ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

النسوية في مواجهة الإبادة: أسئلة اللحظة وأزمة الخطاب

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

في ظل العدوان المتواصل على لبنان وما يخلّفه من نزوح ودمار واستهداف مباشر للمدنيين، تعود أسئلة النسوية إلى الواجهة بإلحاح.

يانا السمراني
يانا السمراني
السبت 7 آذار 2026
النسوية في مواجهة الإبادة:  أسئلة اللحظة وأزمة الخطاب
الخط

في ظل العدوان المتواصل على لبنان وما يخلّفه من نزوح ودمار واستهداف مباشر للمدنيين، تعود أسئلة النسوية إلى الواجهة بإلحاح. فالحرب التي تطاول القرى والعائلات تكشف حدود الخطاب الحقوقي الدولي، وتضع الحركة النسوية أمام اختبار حقيقي في مواجهة العنف العسكري والاستعماري


«العالم نسي أن يفكر بالجمع حيث يتأسس السياسي». بهذه العبارة تختصر الفيلسوفة الفرنسية جينيفيف فرايس إحدى أبرز أزمات عصرنا، في انكفاء الفكر السياسي عن التفكير في المصير المشترك.

لعلّ ما نشهده اليوم في لبنان، في هذه اللحظات بالذات، يعيد طرح الأسئلة الأكثر إلحاحاً حول معنى العدالة والحماية الإنسانية. فالعدوان الذي يطال القرى، ويجبر العائلات على النزوح في صقيع البرد، لا يخلّف وراءه فقط دماراً مادياً، بل يفتح جرحاً إنسانياً عميقاً يتكرر مع كل موجة نزوح جديدة. تتحوّل الطرقات إلى مسارات هروب، والمدارس إلى مراكز إيواء، فيما يعيش الناس مشهدية لجوء متجددة داخل وطنهم.

في قلب هذا المشهد القاسي، تقف النساء والأطفال في مواجهة مباشرة مع العنف والحرب، ليغدو السؤال أكثر حدّة: كيف يمكن للعالم أن يستمر في الحديث عن منظومات حماية وحقوق إنسان، بينما تتكرر مشاهد الاستهداف المنهجي للمدنيين، وتتحول حياة الأبرياء إلى تفاصيل عابرة في نشرات الأخبار؟

تاريخ من النضال

شهد العالم العربي مسيرة طويلة من النضال النسوي، تعددت خلالها أشكاله ومقارباته النظرية وأدواته التنظيمية. غير أن اللحظة الراهنة، في ظل مشاهد الدمار والقتل الجماعي التي تتكشف على مرأى ومسمع من العالم، تضع هذا المسار أمام اختبار حقيقي. فالإبادة التي تُرتكب اليوم تكشف حدود النظام الدولي لحقوق الإنسان، وتطرح في الوقت نفسه تساؤلات عميقة حول قدرة الخطاب النسوي المعاصر على مواجهة العنف الاستعماري والعسكري.

لقد بدا لافتاً عجز المنظمات الأممية والحقوقية عن توفير الحد الأدنى من الحماية للمدنيين، وبخاصة للنساء. فالمواثيق الدولية التي دائماً ما قُدّمت باعتبارها ضمانة لحقوق الإنسان بدت عاجزة أمام آلة الحرب. اكتفت المؤسسات الدولية في كثير من الأحيان بالتوثيق وإصدار التقارير وإحصاء الضحايا، في حين استمرت المأساة على الأرض بلا رادع فعلي. هذا العجز لا يطرح فقط أزمة في فعالية النظام الحقوقي الدولي، بل يكشف أيضاً خللاً بنيوياً في آليات عمله وفي توازنات القوة التي تحكمه.

بعض تيارات النسوية الحديثة انتقلت من نقد جذري للرأسمالية إلى التماهي مع منطقها النيوليبرالي

في هذا السياق، تبرز مجموعة من التحديات التي لا يمكن للخطاب النسوي تجاهلها اليوم، تبدأ من قدرة النسوية المعاصرة فعلياً على مساءلة البنى العسكرية والاستعمارية التي تنتج هذا العنف، في وقت انحصرت في قضايا تمثيلية وإصلاحية جزئية لا تمسّ جوهر منظومات الهيمنة.

غياب مصداقية الخطابات

تزداد هذه الأسئلة إلحاحاً حين نلاحظ أن استهداف النساء في الحروب لا يكون عرضياً. فالنساء يُستهدفن بوصفهن ركائز الحياة الاجتماعية، فهن أمهات ومنجبات ومربيات وحافظات للذاكرة الجماعية. ومن هنا فإن استهداف الأرحام والأجنة، أو تدمير البيوت والعائلات، لا يهدف فقط إلى قتل الأفراد، بل إلى ضرب استمرارية الحياة ذاتها وتفكيك البنية الاجتماعية للمجتمع.

ولا يقتصر هذا المشهد على ساحة واحدة. ففي أكثر من مكان في العالم العربي، ظهرت النساء ضحايا مباشرَات للعنف المنهجي، كما في حالات الاغتصاب الجماعي والإذلال التي شهدتها بعض مناطق النزاعات بشكل خاص في السودان، حيث يُستخدم جسد المرأة ساحةً للحرب وأداةً لكسر المجتمعات.

لقد اهتزت، في ظل هذه التحولات، مصداقية كثير من الخطابات السياسية والأخلاقية التي دائماً ما تباهت بها الدول التي تصف نفسها بالديموقراطية. فالازدواجية التي تظهر في التعامل مع قضايا الحروب والاحتلالات تكشف هشاشة المعايير التي يُفترض أن تحكم النظام الدولي. وفي هذا السياق، لا بد للباحثات والناشطات في مجال قضايا المرأة من مساءلة الذات أيضاً، فإلى أي مدى أسهمت بعض المقاربات الفكرية في إعادة إنتاج أنماط الهيمنة بدل تفكيكها، بخاصة أنّ انجراف الخطاب النسوي أحياناً وراء تيارات فكرية سائدة من دون مساءلتها نقدياً؟

إن الأزمة التي نواجهها اليوم ليست فقط أزمة سياسية أو إنسانية، بل هي أيضاً أزمة معرفية. فالحرب الراهنة كشفت حدود كثير من المفاهيم التي استُخدمت في تحليل قضايا المرأة. كما كشفت الحاجة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين النسوية والسياقات التاريخية والاجتماعية التي تنشأ فيها.

تحديات النسوية العربية

تواجه النسوية العربية، في هذا السياق، مجموعة من المعضلات الفكرية من أبرزها معضلة العلاقة مع النسوية الغربية، إذ هل ينبغي تبنّي نماذجها كما هي، أم إعادة صياغتها بما يتناسب مع السياقات المحلية؟ وهناك أيضاً معضلة الربط بين العمل المعرفي والعمل السياسي، ومشكلة التمويل الخارجي وما قد يرافقه من تأثير في الأولويات والأجندات.

كما تبرز معضلة أخرى تتعلق بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها العالم في ظل صعود النيوليبرالية. فقد أدت هذه التحولات إلى تراجع العمل النقابي والجماعي، وصعود الفردانية بوصفها قيمة اجتماعية مهيمنة. وفي هذا السياق، تشير الفيلسوفة الأميركية نانسي فريزر إلى أنّ بعض تيارات النسوية الحديثة انتقلت من نقد جذري للرأسمالية إلى التماهي مع بعض منطقها النيوليبرالي، إذ تحوّل خطاب التضامن الاجتماعي إلى خطاب يركز على النجاح الفردي وريادة الأعمال.

هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية المشروع النسوي، لكنه يطرح الحاجة إلى إعادة التفكير في أهدافه وأدواته. فالنسوية، في جوهرها، ليست مجرد حركة للمطالبة بحقوق النساء داخل البنى القائمة، بل هي نضال سياسي أوسع ضد كل أشكال الهيمنة والاستغلال واللاعدالة.

تطوير الخطاب النسوي

ومن هنا تبرز ضرورة تطوير خطاب نسوي عربي أكثر نقدية وسياقية، يستند إلى تجارب النساء الفعلية في مجتمعاتهن، ويُعيد وصل قضايا الجندر بأسئلة التحرر والعدالة الاجتماعية. فبدل الاكتفاء بإحصاء عدد النساء اللواتي وصلن إلى مواقع القرار، ربما يكون من الأجدى الإصغاء إلى تجارب النساء في ظروف الحرب والفقر والهجرة والتهميش، وتحويل هذه التجارب إلى مصدر لإنتاج مفاهيم جديدة.

فقد قدّمت المرأة الفلسطينية نموذجاً مختلفاً للصمود والمقاومة. على مدى ما يقارب القرن، لعبت النساء دوراً محورياً في مواجهة الاضطهاد العسكري والسياسي والثقافي، وفي الحفاظ على تماسك المجتمع تحت ظروف قاسية. وهذا النموذج يضع الحركات النسوية أمام تحدي تأسيس شراكة قائمة على التضامن مع قضايا التحرر، عوضاً من الانخراط تدريجياً في منظومات استهلاكية أفقدتها بُعدها السياسي.

فرصة جديدة

ما يحدث اليوم قد يكون لحظة قاسية، لكنه قد يكون أيضاً فرصة فكرية لإعادة بناء الخطاب النسوي على أسس أكثر عمقًا وصلابة. فالمراجعة النقدية للمفاهيم، وإعادة التفكير في علاقة النسوية بالسياسة والاقتصاد والتحرر الوطني، قد تفتح أفقاً جديداً أمام حركة نسوية أكثر قدرة على مواجهة تحديات العصر.
وفي عالم يزداد فيه العنف والتفاوت والهيمنة، ربما يكون التحدي الأكبر هو استعادة المعنى السياسي لفكرة التضامن. فالنسوية، في نهاية المطاف، ليست مجرد خطاب عن النساء، بل مشروع تحرري يسعى إلى إعادة التفكير في العدالة والإنسانية والمصير المشترك.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك