الحرب الإسرائيلية الأميركية طالت المعالم التاريخية الإيرانية: الهمج يدمّرون ذاكرة العالم
في سياق الحرب الأميركية ــ الإسرائيلية على إيران، لا يقتصر الاستهداف على البنية العسكرية أو السياسية، بل يمتد إلى الذاكرة الحضارية نفسها. فقد طالت الضربات مواقع أثرية بارزة في أصفهان وطهران ولورستان


في سياق الحرب الأميركية ــ الإسرائيلية على إيران، لا يقتصر الاستهداف على البنية العسكرية أو السياسية، بل يمتد إلى الذاكرة الحضارية نفسها. فقد طالت الضربات مواقع أثرية بارزة في أصفهان وطهران ولورستان، مهدّدة معالم فارسية عريقة تشكّل جزءاً من التراث الإنساني، وسط تحذيرات دولية من مخاطر تدمير هذا الإرث التاريخي
لا ينحصر العدوان الأميركي – الإسرائيلي على الأهداف المزعومة بـ«تغيير النظام». إلى جانب المجزرة المروّعة في اليوم الأوّل في إحدى المدارس الإيرانية، وقصف البنى التحتية المدنية، تواجه الحضارة الفارسية المتجذّرة في عمق التاريخ، حرباً ممنهجة من قبل «إسرائيل» التي لا تاريخ لها.
في هذا الإطار، أدّت الضربات العسكرية على مدن عدّة إلى تدمير أو إلحاق الضرر البالغ بمجموعة من أبرز المعالم التاريخية في إيران، ما أثار موجة قلق واسعة في الأوساط الثقافية والدولية. فالمواقع التي صمدت قروناً طويلة أمام الغزوات والتحولات السياسية، تجد نفسها اليوم عرضةً لأضرار جسيمة نتيجة العدوان الثنائي، في وقت تحذّر فيه منظمة اليونسكو من أن التراث الثقافي في المنطقة بات مهدداً بصورة غير مسبوقة.
وتؤكد تقارير وصور نشرتها السلطات الإيرانية على أنّ عدداً من المعالم المدرجة على قائمة التراث العالمي تعرّض لأضرار مباشرة أو غير مباشرة جراء الضربات، خصوصاً في مدينتي أصفهان وطهران، إضافة إلى موقع أثري مهم في محافظة لورستان.
أصفهان: المدينة التاريخية في قلب الخطر
تعد مدينة أصفهان أحد أهم المراكز الحضارية في إيران، وغالباً ما توصف في الثقافة الفارسية بعبارة «أصفهان نصف العالم»، في إشارة إلى مكانتها التاريخية والثقافية. غير أنّ هذه المدينة التي اشتهرت بعمارتها الإسلامية الفريدة وأسواقها التاريخية باتت اليوم من بين المناطق التي تضرّرت معالمها نتيجة الضربات الجوية.
-
من أبرز المواقع المتضررة قصر علي قابو وحديقة تشهل ستون، اللذان يعودان إلى القرن السابع عشر خلال حكم الدولة الصفوية
ومن أبرز المواقع المتضررة قصر علي قابو وحديقة تشهل ستون، وهما معلمان يعودان إلى القرن السابع عشر خلال حكم الدولة الصفوية. وتُظهر الصور المتداولة أضراراً واضحة في الزخارف الجدارية والبلاط المزخرف، إضافة إلى تكسّر أجزاء من الألواح الخشبية المنحوتة وسقوط عناصر زخرفية كانت تزيّن الجدران والسقوف.
كما طالت الأضرار المسجد الأشهر في مدينة أصفهان، وهو أحد أبرز المعالم المعمارية في العالم الإسلامي. ويُعد المسجد شاهداً على تطور العمارة الإسلامية عبر قرون طويلة، إذ يعود تاريخ بنائه إلى أكثر من ألف عام. وتشير صور نشرتها الجهات الرسمية إلى سقوط أجزاء من البلاط الفيروزي الذي يميّز قبابه ومآذنه، بعد موجات الانفجار الناتجة من الضربات.
وتقع هذه المعالم في محيط ساحة نقش جهان، وهي إحدى أكبر الساحات التاريخية في العالم، بُنيت عام 1598 في عهد الدولة الصفوية وتضمّ مجموعة من أهم المباني التاريخية في المدينة. وتسبّبت موجات الانفجار في أضرار لحقت بعدد من المباني المحيطة بالساحة، التي تُعد بدورها موقعاً مدرجاً ضمن قائمة التراث العالمي.
أضرار في قلب طهران التاريخي
لم تقتصر الأضرار على أصفهان، إذ تعرّض أيضاً قصر جولستان في العاصمة طهران لأضرار بعد استهداف مبنى مجاور في وسط المدينة.
ويُعد القصر من أبرز المعالم التاريخية في إيران، كما يعود تاريخه إلى القرن الرابع عشر، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مقر للحكم خلال عهد السلالة القاجارية. ويتميّز القصر بقاعة المرايا الشهيرة والزخارف المعمارية الدقيقة التي تجمع بين الفنون الفارسية والتأثيرات الأوروبية.
وتُظهر مقاطع فيديو وصور متداولة أضراراً داخلية في القصر، من بينها تحطم أجزاء من الزجاج المزيّن وتضرّر بعض العناصر الخشبية والزخرفية، إضافة إلى انتشار الحطام في أجزاء من حدائقه التاريخية.
تضم إيران نحو 29 موقعاً مدرجاً ضمن قائمة التراث العالمي، ما يجعلها واحدة من أغنى الدول بالمواقع التاريخية
ويصف خبراء التراث القصر بأنّه أحد أهم الشواهد على تطور الفنون المعمارية في إيران خلال القرن التاسع عشر، كما شهد عدداً من الأحداث السياسية المهمة في تاريخ البلاد، من بينها مراسم تتويج آخر ملوك إيران في القرن العشرين.
قلعة من العصر الساساني
من جهة أخرى، تعرضت قلعة فلك الأفلاك الواقعة في مدينة خرم آباد في غرب البلاد لأضرار جسيمة جراء ضربة جوية استهدفت مبنى قريب تابع لوزارة الثقافة في محافظة لورستان.
وتعود القلعة إلى العصر الساساني، أي إلى الفترة الممتدة بين القرنين الثالث والسابع الميلاديين، وكانت تستخدم حصناً عسكرياً ومركزاً إدارياً. ويُنظر إليها بوصفها أحد أهم المعالم التاريخية في غرب إيران، كما تضم متاحف محلية تعرض آثار المنطقة.
ووفق وزارة الثقافة الإيرانية، أدّت الضربة إلى تضرر أجزاء من القلعة ومتحفين قريبين منها، بعدما دمرت الضربة مبنى الإدارة الثقافية في المنطقة.
مواقع تراث عالمي في دائرة الخطر
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، تشير التقديرات الأولية، إلى أنّ ستة معالم ثقافية على الأقل تعرّضت لأضرار حتى الآن، من بينها مواقع مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي. وتشمل هذه المواقع ساحة نقش جهان، والمسجد في أصفهان، وقصري علي قابو وتشهل ستون، إضافة إلى قصر جولستان وقلعة فلك الأفلاك.
-
طالت الأضرار المسجد الأشهر في مدينة أصفهان
وتبرز خطورة هذه الأضرار في كونها تطال مواقع تاريخية نجت عبر قرون من الحروب والتحولات السياسية، ومن الغزوات القديمة وصولاً إلى الحرب العالمية الثانية والحرب الإيرانية العراقية.
ويرى باحثون في التاريخ والثقافة أنّ فقدان هذه المعالم أو تضرّرها لا يمس إيران وحدها، بل يطال ذاكرة إنسانية أوسع، باعتبار أن كثيراً من هذه المواقع يمثل مراحل مهمة في تطور العمارة الإسلامية والفارسية.
تحذير دولي من «اليونسكو»
في هذا السياق، أعربت منظمة اليونسكو عن قلقها الشديد إزاء الأضرار التي لحقت بعدد من المواقع التراثية نتيجة التصعيد العسكري.
وأوضح مدير «مركز التراث العالمي» في المنظمة، لازار إيلوندو أسومو، أنّ التقييمات الأولية تشير إلى تضرّر أربعة مواقع مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي في إيران حتى الآن، مؤكداً على أنّ حجم الأضرار ما يزال قيد التحقق.
وقال المسؤول الدولي إن المنظمة «قلقة بشدة من التأثير الأولي للأعمال العدائية على مواقع التراث العالمي»، مشيراً إلى أنّ عمليات التحقق ما تزال مستمرة لتحديد حجم الخسائر بدقة.
-
حطام متناثر خارج المعلم التاريخي قصر جولستان بعد تضرّره جراء ضربة إسرائيلية وأميركية في طهران في 3 آذار (مارس) (تصوير: مجيد عسكرپور ــ وكالة أنباء غرب آسيا عبر «رويترز»)
كما أشارت المنظمة إلى أنّها تواصل التواصل مع أطراف النزاع من أجل تنسيق إجراءات حماية المواقع الثقافية، مشددة على أن الممتلكات الثقافية تحظى بحماية بموجب القانون الدولي.
ودعت المنظمة إلى تجنب استهداف المواقع التاريخية أو تعريضها للخطر، مذكّرة بأن هذه المعالم تمثل جزءاً من التراث المشترك للبشرية.
تراث يمتد على آلاف السنين
تضم إيران نحو 29 موقعاً مدرجاً ضمن قائمة التراث العالمي، ما يجعلها واحدة من أغنى الدول بالمواقع التاريخية التي تعكس تعاقب الحضارات على أراضيها.
وتشمل هذه المواقع معابد وقصوراً ومدناً تاريخية ومساجد تعكس تطور الفن المعماري والثقافي في المنطقة عبر آلاف السنين، من الإمبراطوريات الفارسية القديمة إلى العصور الإسلامية اللاحقة.
ويرى اختصاصيّون أنّ تدمير هذه المواقع لا يعني خسارة مبانٍ تاريخية فحسب، بل أيضاً فقدان عناصر أساسية من الذاكرة الحضارية. فالمعالم الأثرية ـــ وفق كثير من الباحثين ـــــ تشكّل رابطاً حياً بين المجتمعات المعاصرة وماضيها، وتعبّر عن الهوية الثقافية للشعوب.
لا علاقة للمواقع الحضارية مع الأهداف السياسية المعلنة للحرب على إيران، إلا أنّ حساسيّة «إسرائيل» المفرطة تجاه العمق التاريخي لحضارات شعوب المنطقة تدفعها إلى تدمير ما لا تملكه في كيانها الفتيّ، كما أشار وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي. وفي ظلّ استمرار العدوان وتوسّعه، يبقى مصير عشرات المواقع الأثرية في خطر محدق، بينما تتواصل الدعوات الدولية لحمايتها ومنع اتساع دائرة الأضرار التي قد تطال تراثاً ثقافياً يمتد لقرون طويلة ويُعدّ جزءاً من الإرث الإنساني العالمي.
