اتهام لا يصمد أمام أيّ قراءة نزيهة للنص. فالرواية لا تروّج لعقيدة ولا تناصر موقفاً مناهضاً لأي عقيدة، بل تضع القارئ أمام معضلة الوجود الإنساني، وتدعوه إلى التفكير في معنى الحياة والموت، وإلى التعاطف مع الذين يسحقهم اليأس أو تطحنهم الأسئلة الوجودية الثقيلة. وإن كانت للرواية رسالة واحدة، فهي الدفاع عن حق الإنسان في التفكير والشك والبحث عن معنى لحياته خارج الوصفات الجاهزة.
■ تظهر فكرة اللعنة التي تقوِّض حياتنا، ويموت أكثر الناس من دون أن يستطيعوا التحرُّر منها، كثيمة أساسية في الرواية. حدّثنا عن لعنات الرواية السبع؟
- تظهر «اللعنة» في الرواية بوصفها جرحاً داخليَّاً يتحوَّل ببطء إلى أسلوب حياة، ثم إلى قدر يألفه الإنسان ويعانقه بدلاً من أن يواجهه أو يفرّ منه.
يكاد لا يوجد شخص في النص إلا وقد هرب من لعنة ما، ليقع – من حيث لا يدري – في قبضة لعنة أخرى أشد قسوةً. هناك الراهبة التي حاولت الهروب من اليُتم والتهميش، فظنّت أنَّها وجدت الخلاص في الدير، لتسقط في براثن قس يستعبدها عاطفيّاً ويعيد إنتاج هشاشتها القديمة في صورة أكثر قداسة وخداعاً. وهناك الطالبة التي هربت من الخوف المزمن الذي يسكنها إلى الكحول، ثم من الكحول إلى طلب الموت الرحيم. وهناك من يهرب من قسوة الأب وسطوته، ليكتشف في النهاية أنَّه صار نسخة طبق الأصل عنه، يورث القسوة نفسها التي أقسم يوماً أن يحطّم دائرتها. وهناك من يهرب من أمٍّ غائبة، فينتهي به الأمر إلى حياة غائبة تماماً، تتلاشى فيها الملامح والمعاني والعلاقات.
من هنا تتشكّل لعنات الرواية السبع: لعنة اليُتم، لعنة الخوف، لعنة العزلة، لعنة الكراهية، لعنة الأب القاسي والأم الغائبة، لعنة العنف، لعنة دور الضحية، وأخيراً: لعنة الصمت في وجه الظلم والانتهاك.
■ هل «الصمت» أقسى اللعنات؟
- نعم، الصمت أقسى اللعنات، لأنَّه لا يكتفي بأن يكون عَرَضاً للألم، بل يتحوَّل إلى موطنه الدائم. هو اللحظة التي يوقِّع فيها الإنسان في أعماقه على استسلام غير معلن. لا يصرخ، لا يحتج، لا يواجه وينكمش داخليَّاً تاركاً للعجز والخزي أن يتخذا شكل فضيلتين زائفتين: الاحتمال والحكمة.
في الرواية، تتعدَّد الأسباب التي دفعت الشخصيات إلى المصنع، وتختلف الحكايات والوجوه، لكن ما يجمعها في العمق هو ذلك الصمت الطويل الذي رافق الانتهاك، وطبَّع مع الإهانة، وجعل الظلم جزءاً من المشهد اليومي. لم يكن الخراب ثمرة صدمة واحدة كبرى بقدر ما كان نتيجة تراكمات بطيئة: صمت صغير فوق صمت أصغر، تنازل غير منطوق يتبعه آخر يتحوَّل إلى تواطؤ مع المعتدي بل وتماهٍ معه، إلى أن يصبح الصمت اللغة الوحيدة المتاحة للتعامل مع الألم والدرع الوحيد في مواجهة عالم لا يُصغي.
الصمت أقسى اللعنات لأنه عمل تدميري بامتياز. ولهذا يشبِّهه مدير المصنع في نهاية الرواية بالقنابل العنقودية: تنفجر أوَّلاً في الداخل، بصوت مكتوم لا يسمعه أحد، ثم تنشطر إلى شظايا دقيقة تواصل عملها التخريبي على مهل.
■ «الذهان، اضطراب ما بعد الصدمة المعقد، الاكتئاب الحاد، ثنائي القطب، الاضطراب التكيُّفي، اضطراب الهوية» وغيرها من الأمراض والاضطرابات النفسية التي ظهرت كثيمة أساسية أخرى في الرواية، وقادت مختلف الشخصيات إلى توقيع عقد الموت الرحيم والمضي إلى «مصنع الانتحار». كم احتجت من القراءة في علم النفس للوصول إلى توصيف دقيق للشخصيات بما ينسجم مع كل مرض نفسي وما يترافق معه من آليات دفاعية ذاتية (الشراهة في الطعام، وسواس النظافة، تحوُّل الضحية إلى جلّاد، الانطوائية، الإنكار والتبرير، الصمت... وغيرها)؟
- لم أصل إلى هذه الشخصيات عبر القراءة وحدها، ولا عبر التصنيفات الجاهزة للاضطرابات النفسية. شغفي بعلم النفس بدأ باكراً، منذ المراهقة، وتعمَّق مع السنوات، لكن الأهم كان ميلي الفطري إلى مراقبة البشر ببطء ومحاولة فهم تناقضاتهم وما يختفي خلف أفعالهم لا ما يظهر على السطح.
إلى جانب الكتب، مررت بتجربة العلاج النفسي، وشاركت في جلسات علاج جماعي، حيث يتقاطع الألم وتتكشَّف آليات الدفاع: شراهة تُخفي فراغاً، نظافة قهرية تُموِّه فوضى داخلية، ضحية تتعلَّم لغة الجلاد، وصمت يتستّر على خزي... منحتني هذه التجارب معرفة حيَّة غير أكاديمية وسمحت لشخصيات روايتي أن تُبنى من الداخل، لا كحالات مرضية.
لهذا جاءت الاضطرابات النفسية في الرواية كمسارات وجودية أكثر منها تشخيصات سريرية. وجوه مختلفة للألم نفسه، حين يعجز الإنسان عن الاحتمال، فيبحث عن الخلاص، ولو في صيغة عقد مع الموت.
■ هل تعتقد أنّنا نحتاج اليوم إلى علم النفس وعلم الاجتماع أكثر من حاجتنا إلى الأدب والفلسفة وحتى التكنولوجيا، لكي ننجو؟
- لا أؤمن بمنطق المفاضلة بين المعارف، كأنَّ الخلاص يقيم في علم واحد دون سواه. الإنسان كائن معقَّد، وأزمته اليوم معقَّدة بدورها، ولهذا لا يُنقذه علم النفس وحده، ولا علم الاجتماع، ولا الأدب، ولا الفلسفة، ولا التكنولوجيا، إذا ما عُزل كلٌّ عن الآخر.
التشوُّه والنقص ليسا خطأً في الوجود... هما محرِّكاه الأكثر عمقاً
والأدب الجيد مساحة تلتقي فيها هذه الحقول جميعاً: يفكِّك النفس كما يفعل علم النفس، يقرأ البنى والعلاقات كما يفعل علم الاجتماع، ويطرح الأسئلة الكبرى التي تنشغل بها الفلسفة... وليس من قبيل المصادفة أن تشكِّل روايات دوستويفسكي إحدى البوابات المبكِّرة لعلم النفس الحديث، وأن يستلهم منها سيغموند فرويد أنماطاً نفسية أساسية. النجاة، في النهاية، لا تأتي من علم بعينه، وإنَّما من قدرتنا على وصل هذه المعارف، وردِّها إلى سؤال الإنسان نفسه.
■ تمثِّل قصة «ياماموتو» استعارة عن أزمة الإنسان في مواجهة الآلة، ويجسِّد فيها دور ضحية التقدم التكنولوجي والرأسمالية المتوحشة. هل تعتقد أنَّ الذكاء الاصطناعي والروبوتات ستقود آلاف البشر إلى الانتحار؟
- لا يكمن الخطر في الآلة بحدّ ذاتها، وإنَّما في الإنسان حين يُترك وحيداً أمام تسارعها.
كل ثورة صناعية حملت معها خوفاً وجوديَّاً عميقاً، وإحساساً بالاقتلاع والعزلة. في آواخر القرن التاسع عشر، ومع ذروة الثورة الصناعية، ارتفعت معدلات الانتحار في أوروبا، وقد قرأ عالم الاجتماع إميل دوركايم هذه الظاهرة بوصفها نتيجة لانهيار الروابط الاجتماعية وغياب بنية يومية تمنح الحياة معنى واستقراراً.
وقد يُعيد الذكاء الاصطناعي والروبوتات إنتاج الأزمة نفسها بصيغة أكثر حِدَّة، إذا ما تُرك الإنسان خارج المعادلة. حين يفقد المرء شعوره بالجدوى والانتماء، وحين يعجز عن التكيّف مع إيقاع زمن لا ينتظره ولا يراه من الأساس، يتحوَّل التقدُّم من وعد بالخلاص إلى عبء ثقيل. إذن ليست التكنولوجيا لبّ المشكلة، وإنَّما العزلة التي ترافقها حين تُدار الآلة بلا حِس إنساني.
■ تسليع الرغبات، العمل المجرَّد والعبثي، المراقبة والعقاب، وهم الاختيار المقيَّد والمشروط، تحويل الموت إلى خدمة، والطبقية حتَّى في الموت؛ بعضٌ من صفات «مصنع السحاب» وقوانينه. هل في ذلك استعارة كابوسية للمجتمع الرأسمالي العالمي المتطرِّف، الذي حوَّل حتَّى الموت إلى نظام إنتاجي بيروقراطي؟
-تتحرَّك الرواية في فضاء محاولة بشر الفرار من منظومة صلبة تتسلَّل إلى كلِّ تفاصيل حياتهم، لينتهي بهم الطريق إلى إعادة إنتاج البنية الطبقية نفسها بأسماء جديدة وشروط مختلفة. كأنَّ الإنسان يُتقن صناعة أقفاصه بيديه، فينتقل من وحدة إلى وحدة، ومن مهرب إلى مهرب. يمكننا تحميل الرأسمالية جزءاً من المسؤولية، غير أنّ الرواية تمضي أبعد كاشفة أنّ غياب الوعي الفردي هو الجذر الأعمق لسقوط الإنسان في قبضة أيِّ نظام، مهما اختلفت تسمياته أو ادَّعى التحرُّر أو العدالة الكاملة.
■ يصف المدير حلقات الاعتراف على الطريقة الإغريقية بأنَّها «تطهير». هل يمكن أن يكون «التطهير» حقيقيَّاً عندما يُفرض كطقس جماعي في سياق الرواية أم خارجها؟ أم أنَّ هذه الحلقات مجرَّد شكل آخر من أشكال الاستغلال، وبصورة ما تجسيد لسياسة القطيع السائدة في عموم المجتمعات؟
- ما أراده مدير المصنع من حلقات الاعتراف هو التسلية عبر الإصغاء إلى حكايات طالبي الموت، في إشارة إلى عالم يحوِّل كلَّ شيء إلى مادة قابلة للاستهلاك، حتَّى الألم ذاته. المأساة تُروى بهدف الإبهار، والتعاطف يُمارَس كطقس سريع يريح الضمير. هكذا يصبح البكاء أداءً، قد يكون صادقاً أو مفبركاً، لكنَّه في الحالتين يخدم من يصنع المشهد ومن يستفيد من تأثُّر الجمهور، فيتحوَّل الاعتراف من إمكانية خلاص إلى آلية أخرى من آليات الاستغلال الجماعي. أعتقد أنّ كثيراً من مسلسلات نتفليكس وفيديوهات التواصل الاجتماعي تدور اليوم في هذا الفلك.
■ هل يمكن أن يكون الفراغ (العدم، اللامعنى...) هو المادة الأساسية للوجود؟ وهل محاولاتنا لملئه (بالحب، العمل، الإيمان...) هي مجرد التواءات زائدة على سطح فراغي أصلي؟
ــــ تأتي هذه الفكرة على لسان «كوباياشي» بوصفها انعكاساً لحالته الوجودية قبل أن تكون حقيقة كونية. هو يعاني من تبلُّد المشاعر الذي يعتبر أحد الأعراض التي قد ترافق الاضطرابات النفسية أو العضوية. إذن من الطبيعي أن يبدو له الفراغ مادة الوجود الأولى، وأن تظهر له محاولات الامتلاء كمجرد نتوءات على سطح عدمي صامت.
أما من موقعي ككاتب للرواية، فلا أؤمن بمعنى جاهز يصلح للجميع أو يُمنح سلفاً. المعنى لا يُكتشَف، بل يُصنَّع، ويتشكَّل من احتكاك الإنسان بتجربته الخاصَّة، وبما يستخلصه منها من وعي ومسؤولية. أن يجد الإنسان معناه، يعني أن يرى نفسه على خريطة العالم، وأن يفهم لماذا يقف في هذا الموضع بالذات.
لهذا، أتعامل مع المنع والصدام كإضافة قاسية للمعنى. أنا هنا لأحبّ، لأفهم، لأكتب، ولأدفع حدود الحرية إلى الأمام، حيثما تُهان الحريات ويُطالَب الإنسان بالصمت.
■ الإيمان والإيمان المشوَّه، الحب والحب المشوَّه، الأمومة والأمومة المشوَّهة، الأبوة والأبوة المشوَّهة، الذات والذات المشوَّهة، الوجود والوجود المشوَّه. هل يحكم التشوّهُ وهمَ الحياة؟
- الحياة لا يحكمها التشوُّه، وإنَّما النقصان. الإنسان كائن غير مكتمل منذ لحظته الأولى. يولد من دون غريزة تقوده تلقائيَّاً كما هي الحال عند الحيوانات، ويُلقَى به في عالم يحتاج فيه إلى التربية والمعرفة والوعي كي يتعلَّم كيف يعيش. من هذا النقص تتشكَّل الصور المشوَّهة: إيمان يفقد معناه، حب يتحوَّل إلى امتلاك، أمومة مثقلة، أبوَّة متسلِّطة، ذات منقطعة عن نفسها، ووجود يتيه عن غايته.
غير أن النقص لا يعني الانهيار. حين يُواجَه بالوعي، يصبح مجالاً للتفاعل مع الحياة ومساحة للبحث لا حكماً بالإعدام. الإنسان مدين لنفسه بمحاولة الاكتمال، مع علمه أنّ الاكتمال غاية لا تُنال. في هذا السعي يولد الفكر، وتُكتب الفلسفة، ويجد الأدب والعلم مبررهما. فالتشوُّه والنقص ليسا خطأً في الوجود... هما محرِّكاه الأكثر عمقاً.
■ منح الحب كل من «ناومي» و«إتشيرو» فرصة التخلُّص من مفهوم «الذات المشوَّهة»، واستعادة الرغبة بالحياة، لدرجة المطالبة بإبطال عقد الموت الرحيم. هل حقّاً يُحيي الحب العظام وهي رميم؟ وما رمزية ممارستهما جنساً نتج منه حَمَل ناومي، في غرفة غسل الموتى على المنصَّة المرتفعة حيث تُغسَّل وتجهَّز الجثث قبل الإحراق. هل نحن أمام مفارقة: الحياة التي تُولد من العدم؟
- تتعدَّد القراءات للحب كما تتعدَّد تجارب البشر. هناك من يراه خدعة ذهنية أو تفاعلاً كيميائياً، وهناك من يراه أثمن ما تمنحه الحياة. في الرواية، يظهر الحب كحالة وجودية ترتبط بدرجة الوعي، وكقوة قادرة على إعادة تشكيل الذات واستعادة الرغبة في الحياة. لهذا منحتُ ناومي وإتشيرو فرصة الخلاص عبر حب يجرؤ على مواجهة الهشاشة بصدق.
العنف يُورَّث، يُدجَّن وتُبنى فوقه أنظمة كاملة
اختيار غرفة غسل الموتى لم يكن مصادفة. المكان المُعَد للنهاية تحوَّل إلى عتبة بداية. من قلب العدم وُلِدت الحياة، ومن منصة الفناء انبثق وعد الاستمرار. هكذا يصبح الحب إجابة ممكنة على التشوُّه والنقصان، لا معجزة خارقة، وإنَّما فعل شجاعة يُعيد ترتيب معنى الوجود.
■ ورد في الفصل الأخير الصادم: «بدأت الشاشة بعرض مشاهد لقنابل تُرمى من طائرة حربية فوق غزة وجنوب لبنان واليمن وأفغانستان والعراق وشرق أوكرانيا. استمرَّ المشهد لثلاثين ثانية قبل أن يبدأ مشهدٌ جديدٌ لأشلاء متناثرة على الأرض فوق أسطح المباني والسيارات...». الأستاذ الجامعي الاشتراكي الثوري الذي شارك في الاحتجاجات العالمية ضد الحرب الأميركية على فيتنام، وضد الرأسمالية والنظام السياسي التقليدي؛ بعد عقود لم يصبح رأسمالياً وقاتلاً فحسب، بل اتضح بأنَّ مصنعه الذي ورثه عن والده، ما هو سوى غطاء (سحابة) لمصنع أسلحة، يُشارك في العمل فيه جميع شخصيات الرواية (طالبو الانتحار المُغيبون عن الوعي). هل العنف يورَّث؟ وهل الاشتراكية مفهوم مُجرَّد وحسب؟ وهل الديموقراطية سحابة زائفة؟ ووفقاً للماتركس العالمي الذي يغيّب وعينا ويوجّه لا وعينا، هل جميعنا شركاء في دمار هذا الكوكب على الأقل من خلال: لعنة «الصمت»؟
- نعم، العنف يُورَّث، يُدجَّن وتُبنى فوقه أنظمة كاملة. ما يمنحه الاستمرارية ليس السلاح وحده، وإنَّما الصمت وغياب الوعي، فهما الوقود الخفي لكل آلة قتل. مدير المصنع لم يتحوَّل فجأة إلى وحش. فهو حين كان طالباً يهتف ضد الرأسمالية وحرب فيتنام، لم يسأل نفسه عن مصدر الرفاه الذي عاشه بين باريس وهامبورغ وبرلين. كانت الاشتراكية لديه زينة فكرية لشاب ميسور، لا موقفاً وجوديَّاً. وعند أول امتحان حقيقي، سقط القناع. انقلب على شعاراته، اندمج في النظام الذي شجبه، ثم صار جزءاً من قلبه المظلم: تاجراً للسلاح، شريكاً في القتل الجماعي. هكذا تتحوَّل الديموقراطية إلى سحابة، والأيديولوجيا إلى واجهة، ونتحول جميعاً، بالصمت والامتثال، إلى شركاء غير معلنين في خراب هذا الكوكب.
■ تبقى النهاية الصادمة بين «هاناكو» و«إيسامو». مَن منهما ساعد الآخر على التحرُّر؟ هو، عندما حرَّرها من وهم الإيمان المشوَّه، أم هي عندما حرَّرته من وهم المعرفة بإجابة منحته إيَّاها من درج في المطبخ؟
- لا يبدو أن أحدهما حرَّر الآخر بقدر ما كانا جاهزين للحظة الانكشاف. التقيا عند ذروة النضج، حيث يصبح التحرُّر والسقوط احتمالين متجاورين. كان كلٌّ منهما مرآة للآخر، وفي هذا الانعكاس رأيا ما تعذَّر إنكاره بعد الآن: هاناكو أدركت أن وجودها تأسَّس على طاعة أنكرت الذات، وإيسامو واجه حقيقة أنه قتل آلاف البشر لأنَّه عجز عن مواجهة الأب القاتل الساكن فيه.

