بطرس المعرّي: سوريا التي في بالي
في «مدن سورية... من ذاكرة الأصدقاء وحكاياتهم» (دار أطلس)، يقدّم بطرس المعرّي كتاباً يستعيد سيرة المدن بلسان أهلها، بنصوص قصيرة تتجاور مع لوحات توثّق الذاكرة البصرية للمكان.


في «مدن سورية... من ذاكرة الأصدقاء وحكاياتهم» (دار أطلس)، يقدّم بطرس المعرّي كتاباً يستعيد سيرة المدن بلسان أهلها، بنصوص قصيرة تتجاور مع لوحات توثّق الذاكرة البصرية للمكان. عمل يجمع الحكاية والرسم ليقول ببساطة: هذه هي سوريا التي في البال، رغم الحرب والتحولات العاصفة
ثمة كتب تؤرخ المدن، تبحثها أكاديمياً. وهناك كتب إبداعية، تؤرخ ماضي المدن، وماضي أهلها. يكتبها أهلوها، فلا يكتبون عن أنفسهم، بل يكتبون ذاكرة شخصية تشبه ذاكرة غالبية سكان هذه المدينة، حتى إذا قرأها أحدهم، ابتسم، وقال هكذا كنا.
مدن تُروى بلسان أهلها
كتاب «مدن سورية... من ذاكرة الأصدقاء وحكاياتهم» (دار أطلس) من طينة الكتب الأخيرة التي تحكي الماضي، نابشة في الحاضر من دون قول مباشر، مع إضافة رئيسية شكّلت ركيزة للكتاب، هي رسومات الفنان السوري بطرس المعرّي الذي حمل الكتاب توقيعه. هذه الرسومات، ولوحة الغلاف كناية عن لوحات صغيرة على الورق منفَّذة بتقنية «المونوتيب» لمشهد من كل مدينة من مدن سوريا.
الرسم بوصفه ذاكرة موازية
يُفتتح الكتاب بقصته، وهي كما يكتب المعرّي «محاولة في إنقاذ صورتها التي سكنت الذاكرة». الكتاب (106 صفحات من القطع الصغير) حافل بالاستعادة، فـ «مدن سورية» هو «كتاب مدن الأصدقاء والصديقات» على حد تعبير المعرّي رسام الذاكرة في الكتاب.
حكايات تُسمع قبل أن تُقرأ
الحكايات مكتوبة بلسان أصحابها، قبل أقلامهم، فهي مرويات يمكننها أن نسمعها في جلساتنا المسائية، ونحن نستدعي ما في ذاكرتنا من أيام بريئة سليمة من العبث الذي طال كل شيء تقريباً في البلاد. فالكلمات على لسان أصحابها جميلة مدهشة، ترسم ابتسامة، وتجعل القارئ/ المستمع يتفرج أحياناً، بحسب براعة الكاتب في وصف المشهد أو الحالة أو السيرة التي يكتب عنها.
تجربة الكتاب تستحق الانتباه، فسوريا تصارع نفسها، ومدنها تتنبّه إلى تغييرات كبيرة في عقدها الاجتماعي، واستجلاب نمط اقتصادي جديد إلى البلاد، من شأنه مع الوقت أن يغيّر في بنية المجتمع السوري وتعبيره عن نفسه.
فبلد كسوريا مجبول بثقافة شعبية بسيطة جميلة وعميقة، جعلت المجتمع في أعماقه قريباً من بعضه، لا يخلخل هذا التواد فيه اليوم سوى الانفتاح الذي طرأ عليه، وهو السياسة بعد حرمان دام لنحو ستة عقود، مع التأكيد على أهمية هذا الانفتاح وأهمية أن يمارس الشعب السياسة، على الأقل من خلال التعبير عن ذاته، لكنها الحرب والمقتلة التي امتدت لأعوام طويلة، ما لم يترك للناس مجالاً للاستيعاب والهدوء بعد.
الشكل جزء من الفكرة
كتاب «مدن سورية» مدروس في صياغته النهائية على مستوى الشكل ليعبر عن المضمون، فـ 25 نصاً عن المدن السورية موزعة في الكتاب، لا نعرف كاتبها إلا إذا عدنا للفهرس الذي حمل عنواناً «فهرس مدن الصديقات والأصدقاء». وهنا لا نجد عناوين النصوص، بل اسم المدينة واسم كاتب النص.
أنا فلسطينيّة سوريّة،
بابا من صفد وماما من عكا
لعلّها فكرة بديعة في جوهرها، فالنصوص التي تحمل عنواناً وكلمات، مع الفهرس، تريد أن تقدم سوريا بأهلها الذين هم في الكتاب صديقات وأصدقاء، يجمعهم بلد ولدوا وترعرعوا في حكاياته، ونهلوا من وعيه الجمعي، وشكّلوا مع الوقت والتاريخ والحاضر فعل حياة مستمر، جرّبت الحرب وأربابها أن تقتله، وتجرب نتائج الحرب أن تحرّفه. ومع ذلك، فكتاب «مدن سورية» خرج إلى النور في هذه السنة محمّلاً أو كتّابه حملوه مقولة «هذه سوريا»، ولن تكون إلا هي، وردة كل ورقة منها مدينة وقرية وبلدة وحارة.
نماذج من الذاكرة
وفي الكتاب، نقرأ عن «أبو محمد الذي جاء أصدقاؤه لزيارته، ولم يستقبلهم؛ فذهبوا إلى الجامع، ودفعوا نقوداً للمؤذن، ليذيع اسمه على أنه «انتقل إلى رحمة الله»، وجلسوا يراقبون بيته الذين توجه إليه المعزون بالمئات.
هكذا كتب في نص «إدلب... ذاكرة الفكاهة»؛ وفي «مسقط القلب»: «كانت جبلة مثل بنت ضيعة، نزلت إلى المدينة وبقيت على حافتها، لم تكن أنيقة ولم تحسن وضع «الميك أب» كما يليق بصبايا المدن»؛ وفي «مذاق التّمر واللبن» قصة الحسكة، «لكن الجزيرة أو الحسكة، التي في خاطري، فقدت هويتها الأولى تدريجياً بقوة بطش الغُزاة الجدد والنهّابين واللصوص والتكفيريين. يفصلني ألف كيلو متر عنها، وما أحاول أن أفعله كل يوم مسح الرمد عن عينيها كيلا تُصاب بالعمى التام». ونسمع في «حلب... حيث «باب الله»: «أستعينُ ببعض أغنيات صباحيّة، فيقفز من بينها لحنٌ لسيد درويش الذي حَلم بحلبَ كغيره من الموسيقيين...».
أما «كرغيفٍ غُطّ بالحليب فجراً»، فثمة «هؤلاء لم يعرفوا نهر مدينتهم أيام عزّ عذوبته وغزارته، أيام كان التندّر حول خلاف الجيرة الحمصي - الحموي يرد إلى محاولة أهل حمص سد مجرى العاصي بقشور البصل لمنع وصوله إلى حماة، وأنه بعد حل الخلاف بينهما جرى اقتسام النهر ووضع حد بواسعة حبل يقطع النهر عند الرستن». وفي «انتخابات حوران»، سوريا الحقيقية «كان قدر الوالد أن يولد مسيحياً، وكان في درعا ميتم إسلامي وحيد. كان وقت إجراء الانتخابات لاختيار إدارة الميتم على الأبواب.
ترشحت شخصيات عدة لعضوية مجلس إدارة الميتم الإسلامي، وكان من بينهم شيخ، هو مدرّس الديانة الإسلامية رحمه الله، وهو المنتمي إلى حزب سياسي ديني، وله مكانته في المجتمع الحوراني. جرت الانتخابات وكان بنتيجتها أن فاز والدي، الأستاذ هاني، برئاسة الميتم، ورسب الشيخ...».
أما في «مشوار»، فرحلة في باب توما قال قائلها «أتذكرها... نعم، بل كيف أنساها! فمن سار في تلك الطريق مرة حُفرت في ذهنه العمر كله، فما بالكم ممّن لا يزال يسير تلك الطريق من عام 1967». ولأن الكتاب سوري بامتياز، كانت خاتمته حكاية «ماكينة الخياطة» التي تبدأ بـ «أنا فلسطينيّة سوريّة، بابا من صفد وماما من عكا».
ما سبق عينات، من يقرأها سترتسم على وجهه ذاكرته التي ستذهب به إلى حي نشأ فيه، وأصدقاء تقاسم معهم ثمن الكرة، ودمية باربي التي لم تكن باربي. سنستعيد ذاكرة ربما غلّفتها قصص الحياة الأخرى وصراعاتها، إلا أنها تضيء في الذاكرة لحظة أمل كتبها خطيب بدلة، ومنار حمّاض، وهنادي زرقه، وإياس شاهين، وخليل صويلح، وصهيب عنجريني، وسعاد جرّوس، ونسرين أ. خوري، وثابت السالم، وشريف الرفاعي، وشوقي المعرّي، وهالة خيّاط، وسارية المرزوق، وشلبيّة إبراهيم، وآرسين قيومجيان، ومنير الشعراني، وخلود هنيدي، ونقولا الزهر، ونبيه نبهان، ونجيب الحسن، وهاجار عيسى، وآنا عكّاش، وجمال بوستان، وكفاح علي ديب، وكمال شاهين، وسمر حدّاد.
