أنـا وغسّان
هكذا دائماً، كانت كلماته الباب إلى نفسي المتشظية، المفتشة عما يلمّها. في ليلة من تلك التي ظنَّ عقلي أنها لن تنقضي، سارت بي قدماي إلى حيث رتّبت الأغراض التي حملتها معي على متن الطائرة كمن يحمل بين كفّيه فؤادَه.


هكذا دائماً، كانت كلماته الباب إلى نفسي المتشظية، المفتشة عما يلمّها. في ليلة من تلك التي ظنَّ عقلي أنها لن تنقضي، سارت بي قدماي إلى حيث رتّبت الأغراض التي حملتها معي على متن الطائرة كمن يحمل بين كفّيه فؤادَه. لم تبصر عيناي كتاباً واحداً له. أمغلقٌ الباب اليوم؟
أفتش عن جواب ثمّ أتذكر: تركت كتبه على الرفّ الأول من مكتبتي الصغيرة. لم تحمل يداي فؤادي كاملاً؛ لم تسعه تلك الطائرة.
أمسكت يدي اليسرى دفتري الذي صار مساحةً للاعتراف، وفي اليمنى استقرّ القلم بين السبابة والإبهام. لامست سنّ القلم الصفحة في أعلاها يميناً، وانسكب منها تاريخ اليوم بلون أزرق. لم يتحرك المعصم، ولم يهبط القلم سطراً، واستحال الإصبعان اللذان يمسكانه عودَي ثقاب تشعلهما دمعة واحدة حارقة. لكن العودَين لم يشتعلا، فالعينان مصمّمتان على أن يبقى ماؤهما لهما.
لن تنفع الكتابة اليوم، فلا شيء فيّ يمتثل لأوامري. حتى القلم صار صاحب رأي وقرار. نفسي اليوم تريد أن تستمع إلى من يتحدث عنها ويشرحها. أذناي تريدان أن تسمعا كل كلماته، ولو «فقدت معانيها». عيناي تريدان أن تريا حروفه ولو باتت «ديداناً تلتفّ حول نفسها بلا معنى». كل ما فيّ يصرّ على المضيّ إلى بابه مرةً أخرى.
تطرح يداي الدفتر جانباً، وتمسكان الحاسوب. بلا مقاومة مني، تتنقّل الأصابع على لوحة المفاتيح. على الشاشة المضيئة وسط العتمة، تظهر كلمات «في جنازتي - غسان كنفاني».
تتحرّك الأصابع ثانيةً، ويقع السهم في الشاشة على الرابط الذي سيأخذني أخيراً إلى النص الذي كان دوماً ملاذاً. أشعر بأنني أستعيد السيطرة الآن. الآن تقرأ عيناي النصّ الذي حفظته عن ظهر قلب لأنني أمرتهما بذلك، وتنفك عقدة السبابة لأمرّرها فوق الكلمات والحروف التي أجد فيها كل المعاني. أرفع صوتي لأرغم أذنيّ على الإنصات، حتى تحبسا فيهما الأجوبة عن أسئلة هذه اللحظة:
«كنت أعتقد أيتها الغالية أن الأيام حين تمرّ سوف تبلسم قليلاً من الجرح، ولكن يبدو لي الآن أنني أشدّ تهاوياً كشيء أفرغ من تماسكه على حين فجأة، فهو لا يعرف ماذا يقيمه. إن كل يوم يمرّ يحفر في صمودي صدعاً لا يعوَّض. وكل لحظة تصفع وجهي بحقيقة أمرّ من حقيقة. اليوم صباحاً صعدت الدرج راكضاً، وحين شارفت نهايته أحسست بقلبي ينشدّ بين ضلوعي، ويتوتر حتى ليكاد ينقطع. أي شباب هذا؟ أي قيمة يا عزيزة؟ أي قيمة؟ لماذا أسير أكثر إلى الأمام؟ أي شيء يلوح كالشبح في ظلمة سوادها أقتم من ضمير طاغية؟ أي شيء أفدته في حياتي كلها... نعم، أي شيء؟
ولكنني كنت أعيش من أجل غدٍ لا خوف فيه. وكنت أجوع من أجل أن أشبع في ذات يوم. وكنت أريد أن أصل إلى هذا الغد. لم يكن لحياتي يومذاك أي قيمة سوى ما يعطيها الأمل العميق الأخضر بأن السماء لا يمكن أن تكون قاسيةً إلى لا حدود، وبأن هذا الطفل، الذي تكسّرت على شفتيه ابتسامة الطمأنينة، سوف يمضي حياته هكذا، ممزّقاً كغيوم تشرين، رمادياً كأودية مترعة بالضباب، ضائعاً كشمس جاءت تشرق فلم تجد أفقها.
كل شيء في العالم كان يقف في وجهه. كل إنسان كان يصفعه وكل يوم يمرّ كان يبصق في وجهه شعوراً حاداً بالمرارة والتقصير.
ورغم ذلك، كنت أقول لذات نفسي: اصبر يا ولد. إنك ما زلت على أعتاب عمرك وغداً وبعد غدٍ سوف تشرق شمس جديدة. ألست تناضل الآن من أجل ذلك المستقبل؟ سوف تفتخر بأنك أنت الذي صنعته بأظفارك منذ أُسِّه الأول إلى الآخر. وكان هذا الأمل مبرّر ألم يومي. وكنت أحدّق إلى الأمام وأدوس على أشواك درب جاف كأنه طريق ضيّق إلى مقبرة.
كان رأسي مسرحاً لهزليات كثيرة تتعاقب من دون رباط. آرائي التي كوّنتها أصبحت في حاجة إلى التنظيف. القيم التي عبدتها يجب أن تتحطم. الأحلام التي كوّمتها في صدري لم يعد لي حقّ امتلاكها وكل شيء من ماضيّ وحاضري ومستقبلي تغلّف بميوعة ذات رائحة عفنة. وبدت لي كل القيم التي وضعها الإنسان المغرور لحياته ليست سوى هذيان سكران يريد أن ينسى.
وبعد يوم آخر وصلت إلى قرار. إنني الآن لا أعرف ما الذي دفعني إلى ذلك القرار. لقد نسيت، أو فلنقل إن الأحداث التي جرت فيما بعد جعلتني أنسى. ولكن الشيء الذي أذكر أنه كان في رأسي حينما قررت قراري هو أنني يجب أن أكون بطلاً ولو لمرة واحدة حقيقية؛ أن أكون واحداً من أولئك الذين ترد أسماؤهم في القصص بصفتهم واجهوا مواقفهم الحادّة بشجاعة فائقة، وصفعوا أقدارهم الخاصة بكل ما في وسعهم من قسوة».
أفرغ من القراءة ولا يفرغ رأسي من كلماته. تزدحم الكلمات وأخالها ستفيض لتملأ جدران الغرفة، لكنني أرتاح لهذه الجلبة. وجدت نفسي المبعثرة ما يرتّبها، وإنني ممتنة لسيري كما أرادت. مرةً جديدة، لم أجد بابه مغلقاً. لستُ بحاجة إلى أكثر من ذلك اليوم.
* ديترويت/ لبنان.
