إيلان بابيه: التاريخ ضد الأسطورة الصهيونية
إنّه الصوت الأكثر راديكالية في تفكيك الأساطير الصهيونية. في كتابه «موجز تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني» (منشورات تكوين) الذي انتقل إلى المكتبة العربية، يجري تشريحاً نقدياً للمشروع الصهيوني بوصفه استعماراً استيطانياً لا حركة تحرر.


إنّه الصوت الأكثر راديكالية في تفكيك الأساطير الصهيونية. في كتابه «موجز تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني» (منشورات تكوين) الذي انتقل إلى المكتبة العربية، يجري تشريحاً نقدياً للمشروع الصهيوني بوصفه استعماراً استيطانياً لا حركة تحرر. يوثّق سياسات التطهير العرقي منذ بدايات القرن العشرين، مُعيداً ترتيب الحقائق لدعم الرواية الفلسطينية بالحجة والبرهان
مَن يتذكر حلقة برنامج الدحيح التي خصصها للحديث عن فلسطين، وبدأها بقصة قرية الطنطورة جنوب حيفا التي ارتكبت فيها قوات إسرائيلية تدعى «لواء اسكندرون» مذبحةً. وبعد هدمها، بنت مستوطنة جديدة تدعى «الدور» ومنتجعاً يسمّى «نحشوليم» بعد تهجير مَن بقي من أهلها باتجاه مناطق أخرى سنة 1948؟ كان الهدف القول إنّ الأدلة على التطهير والقتل والإبادة العرقية التي تقوم بها «إسرائيل» ضد الفلسطينيين موجودة على عمق متر واحد من أي مستوطنة فيها إسرائيليون. الحلقة حققت رقم مشاهدات قارب الثلاثين مليون. لكن الحقيقة أعمق وأقدم من مذبحة الطنطورة بكثير.
القصة منذ البداية
مع صدور الترجمة العربية لكتاب «موجز تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني» (منشورات تكوين ـــ ترجمة شهد دعباس)، يتحدث الكاتب والمؤرخ إيلان بابيه عن أن عملية التطهير العرقي في فلسطين بدأ بين عامَي 1921 و1925 مع استغلال «الكومنولث الصهيوني الأميركي» لما عرف بـ «أصحاب الأراضي الغائبون» لشراء الأراضي الفلسطينية وطرد المزارعين والعاملين منها. وكان أشهرها عملية شراء مرج بن عامر من عائلة سرسق في بيروت، ووادي الحوارث بين حيفا وتل أبيب بعد عجز ورقة المالك اللبناني الأصلي عن سداد ديونه. يذكر بابيه كل ذلك في الفصل الثالث «ما الذي دفع الحركة الصهيونية إلى تنفيذ التطهير العرقي؟».
أما عام 1948، فبدأ تطبيق الخطة «دالت» التي اقترحتها وحدة الاستخبارات في «الهاغاناه» وتقوم على محاصرة كل قرية وحيّ من ثلاثة جوانب مع ترك الجانب الرابع مفتوحاً كي يتمكن السكان من المغادرة. إلا أنّه وفق الأوامر المرسلة للجنود، تضمّنت الخطة اعتقال وإعدام الرجال والشباب فوق العاشرة، مع استهداف مَن شارك في الثورة العربية 1936 بشكل خاص.
تستهدف الخطة «دالت» المراكز الحضرية في فلسطين
وتستهدف الخطة «دالت» المراكز الحضرية في فلسطين، كيافا وبيسان وعكا وطبريا وصفد، وحيفا التي كانت تقع قرية الطنطورة جنوبها. وفق ما جاء في الفصل الثامن بعنوان «التطهير العرقي في فلسطين» من كتاب بابيه.
في خمسة عشر فصلاً، يسرد بابيه «الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني لعموم القراء (...) حيث يخضع الصهيونية لتحليل نقدي صارم، فهو لا يراها حركة تحرّر وطني لليهود وإنما مشروع استعماري استيطاني فرض على الفلسطينيين بالقوة بدعم من القوى الغربية». وهو ما قاله المؤرخ آفي شلايم في تقديمه لكتاب زميله بابيه.
لا يقدم هذا العمل أطروحات جديدة كلياً مقارنة بكتب بابيه السابقة، لكنه يعيد ترتيبها ضمن سردية أكثر اختصاراً وحسماً. وربما يمكن اعتبارها مفيدة لكل من يريد ملخّصاً سريعاً يقوم على حجج ودلائل منطقية للدخول في نقاشات وخطاب عام دفاعاً عن القضية الفلسطينية.
المؤرخ الأكثر راديكالية
يعرف إيلان بابيه بأنه أحد المؤرخين الجدد (أشرنا لهم سابقاً في مقال آفي شلايم). وكما جاء في وصف زوجة الأخير عن بابيه، فإنّه الأكثر راديكالية تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فبابيه لا يعترف بالكيان الإسرائيلي أو بحقه في القيام، ويعترف بحق الفلسطينيين في المقاومة ويجد تبريراً لكل عملية مقاومة، آخرها «طوفان الأقصى»، إذ أشار إلى أنّه «يجب علينا أن نرى المقاومة الفلسطينية مقاومة مناهضة للاستعمار في المقام الأول بغض النظر عن أيديولوجيات المشاركين المعلنة».
بذلك، لا يقع بابيه في كتبه ومقابلاته بما يقع فيه المفكرون والصحافيون والوجوه المناوئة للإبادة في غزة وهي إدانة ووسم المقاومة في فلسطين بالإرهابية حتى يستطيعوا نعت «حكومة أو جيش دفاع إسرائيل» بالصفة ذاتها، فإيلان قطع دابر ذلك منذ زمن، وكتابة «موجز تاريخ الصراع» يحاول تأكيد كيف تحولت «الحركة الصهيونية من حركة إنقاذ اليهود إلى مشروع استعماري استيطاني يعتمد على إخضاع شعب آخر».
ويفند بابيه في الكتاب كل مزاعم قيام الكيان الإسرائيلي من الفكرة التي يعتبرها «فكرةً مستوردة من الغرب، نشأت كمشروع مسيحي إنجيلي خلال القرن السادس عشر في أوروبا» وصولاً إلى دحض «فكرة أنّ الناس الذين عاشوا قبل ألفي عام في فلسطين الرومانية كانوا أسلاف المستوطنين الصهاينة الذين وصلوا إلى فلسطين للمرة الأولى عام 1882»، وأنه لا يمكن «تبرير الاستعمار بناء على روابط واهية مستمدة بشكل رئيسي من نصوص دينية قديمة.
موجز للصراع موجّه للغرب
رغم توصيفه كـ«موجز»، لا يمكن قراءة الكتاب بوصفه اختصاراً لتاريخ الصراع، بل تكثيف واعٍ لمشروع بابيه الفكري القائم على تفكيك السردية الصهيونية التأسيسية. لا يهدف الكتاب إلى عرض الوقائع بقدر ما يسعى إلى إعادة ترتيبها ضمن إطار تفسيري واحد: الصراع بوصفه نتاجاً مباشراً لمشروع استعمار استيطاني لم يتوقف منذ عام 1948. بهذا المعنى، يقدّم بابيه نصاً موجّهاً أساساً للقارئ الغربي الذي ما يزال يتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها «نزاعاً» بين طرفين متكافئين.
في المراجعات الإنكليزية، رُحّب بالكتاب كمدخل نقدي جريء ومباشر، يصلح للاستخدام التعليمي والإعلامي، ولا سيما في الجامعات الغربية. غير أنّ هذا الوضوح الأخلاقي نفسه شكل موضع انتقاد لدى بعض الأكاديميين الليبراليين، الذين رأوا أن بابيه يتخلّى هنا عن الحذر الأكاديمي لمصلحة خطاب معياري صريح. إلا أنّ هذا النقد غالباً ما عكس انزعاجاً سياسياً أكثر منه اعتراضاً منهجياً، إذ لم تواجه طروحاته الأساسية بقدر ما وصفت بأنها «غير متوازنة».
يأتي إصدار النسخة العربية المترجمة من الكتاب بالتزامن مع إصدارات جديدة لـ «المؤرخين الجدد»، وهم المفكرون والباحثون الإسرائيليون الذين بدأوا نقض سردية «إسرائيل». ونجد كلاً من الكاتبين آفي شلايم وإيلان بابيه في حواشي كتب بعضهم، يشدّون أزر بعض في مواجهة توحّش الصهيونية في لحظات سكتت فيها الكثير من الأصوات العربية. لعلّ هذا هو السؤال الذي يجب طرحه للغد.
