«معبر3»: الحرب كما رواها المسعفون
يركّز الموسم الثالث من «معبر» على شهادات الطواقم الطبية والإغاثية خلال الحرب الأهلية اللبنانية، كاشفاً تحوّل المستشفيات إلى خطوط تماس، وتبدّل العمل الإنساني إلى مواجهة يومية مع الموت. عبر أصوات مسعفين وأطباء، تظهر كلفة إنقاذ الحياة داخل نظام عنف شامل


هي أصواتٌ بلا وجوه تصلنا من قلب العتمة، من ماضٍ بعيد لا تزال أصداؤه تتردّد، لشهودٍ عاشوا الحرب الأهلية اللبنانية ولا يبدو أنهم غادروها تماماً. لا نعرف أسماءهم، ولا نرى ملامحهم؛ الثقل كلّه ملقى على حاسّة السمع: نُنصت إليهم وهم يروون حوادث تلك الذكرى التي لا تنفكّ تطاردهم، وتورثهم قلقاً وأرقاً طويلاً. ليست وشوشةً ولا صياحاً، بل نبرةٌ شخصية، حميمة، إلى حدّ أن الكلام المنطوق يكاد يخدش الحنجرة.
ضيوف بودكاست «معبر» في موسمه الثالث هم ممّن كانوا يداوون هذه الخدوش والندوب والجروح. عرفوا العطب من قرب، وتحوّل كلٌّ منهم إلى جرّاحٍ مهمته استخراج شظية الحرب المغروسة في الجسد. أطباء وممرّضون، وعاملون في الدفاع المدني، أي من الطاقمين الصحي والإنساني، أمضوا سنوات أعمارهم في مستشفياتٍ ومستوصفات، بعضها كان تحت الأرض أشبه بالملاجئ، وبعضها الآخر بقي فوقها، نصف مدمَّرٍ، يواصل عمله على حافة الانهيار.
الماضي كلّه يُضخّ في آذاننا، نغوص في شهادات من عاشوه، ونوغل في الذاكرة الجماعية. يخرج الكلام متقطّعاً أحياناً، كأن الذاكرة تتلعثم وهي تستعيد إصاباتها البالغة، قبل أن تستقيم فجأةً بدقّة باردة تشبه تقارير الطوارئ. لا أحد منهم يسعى إلى بطولةٍ متأخرة، ولا إلى تبرئةٍ كاملة بل تُنقل الوقائع من دون تشويهٍ تماماً كما اختبروها بوجومها وكَلمها ومغامراتها الخوتاء أحياناً.
على الأرجح، يشكّل الموسم الثالث من «معبر» التعبير الأكثر صفاءً ووضوحاً عن الخطّ التحريري الذي رسمه المنتجان أنطوني طويل وسيدريك كريم. منذ البداية، هناك إدانة للحرب، ورهانٌ أخلاقي على التعاطي مع أطرافها على مسافةٍ واحدة.
في موسمه الأول، فتح البودكاست دهليزاً بين الخصوم، للحكي والاعتراف المتبادل ببعضهم البعض، مستعيداً شهادات الأطراف المتقاتلة، ومحوّلاً الذاكرة إلى حيّزٍ للقاءٍ ولو متأخّر حيث يأتي الاعتراف بالفاجعة، وحيث تنكشف الحرب بوصفها تجربة خراب. في الموسم الثاني، انتقل السرد إلى من وثّقوا تلك التجربة: الصحافيون الذين عاشوا التجربة ووثقوها، وقد جاءت الشهادة هنا وسيطاً بين الحدث وصورته.
وعبر هذين المستويين، بدت الرسالة واضحة: إدانةٌ صريحة للحرب، وانحياز لمن هم «تحت»، أي الأفراد، والمقاتلين بوصفهم ضحايا أيضاً، في مقابل تفكيك سرديات الأطراف السياسية، أي الأحزاب، التي خاضتها. يأتي الموسم الثالث تتويجاً لهذا المسار، إذ ينقلنا إلى مساحةٍ أكثر التباساً هي حياد العمل الإنساني، حيث تعمل المؤسّسات الطبّية والإغاثية في زمن الحرب على تماسّ مع جميع الأطراف داخل الحرب، وحيث يصبح إنقاذ الحياة فعلاً مرهوناً بخطر الموت.
ينتقل «معبر» في موسمه الثالث إذن إلى مستوى أكثر تعقيداً لكنه في الآن نفسه أكثر وضوحاً (أقلّه بالنسبة إلى المنتجين) من ناحية تعرية «عبثية» الحرب؛ الكلام هنا شهادات تبيّن قداسة الحياة في مواجهة دناسة الموت، حيث تغدو كل الحيوات مهما كان انحياز أصحابها السياسي، جديرة بالنجاة وبالعيش.
الموت كـ«حالة عادية»
من خلال شهاداتٍ واعترافاتٍ، يكشف الموسم الثالث من «معبر» انخراط الطواقم الإغاثية والطبية والإنسانية في الحرب، ويُظهر كيفية اشتغال الحياد الإنساني فوق أرضٍ سياسية متفجّرة. في هذا المستوى من السرد، تتراجع النزعة السياسية لصالح بروز نزعةٍ إنسانيةٍ جذرية، ويغدو العمل الطبي والإنساني فعلاً يتجاوز السياسة ويعلو عليها، بما يشبه موقعاً «فوق-سياسي» يتشكّل داخل قلب الصراع لا خارجه.
وفي شهادات الضيوف، نسمع عن محاولات إنقاذ الحياة يقوم بها أشخاص هم خارج الاصطفافات الحزبية والطائفية، أولئك الذين يشتغلون على إبقاء الجسد المعرض للتصفية، والذي يقاتل حتى يصفي غيره، حياً. هكذا، يكشف «معبر» أن لا أحد شارك في الحرب يخرج منها بريئاً، وأن الجميع مذنبون في صناعة ذلك الخراب. ومع ذلك، يظلّ الإنساني هو الأفق الأخير: فلا غالب ولا مغلوب، بل موتٌ واحدٌ مشترك، ومقبرةٌ مفتوحة تنتظر الجميع.
منذ الحلقة الأولى حتى الأخيرة، ندخل تجربةً سمعية يتبدّى فيها الموت كـ«حالة عادية» تتسلّل إلى اليومي. جثثٌ بلا أسماء، مقابر جماعية، وغرف تبريد بديلة، فيما يتأقلم العاملون مع الدم والأجساد المشوّهة كجزءٍ من روتين العمل. على هذا النحو، حين يدين الموسم الثالث فإنه يفعل ذلك عبر كشف التشوّهات التي خلفتها: جنون المقاتلين داخل المستشفيات، صدمة العائلات عند تلقّي خبر الوفاة، انهيار القدرة على الحفاظ على أمن المستشفيات في ظل خرق المواثيق والقوانين الدولية، وأحياناً المساومات التي تفعلها هذه الطواقم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
طفولة مقتولة
ثمة رواياتٌ محرّمة لا يزال الكلام عنها محاطاً بالصمت أو المنع، مثل مجزرة الدامور ومجزرة تلّ الزعتر وغيرها من الوقائع التي ما تزال تتنازعها الذاكرة والسياسة. في «معبر»، نصغي إلى شهادات ناجين وشهود على تلك المجازر، وروايات مسعفين وطواقم من الصليب الأحمر، تروي تفاصيل صادمة عن كيف «سارت الدبابة فوق الجثث في مخيم تل الزعتر»، وكيف جرى إنقاذ أطفالٍ من المخيمات كانوا عرضة للقتل على يد ميليشيات لم تتورّع عن تصفيتهم. يقترب هذا الموسم، ولو لوهلة، من حكايات الطفولة المنتهكة، وينقل وقائع تبدو أقرب إلى الهلوسة، مثل قصص إنقاذ أطفال من ذبحٍ محقق في اللحظة الأخيرة. نسمع عن زيارة الأم تيريزا، مثلاً، إلى ملعب «الأنترانيك» من أجل الاهتمام بالأطفال الذين يتّمتهم الحرب، وكيف أنّ المسؤول عن الملعب، الذي كان يقدّم لهم المناقيش صباحاً، بات اسمه يُختزل بـ«منقوشة»، في إشارةٍ محببة من الأطفال الذين فضّلوا البقاء معه على الذهاب مع الأم تيريزا.
مستشفيات مدمرة
تتواتر هذه القصص المؤلمة بكثافة، غير أنّ ما يبدو راهناً هو التدمير المتعمّد للمستشفيات خلال فترة الاجتياح الإسرائيلي. يخبرنا شهود تلك المرحلة، ومنهم أطباء، كيف تعرضت المستشفيات للقصف المتعمّد، وكيف كانوا يغيّرون أسماء المرضى ويخفون هوياتهم تحت أسماءٍ مستعارة، حمايةً للجرحى، فقوات الاحتلال كانت تقتحم المستشفيات وتتحقق من الأسماء للتعرف إلى أصحابها.
كما نسمع عن ممارسات جيش لحد، الذي كان يقصف القرى المحاذية لمواقعه، حين تنقطع الكهرباء عن قراه، تعنتاً وكأسلوب عقاب وانتقام جماعيّ. لكننا نتعرف أيضاً إلى الوجه المشرق، إلى هؤلاء الذين حافظوا على حياة الأعداء بعضهم البعض، نتعرف إلى التحديات التي واجهوها، وكيف اشتغلوا في أصعب الأوقات، وكيف نجحوا في الحفاظ على الحيوات، هم أبطال الحرب التي بقيت غصة في قلب إحداهن بأنها لم تحظَ بوسام شرف الحرب.
ويبدو أنّ الحرب التي نعود إليها كل عام لا نستعيدها كي لا تتكرّر، كما نعلن جهاراً، بل لأنّ في استعادتها نوعاً من الحنين، وهو ما يبدو أنّ «معبر» يسعى إلى تفكيكه ونقضه. في الشهادات الموزعة على الفصول الثلاثة، تتبدّى هشاشة الحدود بين الحياة والموت، وحين نصغي إلى الألم المنطوق، يبدو فعلاً أنّ كلّ ذلك لم يكن ينبغي أن يحدث، وأن ما جرى بات مطروحاً أمامنا وهو ليس مغامرة مثيرة إنما فصل من الجحيم، يمكننا تفاديه.
