«مشروع الكرنتينا» أو... عودة المجزرة!
يعود «مشروع الكرنتينا» بوصفه خبراً يتجاوز كونه شائعة عابرة، ليكشف آليات إنتاج العنف عبر السرديات والتحريض. بين ذاكرة مجزرة 1976 واستدعائها سياسيًا اليوم، تتحول الكرنتينا إلى جهاز يعيد تفعيل الخوف والقتل الرمزي


يعود «مشروع الكرنتينا» بوصفه خبراً يتجاوز كونه شائعة عابرة، ليكشف آليات إنتاج العنف عبر السرديات والتحريض. بين ذاكرة مجزرة 1976 واستدعائها سياسيًا اليوم، تتحول الكرنتينا إلى جهاز يعيد تفعيل الخوف والقتل الرمزي، ممهّدًا لاحتمال تكرار الجريمة في واقع لم يحسم ماضيه بعد
في مثل هذه الأيام من العام الماضي، تسلّل إلى الفضاء العام خبرٌ بدا، للوهلة الأولى، كأنه عودة المكبوت إلى سطح اللغة. خبرٌ انتظره اللبنانيون طويلاً كاعترافٍ متأخر بما هو معلوم، بيد أنه مسكوتٌ عنه. ورد في الخبر (الذي طال انتظاره) الآتي: «معلومات عن العثور على مقبرة جماعية في منطقة الكرنتينا تحوي رفات عشرات الجثث، ومن المرجّح أنها تعود للحرب الأهلية اللبنانية، أثناء أعمال حفر لبناء حائط إلى جانب جامع الخضر».
لم تلبث وسائل الإعلام التي نشرت هذا الخبر، الذي أحدث رجّةً في وجدان القرّاء، خصوصاً عند أولئك الذين لا تزال ذاكرتهم مفتوحةً على جرحٍ لم يندمل، حتى دحضته. الإعلام الذي أذاع هذا الخبر سرعان ما تراجع عنه ونفاه، أو كما جاء: «لا صحة للخبر المنشور عن الكرنتينا... اقتضى التوضيح».
خبر-شائعة 1
في مقالٍ حول الموضوع، كتبنا يومذاك وعقَّبنا بما معناه، أنّ نفي الخبر ليس جزءاً من توكيد حقيقة الحدث فحسب، كون الكرنتينا كما نعلم جميعنا، مقبرة جماعية، بل إنّ نفيه لهو إطالة أمد الجريمة وإرجاؤها، في تعويم النسيان، وجعل القارئ يتغافل أنّ ذواتاً مقتولة في مجزرةٍ قد دفنت جثثها هنا في هذه الأرض المقبرة؛ وهذا محوٌ للتاريخ، وإعادة إخضاع الحقيقة للكبت.
كان قد انقضى حوالى خمسة أشهر على انتهاء حرب الستة والستين يوماً يوم نشر هذا الخبر. كانت رائحة الموت لا تزال تفوح في الأرجاء، والقتل يلفّ أيامنا السوداء.
-
«ميليشيات يمينية تحتفي بالمجزرة» جرى تلوينها. مصدرها: حساب أسعد أبو خليل. صورة مقاتل من الكتائب مصدرها مجهول.
مرّ عامٌ على ذلك الخبر الذي سارعوا يومذاك إلى إنكاره وأهمِل كشائعة عابرة، لتحضر الكرنتينا اليوم من جديد، كـ«خبر» يتكرر، في سياقٍ لا يختلف كثيراً عن لحظة ظهوره الأولى.
التاريخ دوّامة تأخذ شكلاً دائرياً في لبنان. بين خبر الكرنتينا الأول والثاني لا تتبدّل وظيفة الذاكرة ولا يتمحور أثرها: خبر/شائعة وجود مقبرةٍ جماعية نكأ الذاكرة وأعاد سيرة «الأشباح»، أي الغائبين، الذين لا يزال بعضهم معلّقاً بين رجاء العودة أو إمكان لملمة رفاتهم. أما خبر الكرنتينا اليوم، فيحرّض «شبح» الحرب، ويحثّ شهية الدم على تخيّل الكرنتينا. مرة أخرى مقبرة جماعية مفتوحة لمن يريد أن يشهد على جثثها، حيث لا يعود خبر وجود رفات وعظام جماجم قابلاً للتكذيب.
خبر- شائعة 2
أوّل من سارع إلى نفي خبر المقبرة الجماعية في الكرنتينا كانوا، على نحوٍ لا يخلو من مفارقة (وهذا تكتيك لبناني)، مرتكبي المجزرة أنفسهم. هؤلاء عينهم هم من أطلقوا خبر/ شائعة الكرنتينا الجديد، ويخوضون اليوم، من خلاله معركة الحفاظ على «نقاء» الكرنتينا؛ نقاوة الطائفة، طبعاً. فالكرنتينا، كمنطقة منكوبة، تبدو أقرب إلى جغرافيا تجذب المهملات، أي «الأشياء» و«الذوات» التي يراد لها أن تهمل وتقصى وتنفى: من مقبرةٍ (جرى إنكارها وإهمالها) إلى مكبّ نفايات. ولا يرى العاقل في ذلك أي شيءٍ نقيّ، أليس كذلك؟
بلى، كذلك. ما الخبر الجديد الذي ورد؟ في الأسبوع الماضي، قررت وحدة إدارة مخاطر الكوارث التابعة لرئاسة الحكومة إنشاء مركز إيواء للنازحين قادر على احتواء 800 نازح في منطقة المسلخ في الكرنتينا. قرارٌ لم ينضج، إذ سرعان ما أجهض من دون أن يرى النور. لم يكن قراراً ولو وصف بذلك، كان أشبه بفتيل، والحال أنه كذلك.
-
مقاتل من «الكتائب»
ما الذي حدث حقاً؟ في مقالة تحمل عنوان «الأخبار تنشر القصة الكاملة/ مشروع الكرنتينا: من أطلق العنان للمحرضين؟» للزميلة رولا إبراهيم، نخلص إلى أنّ «مشروع الكرنتينا» (كمركز إيواء) انتحل شكل غارة (إعلامية) وهمية، كأن المُراد من هذا «المشروع» ليس التنفيذ بل التفجير. أن يتحوّل الخبر إلى لغمٍ يفجّر المكبوت: (التهديد بـ) الحرب، بالأحرى إعادة تكرار المجزرة. ليس في «مشروع الكرنتينا» مشروع إذن. في هذه العبارة لغو لفظي وتلاعب دلالي؛ هذه العبارة تحتوي فقط على الكرنتينا، اسم «المنطقة» الذي يحمل في الوعي الجمعي مشروع حرب-مجزرة.
تاريخ طويل من الدم، نزفته أجساد نحيلة غدت جثثاً لمجرد أنها كانت على عداء مع إسرائيل
ما إن شاع خبر «مشروع الكرنتينا» حتى بدأت حملة التحريض على المهجَّرين من منازلهم جراء الحرب مع إسرائيل، من قبل اليمين الماروني ورفاقه في الطبقة الثقافية والاقتصادية، من سياديين و«صبعطعش تشرينيين» ومن لف لفيفهم. طفت الذكريات من جديد مع عودة شبح الحرب، وبدأ لعاب الفاشيين يسيل متوعدين تكرار ما فعلوه سابقاً.
المريب، والمثير للتساؤل أنه قبل صدور «مشروع الكرنتينا» بيومٍ واحد فقط، انفجرت منصة إكس بخريطةٍ تظهر مناطق متلاصقة، تربط بين برج حمود والنبعة والكرنتينا، وكأنها تهيئ الأرضية لما سيأتي. تداول الفاشيون هذه الخريطة وبدأوا حربهم قبل صدور القرار (الذي لم يصدر) في اليوم التالي، محذرين من «خطر ديموغرافي» داهم، واستحضروا أدبيات الحرب الأهلية، ونظروا إلى مناطق تلك الخريطة من منظار «الجيوب المشبوهة» وهي التهمة الطارئة التي سبقت حدوث المجزرة بقليل. هل هناك غرفة عمليات أو ما يشبه المطبخ «التحريري» في الكواليس، يجمع بين ناشطي إكس ومن يدير البلد؟
ملاحظتان
يبدو أنّ حرب السرديات قد غادرت شكلها الكلاسيكي، حيث كان الصراع يدور حول إخفاء الحقيقة أو تشويهها، لتدخل طوراً أشدّ تعقيداً: إنتاج الواقع. لم يعد الكذب والذرائع أقنعةً تحجب الوقائع بل غدت بنى مولِّدة لها، تصنع عالماً موازياً وتحكم إغلاقه على الذوات لتغدو أسيرة ما تسمعه وما تقرأه وما تراه وليس ما يحدث فعلاً.
هكذا يتبدّى ما يسميه جان بودريار «الواقع الفائق»، حيث لا تعود العلاقة بين العلامة والمرجع، أي بين الحدث وأثره، علاقة تمثيل بل علاقة استباق وإحلال: «الخريطة تسبق الإقليم»، كما يعرّف. بهذا المعنى، كلما ذُكرت الكرنتينا في السياق السياسيّ تستحضر تلقائياً المجزرة كحدث حتميّ. الاسم هنا ليس دالاً محايداً، بل جهاز استحضار وتكرار.
-
(دون ماكيولين)
والحال هذه، صار الخبر الزائف بكل تفرّعاته من إشاعة وذريعة وكذب، أبعد من قتلٍ للحقيقة؛ إنّه فعل محاكاة يفرض أثر ما تفرضه الذاكرة، محفزاً العنف لبلوغ ذروته: حين يُمهَّد للقتل الواقعي عبر تثبيت صورته مسبقاً في المخيّلة، فيغدو التنفيذ، عند وقوعه، مجرد تحصيل حاصل.
ملاحظة رقم 2: حظيت منطقة الكرنتينا في الأعوام الأخيرة باهتمام ملحوظ من المختصين بالتنظيم المدني والعمارة يعملون مع جمعيات غير حكومية ومع الجامعة الأميركية في بيروت، إذ نظروا إليها كمكان مهمّش في سعي حثيث إلى ترميم الذاكرة على أمل ترميم الخراب. لم ينبس أحد من هؤلاء بكلمة حول ما جرى. الصمت المخزي عمود عملاق في عمارة تاريخ لبنان المعاصر.
الخلاص
ليست الكرنتينا، إذن، مجرد مجزرة تستعاد في الذاكرة بل جهازٌ حيّ لإنتاج العنف (أو الفظيع)، يعمل كلما أعيد تداولها كخبر. في «الواقع الفائق»، المجزرة ليست حدثاً انتهى بل احتمال دائم جاهز للتحقق في أي لحظة. هكذا، لا يكون أخطر ما في الكرنتينا ما جرى فيها بقدر الاستعداد لتكراره كلما ذُكرت الكرنتينا في الأخبار والخطاب السياسي.
عودة إلى 1976
في كانون الثاني (يناير) عام 1976، قرّرت ميليشيات اليمين الماروني أو كما أسمت نفسها «الجبهة الوطنية» اقتحام منطقة الكرنتينا- المسلخ بزعم أن «منظمة التحرير الفلسطيني» تسيطر عليها وأنها أنشأت فيها معسكرات تدريب. كانت المنطقة مأهولة بما يقارب ثلاثين ألف نسمة: لبنانيون وفلسطينيون وعمّال أجانب. أسفر الهجوم عن مقتل أكثر من ألف شخص.
في مشهد يبعث على الاشمئزاز، يروي المقاتل السابق جوزيف سعادة في كتابه «أنا الضحية والجلاد أنا» أحداث هجوم الكرنتينا، ويصف ببراعة روائيّ، شغف المقاتلين، وهو منهم، بإراقة الدماء. ولمن لا يجد وقتاً للقراءة، يستطيع أن يعثر في الموسم الأول من بودكاست «معبر» على شهاداتٍ شفهية ممن عاشوا الحرب الأهلية وشهدوا عليها، تحكي، من ضمن ما تحكيه، عن «السبت الأسود» وكيف جرى القتل على الهوية بلا رحمة.
المعركة تتطلب طرفين، في الكرنتينا حضر طرفٌ واحدٌ. الطرف الثاني لم يكن مهيأً للمعركة فلقي مصرعه. لم تحصل معركة في كانون الثاني 1976، لم يحصل قتال. حصل قتلٌ بلا مقاومة؛ مجزرة. سبقت مجزرة الكرنتينا مجزرة في تل الزعتر، وتلتها مجزرة ضبية، ثم كما نعلم، مجزرة صبرا وشاتيلا كتتويج للفظاعة.
هو تاريخ طويل من الدم، نزفته أجساد نحيلة غدت جثثاً لمجرد أنها كانت على عداء مع إسرائيل. يظهر هؤلاء الذين قضوا في الكرنتينا، «المنسيون»، «أشباح» الحرب الذين لم يعثر على رفاتهم بعد منذ أكثر من 30 عاماً، كأنهم صدى قديم لمن يتعرض اليوم للتحريض بعد قرار «مشروع الكرنتينا». هكذا، في وسعنا لو نظرنا إلى الماضي أن نرى المستقبل، أو أقلّه الحاضر. ما دامت الكرنتينا لغماً ناطقاً، فاللجوء إليها لن يكون سوى إحياء للمجزرة، وهذا هو الشيء الوحيد الذي لم تنفهِ وسائل الإعلام، ولم تخمد ناره إنّما أصرّت على إشعاله.
الماضي في صورة... المستقبل في الصورة
لكن الصورة الفوتوغرافية، كما نعرف، لم تكن يوماً مجرد انعكاس بصري للحدث، بل وثيقة وأرشيفاً يصون الذاكرة من التلاشي، وإنّ العودة إلى هذا الأرشيف ضرورة ملحّة في حاضرٍ مهدَّد: حاضر تستدعيه الكرنتينا حيناً كخطر، وتؤلمه ذكراها حيناً آخر كجرحٍ مفتوح. في هذا الأرشيف، لا نقرأ الماضي بقدر ما نفكك رغبات القاتل ونستعيد مصائر الضحايا حيث الصورة تخضع الزمن للمساءلة.
في مواجهة «أشباح» الحرب، أولئك الذين لم تكن الكرنتينا بالنسبة إليهم مقبرةً جماعية بقدر ما كانت مأساةً مفتوحة على امتداد الزمن، ينهض المنسيّون. هسيسهم الخافت لا يزال يلاحق الحاضر، يتسرّب إلى مصير هؤلاء الذين يُحرَّض عليهم اليوم، فالضحية لم تغادر موقعها الهوّياتي أبداً. على الضفة الأخرى، يرتفع صراخٌ صاخب، يطلقه «شبح» الحرب، الذي يتجسّد في أولئك الذين أنكروا المجزرة وتنصّلوا منها، وهم من يتصدرون اليوم مشهد التحريض.
-
(كلود صالحاني)
هكذا، تتيح لنا العودة إلى الأرشيف الفوتوغرافي أن نرى ما يتوارى خلف المشهد، وعلى الأرجح معاينة ما كان سيحدث لو رأى «مشروع الكرنتينا» النور: أن نتعرّف إلى «شبح» الحرب الذي لا يكفّ عن التربص بالأرواح، وإلى «الأشباح» الأخرى، تلك الأطياف البريئة التي قتلت في مجزرة لم يعترف بها وبقيت معلّقة بين الذاكرة والنسيان.
التقط مصوّرون، لبنانيون وأجانب، مشاهد من مجزرة الكرنتينا، ولكلٍّ منهم حكايته. عدسة المصوّر البريطاني دون ماكيولين على سبيل المثال، قدّمت الكرنتينا كجنازة طويلة بلا نهاية. يظهر المكان في صوره كطقس حدادٍ مفتوح. لا توثّق فوتوغرافياه الفظائع فحسب، بل تُحسّ كثقلٍ بصري خانق: سخام كثيف يغطي الصورة، هو سواد الظلال الذي يغمر مصير صاحبه، كأن الصورة نواحٌ ليليٌّ يستحيل كبحه.
ومن بين الحكايات الأخرى، تبرز المصوّرة الفوتوغرافية الفرنسية فرانسواز ديمولدر، التي دخلت الكرنتينا عند الفجر، بعد الساعات الأولى من انفجار المجزرة كأنها تقتحم لحظة ولادة العنف.
هناك، التقطت تلك الصورة الأليمة التي تكثّف الهشاشة الإنسانية في أقصى تجلياتها، وتعرّي في الآن ذاته وحشية الفعل القاتل. صورةٌ يصفها الفوتوغرافي زياد الحاج بـ«الأيقونية»: امرأة فلسطينية ترفع يديها تتوسل مسلّحاً من ميليشيا الكتائب، وخلفها منزلٌ يشتعل، كأن النار لا تلتهم المكان إنما فرصة النجاة.
أما المصوّر اللبناني كلود صالحاني، فتخلو فوتوغرافياه من أي نزوع إلى الهندسة الجمالية أو التركيب الكلاسيكي؛ إذ تنحاز عدسته لما هو خام، تتماهى مع المجزرة وتذوب فيها حتى يغدو معها الأثر مباشراً. لم يؤطر صالحاني المشهد بل تركه يتسرّب كما هو: اقتلاعٌ، مشيٌ قسري، وطردٌ مذلّ. في صوره، يبدو الزمن نكبة مستمرة، تعود وتنتج نفسها في الكرنتينا؛ الموت عنده نفسيّ، يتمظهر في الأجساد (الناجية) التي طُردت من مكانها، وسلبت منها المنازل أي حقها في الجثوم والقعود بينما ترك لها المشي كشرط للنجاة والبقاء على الحياة. هؤلاء وثقوا مجزرة الكرنتينا و«أشباحها»، وعذابات من نجوا.
أما صور المقاتلين، «شبح» الحرب، فالبعض يقول إنّها تعود إلى دون ماكيولين، والبعض الآخر إلى كلود صالحاني، وهناك من ينسبها إلى مصدر مجهول. صور هؤلاء تجعلنا نرى الجلاد والضحية، «الشبح» و«الأشباح»، المهجَّرين اليوم ومن يحرِّض عليهم.
