حورية بوثلجة: لا يمكن فهم ذكورية الجنوب من دون عنف الرأسمالية
في حوارنا معها، ترى حورية بوثلجة أنّ الخطاب الأوروبي حول فلسطين يتحرّك غالباً في إطار إنساني، مع تراجع في شرعية إسرائيل مقابل انقسام الرأي العام بين مناهض للصهيونية

في حوارنا معها، ترى حورية بوثلجة أنّ الخطاب الأوروبي حول فلسطين يتحرّك غالباً في إطار إنساني، مع تراجع في شرعية إسرائيل مقابل انقسام الرأي العام بين مناهض للصهيونية، ومعاد لإسرائيل بدوافع معادية للسامية، وغالبية غير مبالية. وتدعو المناضلة والكاتبة الجزائرية - الفرنسية إلى مقاربة ديكولونيالية ترفض هيمنة النسوية الليبرالية الغربية من دون إنكار العنف الداخلي في مجتمعات الجنوب، عبر ربط الذكورية بالعنف البنيوي للرأسمالية والإمبريالية، والتمييز بين العنف العمودي الذي تتعرّض له شعوب الجنوب والعنف الأفقي الذي يُعاد إنتاجه داخلها. وتخلص إلى أنّ النسويات لا يحتجن مشروعاً موحّداً بقدر ما يحتجن تحديد عدوّهنّ الرئيسي وفقاً لمواقعهنّ في الانقسام العرقي العالمي، فيما يبقى مشروع التحالف بين ورثة التاريخ الاستعماري في أوروبا ممكناً فقط إذا حدثت معجزة.
ارتبط اسم بوثلجة بأشدّ النقاشات حدّة حول العِرق والذاكرة الاستعمارية في فرنسا المعاصرة. وُلدت عام 1973 في قسنطينة في الجزائر، ونشأت في فرنسا. تنتمي إلى جيل تشكّل وعيه في ظلّ إرث الاستعمار الفرنسي وتبعاته الاجتماعية والسياسية على أبناء المهاجرين وأحفاد الشعوب المستعمَرة داخل الجمهورية.
برز اسمها على الساحة بوصفها من المؤسسين والناطقة باسم حزب «أهالي الجمهورية» (Parti des Indigènes de la République) الذي تأسّس عام 2005. تتمحور أطروحات بوثلجة حول نقد جذري للنموذج الكوني الفرنسي، الذي يعلن أنه لا يعترف إلا بالمواطنين الأفراد من دون اعتبار للأصل أو الدين أو العِرق. بلغ هذا الطرح ذروته في كتابها «Les Blancs, les Juifs et nous» الصادر عام 2016، إذ طرحت عبره قراءة نقدية للعلاقات بين المجموعات العرقية والدينية في فرنسا، متناولةً قضايا مثل الإسلاموفوبيا، وسياسات الذاكرة المرتبطة بالمحرقة، ومفهوم «البياض» بوصفه موقع امتياز سياسياً. وتدعو إلى ما تسميه «سياسة الحب الثوري»، أي إعادة صياغة أشكال التضامن على أسس تتطلّب تحوّلات جذرية في مواقع القوة، لا مجرد تعايش سطحي
■ غالباً ما تُحصر النسوية بمطالب قانونية أو حقوقية جزئية. مع مشاهد الإبادة في غزة اليوم، هل ما يزال هذا التعريف كافياً؟ كيف تعيدين تعريف النسوية انطلاقاً من هذه اللحظة التاريخية؟
مَن يرى أنّ النسوية هي مجرد أيديولوجيا هدفها تحرّر النساء فقط، وأنّها مفصولة عن حركة التحرر والمقاومة كفكرة، مخطئ تماماً. لذا، فإنّ تعريف النسوية كفكرة أساسها كسر الهيمنة ومقاومة أنظمة الهيمنة، إذ إنّ الأبوية والسلطوية مرادفان للاستعمار والاحتلال، كلاهما وجهان للنظام العالمي. حصر النسوية بمجرد إصلاحات أو مطالب قانونية تخيّل غير واقعي عن أنّ المعارك منفصلة وأن الإصلاحات في ظل نظام عالمي مهيمن وداعم للاستعمار لن تنجح.
■ كشفت الإبادة عن استهداف شامل للحياة، بما فيها أجساد النساء، داخل مشروع استعماري طويل. كيف غيّر ذلك فهمنا للعلاقة بين الجسد الأنثوي والعنف الاستعماري؟ وهل يفرض تطوير أدوات تحليل نسوية جديدة؟
ركن أساسي في الفكر الاستعماري، خاصة المبني على أساس عرقي، هو العنف الجنسي وانتهاك أجساد نساء (الآخر). فجزء من بناء دولة الاحتلال قام عبر اغتصاب النساء في النكبة، وامتداد الانتهاكات التي ترى في أجساد المرأة ساحة معركة، بالإضافة إلى تعاملهم مع النساء بصفتهنّ حاملات المستقبل عبر فكرة الولادة. ويتخطى هذا الموضوع حرب الإبادة، ويظهر في التعامل اليومي مع الجسد الأنثوي على حواجز التفتيش مثلاً. كل هذا يجعلنا نفكر في اللغة وكلمة جسد كمجاز أو فكرة اللغة كأداة تحليل. وكيف تتجاهل سردية النسوية البيضاء مثلاً أجساد الفلسطينيات بالكامل أو تحاول التقليل منها، واهتمامها بأجساد الإسرائيليات حتى إذا كان هذا عبر التغاضي عن جرائم موثقة وواضحة بالأرقام، والتركيز على مجرد ادعاءات، ترقى إلى أكاذيب في عدد من الأحيان، وجعلها القضية المركزية.
■ تاريخياً، ارتبطت النسوية العربية بمشاريع تحرر وطني واجتماعي. بعد الإبادة على غزة وعودة مركزية سؤال الاستعمار والسلطوية، هل يمكن الحديث عن لحظة قطيعة تفرض إعادة صياغة المشروع النسوي العربي نفسه؟ وما الذي قد يميّز «نسوية عربية ما بعد الإبادة» نظرياً وسياسياً؟
ربما تكون بداية إرهاصات النسوية العربية مرتبطة بمشاريع التحرر الوطني، إذ إن الأفكار التقدمية تساعد بعضها في الانتشار. ولكن مع الوقت، ومع استيلاء أنظمة استبدادية على الحكم، واحتكارها خطابات التحرر الوطني، بالإضافة إلى ظهور تيارات مختلفة من النسوية، وبداية سيطرة النسوية الليبرالية أو الاصلاحية على الخطاب النسوي في المنطقة، ومع حرب الإبادة، أصبحت هناك تساؤلات عدة حول كيفية الاستدعاء التاريخي للنسوية وتقاطعها مع التحرر الوطني. هناك تشكيك بحصر النسوية في خطابات المؤسسات الدولية التي ظهرت صامتة إن لم تكن متواطئةً مع الكيان الصهيوني.
هذه لحظة إعادة نظر في جوهر الأفكار بحدّ ذاتها، فعدد كبير من النسويات في المنطقة بات يحاول الإجابة عن كيفية الحديث عن حقوق النساء من دون وجود النساء بحدّ ذاتهن اللواتي قتلهن في الحرب، والتقاطعية بين انتصار فلسطين وحصول النساء على حقوقهن.
بشكلٍ عملي، ربما تفكر النسويات الآن في محاولة بناء تحالفات قاعدية حقيقية لا تتبع المعايير الدولية، التي أثبتت ليس فقط فراغها، بل إنّها سُنّت لقتل شعوبنا وشعوب الجنوب.
ولكنني أرى أيضاً أنّه إلى جانب حركات التضامن الواسعة التي كانت عابرة للحدود وقادتها مجموعات من ذوي خلفيات مختلفة، يجب أن نحاول أن نشرح لمجتمعاتنا أن النسوية ليست فكرة غربية، وأن نستفيد منها أيضاً للتفريق بين خطابات ضد الصهيونية وخطابات ضد اليهود في المطلق، أو التوضيح للناس أنّ بعض التظاهرات تقودها مجموعات من مجتمع الميم عين، وأن العناوين الكبيرة لا تحددك، بل موقفك من الإبادة هو الذي يفعل ذلك. يجب أن نتمكن من بناء منظومة يصبح فيها جوهر المساواة القائم على الهدم من أجل البناء: أي هدم كيان عنصري لبناء مستقبل إنساني يجمع كل المضطهدين.
■ بعد 7 أكتوبر 2023، تصاعد نقد النسوية الليبرالية المرتبطة بالمؤسسات الدولية والأطر الحقوقية الضيقة. هل تعتقدين أنّ اللحظة تفرض جردة حساب داخل الحركة النسوية العربية لاستعادة استقلاليتها السياسية والمادية؟ وكيف يمكن تحقيق ذلك من دون الوقوع في عزلة؟
- بالتأكيد، ربما الخدمة التي قدمتها المنظمات الدولية خلال الحرب أنّها كشفت عن وجهها القبيح الحقيقي، وأظهرت كيف أنّ الأحاديث عن حقوق الإنسان أو المرأة أو الأقليات أو الحريات، ما هي إلا سلاح في يدهم للتحكم بالعالم ككل. لكنّ هذا لا يعني أن نكفر بتلك الأفكار. على العكس، ينبغي أن نعيد امتلاكها بشكل حقيقي.
يجب أن نفكّر في طرق جديدة للعمل المشترك غير قائمة على النمط الرأسمالي، ولا طرق عمل المنظمات الحقوقية التي تتبع فكرة «المشروع»، فعدد لا بأس به من هذه المؤسسات يتعامل مع فكرة الحقوق على أنّها «ترند» فتصنع مشروعاً يتفق مع توجّهات المؤسسات المانحة ودولها، ولا تؤمن بالتراكم أو إعطاء أدوات للنساء حتى يحددن أولوياتهن، بل تخلق مساحة من «النسوية الأليفة» التي لا تصطدم بالهياكل الدولية ولا الأفكار المؤسسة للنظام العالمي.
هناك تحوّلات حقيقية في أوروبا تتعلّق بالصهيونية وبطابعها العنصري والاستعماري
سؤال العزلة سؤال مهم، لكن هل العزلة التي قد تحدث في حالة عدم وجود مظلة مشتركة دولية للنسويات، أهم من العزلة التي تفرضها المؤسسات الدولية على النسويات اللواتي يُعزلن عن مجتمعاتهن؟ باتت هناك مساحات عالمية بديلة وأوسع تتسع في العالم لمجموعات تقدمية ضد الاستعمار والاحتلال. ومن هنا، يمكن بناء مجموعات نسوية جديدة تضع فكرة المقاومة والتغيير لكل الأنماط السلطوية في قلب تحركاتها.
■ عكست الأشهر الماضية شرخاً واضحاً بين الخطاب النسوي في العالم العربي ونظيره في الغرب. بدا أنّ سقف كثير من المواقف الغربية توقّف عند المطالبة بوقف إطلاق النار من دون مساءلة بنية الاستعمار نفسها. في هذا السياق، هل ما يزال ممكناً بناء تحالف نسوي عابر للحدود على أسس مشتركة، أم أننا أمام مسارات سياسية ومعرفية منفصلة؟
- منذ يوم السابع من أكتوبر، اتضح بشدة أن محاولات التغاضي عن الاختلافات البنيوية للنسويات أصبح أمراً محكوماً عليه بالفشل.
ربما تكون هناك مساحة مفتوحة للنقاش والحوار المتبادل بين مجموعة ترى أنّ وقف إطلاق النار هو الحل، ولكن على من يؤمن بفكرة تفكيك البنية الاستعمارية أن يضع هؤلاء أمام أنفسهم. مًن يضع المعتدي والمعتدى عليه، والمجرم والضحية في الكفة نفسها، ويساوي بينهم، تجب مساءلته إذا كان/ت نسوياً/ة حقيقياً، فهل يقبل أن يضع الفئات الأضعف ومنهن النساء في الكفة نفسها مع السلطة الأبوية؟ ربما نستطيع عبر عدد من هذه النقاشات أن نكسب أعداداً أكبر لمعسكرات تفكيك البنى الاستعمارية. لذا، أرى أنه يجب أن تكون هناك مسارات مختلفة، ولكنها ليست منغلقة، بل منفتحة طوال الوقت على النقاش. وفي أحيان قليلة يمكن الاتفاق على نقطة واحدة، ولكن علينا أن لا نصمت ونشرح أنّ هذه النقطة لا تسبح في الفضاء، ويجب ربطها بتفكيك البنى الاستعمارية ودولة الاحتلال.
■ إلى أي حد أثّرت سنوات القمع والسجن والمنع من التنظيم في البنية الداخلية للحركات النسوية في مصر؟ وهل أدّى ذلك إلى تحوّل في أشكال العمل أو الخطاب النسوي؟
بشكلٍ عام، القمع الذي تشهده مصر من حيث إغلاق كامل للمجال العام أثر في الحراك السياسي ككل وبالتأكيد الحركات النسوية (أريد أن أتساءل: هل توجد حركات نسوية في مصر أم مجرد نسويات، ولكن ربما هذا ليس مكانه الآن) ليست استثناء.
نرى أنّ الحلقية زادت إلى حد ما في الخطاب النسوي، وعدم الانفتاح على قضايا المجتمع، ببساطة لأنّ النظام المصري نجح في خلق حالة من عزل النضالات المختلفة عن بعضها. وجد الخطاب النسوي المتنفس له الأساسي في الفضاء الإلكتروني. ورغم أنّ الفضاء الإلكتروني هو ـ نظرياً ـ مساحة واسعة تتخطى الجغرافيا وصعوبات التواصل، ولكن هذه خدعة في نظري، إذ إنّ هذا الفضاء ليس واحداً، بل إنّه خلق فقاعات لكل مجموعة تدور فيها، وهو ما عزل مثلاً النسويات عن النضالات العمالية، التي كان ممكناً أن تكون رئة لبناء حركة نسوية يسارية تقدمية مرتبطة بالشارع المصري، ولا تبدو كأنّها نتاج لأفكار غريبة.
كل هذا جعل الخطاب النسوي يرتكز بشكل أساسي على الجرائم التي تقع ضد المرأة أو الإصلاحات القانونية في عدد من القوانين.
■ في الأشهر الماضية، بدا أن التضامن الشعبي مع غزة أعاد، ولو جزئياً، تسييس الشارع المصري. كيف قرأتِ هذه اللحظة؟ وهل يمكن أن تشكّل فلسطين مدخلاً لإعادة تسييس المجال العام والنسوي في مصر؟
- القضية الفلسطينية جوهر أساسي في الحراك السياسي المصري تاريخياً. كي نرى إرهاصات الثورة المصرية في 2011، يجب أن نعود إلى تظاهرات الانتفاضة ومحاولات القوى السياسية تنظيم نفسها مثلاً في اللجنة الشعبية للتضامن مع الشعب الفلسطيني في الانتفاضة الثانية، فهي كانت محاولة لبناء جسور بين القوى السياسية والحزبية والنقابية وبين الشارع المصري الذي يتفق فيه جميعاً حول أنّ مصير فلسطين هو مصير مصر وأن العدو مشترك.
على ما أظنّ، فغالبية المهتمين بالسياسة من أجيال مختلفة كان مدخلهم هو القضية الفلسطينية، واهتمامهم بها، فهي قضية عابرة للطبقات، وفي الوقت نفسه تجعل المواطن يتابع مواقف الأنظمة المصرية المختلفة.
أثناء الحرب، كانت هناك محاولات للقيام بتحركات نسوية للتضامن مع فلسطين والسودان، ما أسفر مثلاً عن محاولة تنظيم مسيرة نسائية صغيرة في شوارع القاهرة في 8 آذار (مارس) 2024، وتنظيم وقفة نسائية أمام مكتب الأمم المتحدة للنساء في نيسان (أبريل) 2024. كانت هناك محاولات على استحياء لبناء خطاب نسوي يساري، ليس فقط في ما يخص القضية الفلسطينية وحرب الإبادة، ولكن أيضاً قضايا اجتماعية عدة.
■ هل لمستِ لدى الأجيال الجديدة من الشابات في مصر وعياً مختلفاً يربط بين الحرية الفردية والقضايا الكبرى مثل الاستعمار والسلطوية والعدالة الاجتماعية؟ وهل أسقطت لحظة غزة الحدود التقليدية بين ما هو «نسوي» وما هو «سياسي»؟
- ستظل لحظة
■ هل تغيرت طبيعة التزامك السياسي عندما انتقلتِ من العمل الحزبي إلى العمل الإعلامي؟ وما غيّر هذا الانتقال في أساليب نضالك؟
ما تغيّر هو أننا اضطررنا إلى التخلي عن هدفنا الأول الذي كان يتمثل في تطوير منظمة ديكولونيالية مستقلة، وفضاء سياسي مستقل في صراع مع ما نسمّيه «المجال السياسي الأبيض»، أو بعبارات أكثر وضوحاً «المركزية الغربية». لقد ابتعدنا حينها عن المنظمات الميدانية والتجمعات المناضلة، وانكفأنا على نمط دعائي، في حين كنا قبل ذلك نركز جهودنا على تكوين الكوادر السياسية وإنشاء جبهات نضالية واسعة ضد «الإسلاموفوبيا» وجرائم الشرطة أو من أجل فلسطين.
■ لقد شاركتِ في تأسيس حزب «أهالي الجمهورية» وأنتِ اليوم جزء من منصة «Paroles d’honneur». لماذا هذا الانتقال من التنظيم السياسي إلى التدخل الإعلامي؟ هل كان خياراً استراتيجياً، أم تعبيراً عن استحالة متزايدة للعمل السياسي مع اليسار الغربي الأبيض الذي يتعامى عن مناهضة الصهيونية والعنصرية وغيرها؟
هذا الانتقال فرضته الظروف، لم يكن رغبة بل قراراً استراتيجياً. لقد أصبح من المستحيل في فرنسا خوض صراع سياسي جبهوي لأن المنظمة التي كنت أنتمي إليها، «أهالي الجمهورية»، أصبحت «منبوذة سياسياً»، لأننا فرضنا في فرنسا نظرية سياسية جديدة قائمة على مفهوم «العرق الاجتماعي» الذي نرى أنه يهيكل العلاقات الاجتماعية بين الدولة الرأسمالية/ الإمبريالية والمجتمع. لقد أدت شيطنتنا في النهاية إلى عزلنا تماماً. وبدت لنا المنصة الديكولونيالية «Paroles d’honneur»، ملجأً وفي الوقت نفسه وسيلة أخرى لمواصلة النضال. فالوسيلة الإعلامية أكثر طمأنة من المنظمة السياسية، وهي بالتالي مكان تزداد فيه هوامش مناورتنا. ومنذ ذلك الحين، اكتسبنا جمهوراً ومشروعية أكبر.
■ ما هو موقفك اليوم (تحالف، توتر دائم، أم قطيعة تامة) تجاه اليسار الفرنسي والأوروبي وقدرته على التفكير في الاستعمار، والعرق، والإمبراطورية إلخ (خاصة بعد 7 أكتوبر)؟
يتوقّف الأمر على أيّ يسار نعنيه. لقد كنّا على الدوام في علاقة تحالفٍ متصارعة مع أقصى اليسار، بسبب مفهوم «العرق» من جهة، ولأنّنا أيضاً كشفنا النزعة الأورومركزية ليسارٍ راديكالي يرى نفسه ثورياً لكنه يظلّ أبيض إلى حدّ بعيد. مع ذلك، لم يمنع هذا من تحقيق تقدّم حقيقي. مع ذلك، لم يحُل هذا التوتّر دون تسجيل تحوّلات فعلية. قبل عشرين عاماً، كان هذا اليسار في معظمه يتبنّى خطاباً مشوباً بعداءٍ واضح للإسلام. أمّا اليوم فقد برز يسار قطيعة، لا يزال إصلاحياً من حيث الأفق، لكنه أكثر جذرية في مواقفه، ويتمثّل خصوصاً في حزب «فرنسا الأبيّة» (La France Insoumise)، الذي يتبنّى مكافحة الإسلاموفوبيا ويحافظ على موقف حازم إزاء فلسطين. وسط المشهد العام المأزوم، يشكّل ذلك ركيزةً مهمّة. وقد كان 7 أكتوبر بمنزلة اختبار حقيقي، إذ تمكّن حزب «فرنسا الأبيّة» إجمالاً من الحفاظ على قدرٍ من الثبات والاتّزان أمام ضغوطٍ كانت بالغة الحدّة.
■ غالباً ما توصفين بالمتشائمة. هل هو تشاؤم تعبوي يهدف إلى تغذية المقاومة وطريقة لرفض الأوهام، أم أنّه نابع من معاينة حدود الفعل السياسي في اللحظة الراهنة؟
لقد قُبض على الرئيس الفنزويلي مادورو بسهولة محيّرة وبدعم ضمني من جزء كبير من الرأي العام الغربي، بما في ذلك اليسار، لأنه «ديكتاتور». واغتيل خامنئي للتو بالسهولة نفسها، ولن يتأثر الرأي العام بذلك لأنّه «ملّا». ولا أتحدث هنا عن الإبادة الجماعية في غزة أو الإبادة البيئية للكوكب... لا يوجد أي سبب للتفاؤل.
■ هل فعلاً تغيّر الخطاب حول فلسطين في أوروبا، أم أننا نشهد مجرد توسع في الدعم الإنساني من دون مراجعة عميقة للهياكل الاستعمارية والعنصرية؟
ليس في أوروبا وجهة نظر واحدة بشأن المسألة. يمكنني القول إنّ الخطاب الإنساني هو السائد. لكن هناك تحوّلات حقيقية تتعلّق بالصهيونية وبطابعها العنصري والاستعماري. أعتقد أنّ إسرائيل فقدت جزءاً كبيراً من شرعيتها منذ 7 أكتوبر، بل وحتى قدراً من التعاطف الذي كانت تستمدّه بوصفها «دولة الناجين من المحرقة».
النخب وحدها تبدو مؤيّدة لإسرائيل. أمّا الرأي العام، فينقسم، في تقديري، إلى ثلاثة تيارات: تيار معادٍ لإسرائيل بدافع معاداة السامية أساساً، وتيار مناهض للصهيونية، وهو في توسّع رغم القمع، وتيار ثالث غير مبالٍ. وهذا الأخير هو الأوسع.
■ في رأيك، كيف يمكن أن نمنع استحواذ النسوية الليبرالية الغربية على نضالنا النسوي، من دون أن نقع في تهميش أو إخفاء أشكال العنف الداخلية في مجتمعاتنا؟ وكيف يمكن مقاربة هذه الانتهاكات الداخلية من دون تقديم ذرائع إضافية لنسوية بيضاء تسعى دائماً إلى «إنقاذ» نساء الجنوب العالمي الذي تصفه بـ«المتخلّف»؟
أعتقد أنّ الاحتياط الواجب هو وضع رجال الجنوب العالمي في مواقع القوّة الفعلية التي يشغلونها. رجال العالم لا ينتمون إلى الإنسانية ذاتها ولا إلى البطريركية ذاتها. فالبطريركيات نفسها هرمية، وتُرتَّب وفقاً لقوّة الدول التي تنتمي إليها.
إنّ النزعة الذكورية لدى القوى الغربية وقدرتها التدميرية لا تُقاسان بالنزعة الذكورية لدى الدول المُهيمن عليها. وهذه الأشكال من الرجولة تنعكس بدورها على الأفراد.
من البديهي أنّ رجال مجتمعات الجنوب يولدون وهم محمّلون بتفويضٍ ذكوري، لكن من الواضح أيضاً أنّهم لا يمتلكون الوسائل نفسها لتحقيق هذا التفويض كما هي حال رجال الشمال الذين يحوزون سلطة أوسع. هذا العجز يولّد لديهم عنفاً، ويجعلهم أكثر تشبّثاً برجولتهم التي قد تبدو الكرامة الوحيدة المتبقية لهم. وأضيف أنّ رجال الجنوب يتعرّضون لعنفٍ بنيوي لا وجه للمقارنة بينه وبين ما يتعرّض له رجال الشمال، الذين يتمتّعون بحماية أكبر بكثير.
وإذا كان هؤلاء الرجال يمارسون العنف ويطوّرون أشكالاً من الذكورية السامّة تجاه النساء في محيطهم، فلا بدّ من الاعتراف بذلك، مع تجنّب التحليلات المتسرّعة ذات الطابع الثقافوي. لا يولد الإنسان رجلاً، بل يصبح كذلك. ولا يولد الرجل عنيفاً، بل يُصبح عنيفاً. المطلوب هو التمييز بين العنف العمودي الذي يقعون ضحيته (الإمبريالية، السلطوية...) والعنف الأفقي الذي يعيدون إنتاجه، وهو في جوهره نتاج العنف الأول.
لا أعتقد أنّه يمكن إجراء تحليل جادّ للذكورية غير البيضاء، المنتشرة في مختلف بلدان الجنوب العالمي، من دون ربطها بعنف الرأسمالية. انظروا إلى هذه الأسماء: صدام حسين، القذافي، غباغبو، نصر الله، مادورو، خامنئي… جميعهم قادة دول أو تنظيمات في الجنوب العالمي. لم يمتلك أيّ منهم القدرة على الإفلات من النزعة الذكورية المُسلّحة للغرب، رغم استعراضهم لذكورية خطابية خاصة بهم. رجال الشعوب المُهيمن عليها هم، إلى حدّ ما، على صورتهم.
إنّ نسوية ديكولونيالية لا يمكنها أن تتجاهل هذا التحليل. فهذه هي الطريقة الوحيدة لتجنّب الوقوع في التوظيف أو الاستغلال السياسي.
■ هل تحتاج النسويات العربيات، هنا وفي أوروبا، إلى مشروعٍ سياسيّ مشترك، أم أنّ السياقات الوطنية تفرض أولوياتٍ متباينة إلى حدّ يصعب معه تصوّر استراتيجية موحّدة؟
لا. ينبغي الفصل بينهنّ، بهدف الاجتماع ربما يوماً ما، حين تتحدّد أهداف كلّ طرف بدقّة كاملة. فالمهمّة ليست واحدة تبعاً للموقع على ضفّتي الانقسام العرقي.
المهمّة الأولى للنسويات البيضاوات هي فكّ «الميثاق العرقي» الذي يربط نساء الشمال ببرجوازيتهن، أو بعبارة أخرى، الذي يُنشئ رابطة عضوية بين مصالح النساء البيضاوات ومصالح الدولة الإمبريالية. لقد كانت سيمون دو بوفوار مصيبة حين قالت: «برجوازيات هنّ متضامنات مع الرجال البرجوازيين، وبروليتاريات هنّ متضامنات مع الرجال البروليتاريين، لا مع النساء السود». لم يعد بإمكان أمميتهن أن تكون إنسانوية فحسب، يجب أن تكون سياسية، وهذا يمرّ عبر خيانة الميثاق العرقي.
أمّا نسويات الجنوب، فعليهنّ، في رأيي، العمل على تحديد العدوّ الرئيسي. العدوّ الرئيسي هو ذاك الذي يمتلك القدرة على زعزعة العلاقات الاجتماعية، وصناعة الانقسامات الجندرية والدينية والإثنية، وتحويلنا إلى أعداء لأنفسنا. وقد أجاب جيمس بالدوين على أودري لورد حين شكت عنف الرجال السود قائلاً: «لإنهاء أمر هؤلاء الرجال السود، ينبغي إنهاء الغرب».
■ في أعمالك، دعوت إلى بناء تحالفات بين ورثة التاريخ الاستعماري في أوروبا. هل ترين أنّ هذا المشروع ما يزال ممكناً اليوم؟
إذا حدثت معجزة، نعم. السابع من أكتوبر فارقة في التاريخ عامة، فقد أظهرت بشدة أنّ القمع المتمثل في فلسطين في دولة الاحتلال وفي منطقتنا في الأنظمة السلطوية، لم ينعم بالهدوء من دون مقاومة. ربما يختلف بعض الناس حول تقديرات الفعل في السابع من أكتوبر نفسه، ولكن أظنّ أنّه أوضح ضرورة التفرقة بين من هم مؤمنين بالمقاومة كفكرة أساسية لتغيير الواقع، وبين من يحاولون الإبقاء على البنية الاستعمارية في محاولة الحديث عن العقلانية والمنطق في المطلق، وأن فكرة المقاومة كفكرة مجردة هي فكرة خاسرة (ربما يكون هناك أشخاص لديهم تقديرات حول الأثمان التي دفعت في السابع من أكتوبر وما بعدها، وبين ما حققته ولكنهم ليسوا ضد فكرة المقاومة في المطلق).
بالتأكيد، هناك بشكل عملي رؤية بأن الحرية في منطقتنا لن تحدث سوى بانتهاء الكيان الصهيوني، وأصبحت الأجيال الأصغر تميل أكثر إلى أفكار مثل الديكولونيالية أو تتساءل حول مفاهيم مثل الحداثة أو الحرية، وما إذا كانت تحمل المفاهيم نفسها مثل الآخرين.
كعادتها، تعرّي فلسطين دائماً النظام العالمي ومنظومته الفكرية، فتمحي فكرة الثنائيات الحادة وتعزز فكرة التقاطعية بوضوح، لكنها ليست تقاطعية مبنية على أفكار نيوليبرالية، بل تقاطعية تقدمية.
■ في ظل هذا التحوّل العنيف في المنطقة، والإبادة والانغلاق السياسي، ما الذي يمنحك اليوم الإيمان بإمكانية بناء مشروع نسوي عربي جديد قادر على إنتاج أفق سياسي وتخيّل مختلف للمستقبل؟
- حركات التضامن العالمية العابرة للجنسيات والإثنيات والميول الجنسانية تمنحني أملاً كبيراً، وأيضاً ربما أظلّ مديونة للمقاومة كفكرة للاستمرار في المحاولات. الخطاب النسوي والسياسي تطوّر، ويتم فرز الأفراد بحسب المواقف، وهذا أيضاً يمنحني إحساساً بأنّ هناك حركة. وحيثما وجدت الحركة، وجد التغيير.

