ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

لماذا لا ينفصل تحرّر المرأة عن تحرير الأرض؟

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

في سياق الحروب التي تشهدها المنطقة، من الإبادة في غزة إلى الاعتداءات على لبنان، لا يقتصر الدمار على القتل المباشر، بل يمتد إلى تدمير البنية التي تسمح للحياة بالاستمرار.

غادة حداد
غادة حداد
السبت 7 آذار 2026
(لوانا فرنانديز ـ البرزايل)
(لوانا فرنانديز ـ البرزايل)
الخط

في سياق الحروب التي تشهدها المنطقة، من الإبادة في غزة إلى الاعتداءات على لبنان، لا يقتصر الدمار على القتل المباشر، بل يمتد إلى تدمير البنية التي تسمح للحياة بالاستمرار. ومع انهيار المؤسسات والخدمات الأساسية، يظهر شكل آخر من العمل غير المرئي الذي تقوم به النساء للحفاظ على الحياة اليومية، من تأمين الغذاء والماء إلى رعاية الأطفال والمرضى وتنظيم الحياة في ظروف النزوح والدمار

تُخاض الحروب بالسلاح، لكنها لا تستمر إلا بالاقتصاد. فالجيوش تحتاج إلى المال، والحروب تُدار بمنطق الموارد والسيطرة والعمل. وفي النظام العالمي المعاصر، حيث تتشابك الحروب والاحتلالات مع مصالح رأس المال، تصبح الفئات الأضعف هي الأكثر عرضة للعنف، من النساء، والأطفال، وكبار السن، والمهجّرين.

ما تعيشه فلسطين من إبادة في غزة، وتوسّع الاستيطان في الضفة الغربية، وتوسّع الحرب الإسرائيلية على لبنان اليوم، والحرب على إيران، يوضح أنّ الحرب لا تقتل فقط من يقف في الخطوط الأمامية. هي تدمر أيضاً البنية التي تسمح للحياة بالاستمرار. تُقصف المستشفيات والمدارس، تنهار البنى التحتية، تُهجَّر العائلات من بيوتها، ويُترك المجتمع ليُعيد تنظيم حياته في ظروف من العنف والفقدان المستمر. وسط هذا الخراب يظهر شكل آخر من العمل، غالباً ما يبقى غير مرئي، هو العمل الذي تقوم به النساء للحفاظ على الحياة نفسها.

قتل الحياة

في غزة، كما في جنوب لبنان، تتحول أبسط الأنشطة اليومية إلى معركة من أجل البقاء: تأمين الماء والغذاء، إعداد الطعام في ظل انقطاع الكهرباء، رعاية الجرحى والمرضى، حماية الأطفال، مساندة كبار السن، وتنظيم الحياة اليومية داخل الملاجئ أو المخيمات. هذا العمل الذي يبقي المجتمع على قيد الحياة أثناء الحرب وبعدها، نادراً ما يظهر في التقارير العسكرية أو في الحسابات الاقتصادية أو حتى في تقارير إعادة الإعمار.

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ النساء في المنطقة العربية يقمن بمعظم أعمال الرعاية غير المدفوعة في المجتمع، وأنّ هذا العبء يتضاعف في ظروف النزاعات المسلحة. في المنطقة العربية، تقوم النساء بأعمال الرعاية غير المدفوعة بمعدل يزيد أكثر من أربع مرات عن الرجال، وهي من أعلى الفجوات الجندرية في العالم في هذا المجال. وتشمل هذه الأعمال رعاية الأطفال وكبار السن والمرضى، إضافة إلى إدارة الحياة اليومية للأسرة في ظروف شديدة الصعوبة.

مَن ينتج العمّال؟

في ظل اعتماد الرأسمالية على العمل لإنتاج القيمة، فمن الذي ينتج العمّال أنفسهم؟ هذا السؤال هو نقطة الانطلاق للاقتصاد النسوي، فالعامل لا يظهر فجأة في المصنع أو المكتب، بل يولد ويكبر ويتعلم، ويتلقى الرعاية عندما يمرض، ويحصل على الغذاء والدعم العاطفي والاجتماعي الذي يسمح له بالعمل. تُعرف هذه العملية في الأدبيات الحديثة باسم إعادة الإنتاج الاجتماعي، وهي تشمل الأنشطة اليومية التي تحافظ على الحياة البشرية، من الطبخ والتنظيف وتربية الأطفال إلى رعاية المرضى وكبار السن وتنظيم الحياة اليومية للأسرة. هذه الأنشطة ضرورية لبقاء المجتمع والاقتصاد، لكنها غالباً ما تبقى غير مدفوعة الأجر وغير معترف بها اقتصادياً.

تمثل القضية الفلسطينية المثال الأوضح على الترابط بين التحرر النسوي والتحرر من الاستعمار

هذا الاستغلال التاريخي لعمل النساء لم يتشكل مصادفة، بل ارتبط بتحولات عميقة في نشوء النظام الرأسمالي. في أوروبا خلال أواخر العصور الوسطى، كانت المجتمعات الريفية تعتمد إلى حد كبير على اقتصاد قائم على المشاعات والتعاون الجماعي.

كانت الأراضي والغابات والمراعي تُستخدم بشكل جماعي، والنساء يشاركن في الزراعة والتداوي بالأعشاب والقبالة وإدارة الحياة اليومية للمجتمع.
لكن هذا النظام بدأ يتفكك مع التحولات الاقتصادية الكبرى التي مهّدت لنشوء الرأسمالية. وصف كارل ماركس هذه العملية بـ«التراكم البدائي»، أي العمليات العنيفة التي أدت إلى خصخصة الأراضي المشاع وطرد الفلاحين من أراضيهم وتحويلهم إلى عمال مأجورين لا يملكون سوى قوة عملهم.

نظام بُني على دم

في هذه المرحلة التاريخية نفسها، شهدت أوروبا موجةً واسعة من مطاردة الساحرات بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، إذ أُعدم ما يقارب ستين ألف شخص، والغالبية الساحقة منهم نساء. غالباً ما كانت الضحايا من الأرامل أو القابلات أو المعالجات بالأعشاب أو النساء اللواتي يعشن خارج الأدوار الاجتماعية المفروضة. كثير من هؤلاء النساء كن يمتلكن معرفة تقليدية بالطب والأعشاب والخصوبة، وكانت لهن مكانة داخل مجتمعاتهن.

ترى بعض الباحثات النسويات، أبرزهن سيلفيا فيديريتشي، أنّ مطاردة الساحرات لم تكن مجرد نتيجة للخرافة الدينية، بل ارتبطت أيضاً بالتحولات الاقتصادية التي رافقت نشوء الرأسمالية. مع تفكك الاقتصاد المشاعي وتحوّل المجتمعات نحو نظام العمل المأجور، جرى إعادة تنظيم المجتمع بطريقة جعلت النساء مسؤولات أساساً عن العمل المنزلي ورعاية الأطفال، ما أسّس لنظام يفصل بين العمل المنتج في السوق والعمل غير المدفوع في المنزل.

إذا كان هذا هو السياق الغربي لنشوء هذا النظام، فإن الصورة في منطقتنا تبدو أكثر تعقيداً، إذ تضاف إليه طبقة الاستعمار. فالرأسمالية لم تتوسع داخل أوروبا فقط، بل توسعت أيضاً عبر الاستعمار ونهب الموارد البشرية والطبيعية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. وكانت المنطقة العربية جزءاً مركزياً من هذه العملية.

لا تحرّر في ظلّ الاستعمار

منذ القرن التاسع عشر، خضعت معظم البلدان العربية لهيمنة استعمارية مباشرة أو غير مباشرة، وقد أعادت هذه الهيمنة تشكيل الاقتصادات المحلية بحيث تصبح مرتبطةً بالاقتصاد العالمي كمصدر للمواد الخام والعمالة الرخيصة.

هذه البنية الاستعمارية لم تنته مع الاستقلال السياسي. فقد استمرت عبر أنظمة اقتصادية قائمة على التبعية المالية والديون الدولية وسياسات الخصخصة، إضافة إلى استمرار الاحتلالات العسكرية في فلسطين وأجزاء من العالم العربي. وباتت الحروب جزءاً من الاقتصاد نفسه، فهي لا تدمّر المجتمعات فقط، بل تعيد تشكيلها بما يخدم مصالح القوى المهيمنة.

ضمن هذا السياق، تلعب النساء دوراً مركزياً في الاقتصاد غير المرئي الذي يسمح للمجتمع بالاستمرار رغم الأزمات. تشير الدراسات إلى أنّ النساء يقمن بما بين 80 و90 في المئة من أعمال الرعاية غير المدفوعة في المنطقة العربية، وتشمل هذه الأعمال رعاية الأطفال وكبار السن والمرضى، إضافة إلى إدارة الحياة اليومية للأسرة.

في الوقت نفسه، تُعد نسبة البطالة بين النساء في العالم العربي من الأعلى في العالم، رغم ارتفاع مستويات التعليم بين النساء في عدد من الدول. ما يعني أنّ النساء يواجهن شكلين من التهميش الاقتصادي في آن، من الإقصاء من سوق العمل الرسمي، إلى تحميلهن العبء الأكبر من العمل غير المدفوع. وتتسع هذه الفجوة أكثر في ظروف الحروب والنزوح، حيث تتحمل النساء مسؤولية إعادة تنظيم الحياة اليومية في غياب المؤسسات العامة.

تداخل القمع

هذا الواقع دفع عدداً من المفكّرات النسويات العربيات إلى طرح فكرة أساسية أنه لا يمكن فصل تحرير النساء في المنطقة عن مواجهة الاستعمار والرأسمالية معاً. فالنسويات العربيات لم ينطلقن فقط من سؤال المساواة بين الجنسين داخل المجتمع، بل من سؤال أوسع حول كيفية تحرير النساء في مجتمعات تعيش تحت الاحتلال أو ضمن اقتصاد عالمي غير عادل؟

يؤكد عدد من النسويات العربيات أنّ تحرر النساء لا يمكن عزله عن البنى السياسية والاقتصادية التي تحكم المجتمع. فالمسألة تتجاوز إصلاح قوانين الأحوال الشخصية أو زيادة تمثيل النساء في العمل، لتصل إلى تفكيك منظومات أوسع من الهيمنة.

في هذا الإطار، ربطت المفكرة المصرية نوال السعداوي بين ثلاثة أنظمة مترابطة تعيد إنتاج القمع في المجتمعات العربية، وهي الاستعمار الإمبريالي، والرأسمالية العالمية، والنظام الأبوي المحلي. فقد رأت السعداوي أنّ الاستعمار لم يكن مجرد سيطرة سياسية على الأرض، بل نظام اقتصادي وثقافي أعاد تشكيل المجتمعات بما يخدم مصالحه. وبعد الاستقلال الشكلي، استمرت آليات الهيمنة عبر الاقتصاد العالمي غير المتكافئ، ما أدى إلى تكريس الفقر واللامساواة.

ضمن هذا التحليل، يصبح النظام الأبوي جزءاً من هذه البنية المركبة، لا ظاهرة منفصلة عنها. فالسلطة الذكورية في الأسرة والمجتمع تتقاطع مع بنى الاستغلال الاقتصادي والتبعية السياسية. لذلك، اعتبرت السعداوي أنّ أي مشروع تحرري للنساء يجب أن يكون أيضاً مشروعاً لمواجهة الاستغلال الاقتصادي والتبعية السياسية، لا مجرد إصلاح اجتماعي محدود.

تمثل القضية الفلسطينية المثال الأوضح على الترابط بين التحرر النسوي والتحرر من الاستعمار الاستيطاني، وعلى تشابك العنف السياسي مع البنى الاقتصادية والاجتماعية.

وتشير الباحثة الفلسطينية إصلاح جاد إلى أنه لا يمكن وصف الاقتصاد الفلسطيني تحت الاحتلال بأنه اقتصاد طبيعي يعمل وفقاً لآليات السوق المعتادة، بل هو اقتصاد مشوَّه يتشكل تحت هيمنة عسكرية مباشرة. فسياسات السيطرة على الأرض والموارد، والقيود على الحركة، وتفكيك البنية الإنتاجية المحلية، تجعل الاقتصاد الفلسطيني معتمداً إلى حد كبير على المساعدات الدولية وعلى سوق العمل الإسرائيلية.

في ظل هذا الواقع، تصبح مشاركة النساء في الاقتصاد مرتبطة بشروط قسرية تفرضها بنية الاحتلال، وليس فقط بعوامل اجتماعية داخلية. يفتح هذا التحليل الباب لفهم أوسع لمسألة عمل النساء. فزيادة مشاركة النساء في سوق العمل، لا تعني بالضرورة تحرراً اقتصادياً إذا كان الاقتصاد نفسه خاضعاً لبنية استعمارية تقيّد إمكانات التنمية والاستقلال.

إنهاء الاحتلال

من جهة أخرى، تشير الباحثة الفلسطينية نادرة شلهوب - كيفوركيان إلى أنّ النساء الفلسطينيات يواجهن في حياتهن اليومية تداخل ثلاثة أنظمة للهيمنة في آن: الاحتلال العسكري، والنظام الأبوي داخل المجتمع، والنيوليبرالية الاقتصادية التي أعادت تشكيل سياسات التنمية في المنطقة.

وتوضح أنّ سياسات النيوليبرالية التي تبنتها المؤسسات الدولية منذ التسعينيات غالباً ما قدمت تمكين النساء عبر برامج التمويل الصغيرة والمشاريع الفردية، لكنها تجاهلت السياق الاستعماري الأوسع. وهكذا تتحول بعض سياسات «تمكين النساء» إلى أدوات لإدارة الفقر بدلاً من معالجة أسبابه البنيوية.

من هنا، تدعو هذه المقاربات النسوية إلى فهم تحرر النساء كجزء من مشروع تحرري أوسع يشمل إنهاء الاحتلال، وبناء اقتصاد عادل، وتفكيك البنى الأبوية في المجتمع. فالقضية النسوية ليست قضية فئوية معزولة، بل مدخل لإعادة التفكير في شكل المجتمع والاقتصاد والسياسة في المنطقة بأكملها.

ما بعد الإبادة ليس كما قبلها. لذلك تبرز الحاجة إلى نسوية ذات بُعد ديكولونيالي، ترى أن العدالة الجندرية لا يمكن أن تتحقق في ظل بنى الاستعمار والتبعية الاقتصادية، بل تتطلب إعادة بناء المجتمع على أسس من العدالة الاجتماعية والسيادة السياسية.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك