جاد حجار... الفلسفة في مواجهة العالم
رحل الصحافي ومدرّس الفلسفة الزميل جاد حجار، تاركاً أثراً فكرياً واضحاً في مقالاته وسجالاته. بين الكتابة والتحريض والموقف، تطوّر خطابه من تحليل ثقافي إلى مواجهة مباشرة.


رحل الصحافي ومدرّس الفلسفة الزميل جاد حجار، تاركاً أثراً فكرياً واضحاً في مقالاته وسجالاته. بين الكتابة والتحريض والموقف، تطوّر خطابه من تحليل ثقافي إلى مواجهة مباشرة. في تجربته، تلاقت الفلسفة مع الصحافة، وانعكس قلقه الوجودي في نصوص منحازة، وصادقة تربط المحلي بالسياق العالمي وتقاوم الحياد
كان يجب أن يحتفل بعيد ميلاده في الشهر المقبل، لكنّ جسده النحيل كعصفور مرتجف غمرته المياه حتى رئتيه. لم يحتمل قسوة الألم الذي باغته بمرارة ملتهبة.
هكذا، قرّر الشاب الثلاثيني الذهاب لوالدته في لحظة فوضوية: أن يرحل عبر موت صامت عادي في مستشفى، بينما الموت بفعل الحرب هو السائد.
رحل الصحافي جاد حجار ابن شحيم في إقليم الخروب عن قريته التي تعرف بأنّها «خزان الدولة الوظيفي»، بعدما تلمّس عدم استعدادها أكثر لاحتضان كل ذلك الكم «غير المألوف» من أحد أبنائها.
نخصّص هذا المقال لوداع زميلنا في «الأخبار» الصحافي ومدرّس الفلسفة الشاب، تاركاً وراءه مجموعة مقالات كانت محطات مميزة في ملحق «كلمات» نستدل على أثره فيها، ونستعين بعبارات قالها أو مقالات كتبها كعناوين لرثائه.
«كل شي نيوترال ما بحبو»
بدأ جاد رحلته في «الأخبار» في وقت مماثل من العام الماضي. ومع ذلك، تكشف استعادة سريعة لمقالاته المنشورة فوق صفحات الجريدة، تطوّر أسلوبه من كتابة أقرب إلى التحليل الثقافي الوصفي نحو خطاب أكثر حدّة وسجالية مع الوقت. وعند سؤاله حولها، كان يقول بنزق «بكتب بعفوية وما بحب كون محايد». كان طبيعياً ومتناغماً مع خياراته أن يكون صحافياً مشاركاً في ثورة 17 تشرين 2019، محرّضاً على المشاركة مباشرة أو عبر العصيان المدني.
في مقالاته الأولى، كان يميل إلى تفكيك الظواهر عبر قراءة رمزية وفكرية، مستخدماً لغة أكثر هدوءاً وبناءً نظرياً أوضح.
لاحقاً، صار أسلوبه أكثر مباشرةً وهجوماً، مع حضور قوي للغة التهكّمية والتوصيفات القاسية، وانتقال من الشرح إلى المواجهة العلنية مع الخطاب الذي ينتقده، خصوصاً في الشأن اللبناني. يمكن تفهم ذلك في مراجعة للتطورات المتسارعة في المشهد اللبناني، خصوصاً في ما يتعلق بمواجهة الغرب.
نظر إلى السياسة من زاوية ثقافية -أيديولوجية
في المقابل، ظلّت سمة أساسية ثابتة في كتابته، وهي النظر إلى السياسة من زاوية ثقافية -أيديولوجية، متأثراً بمفاهيم مثل الهيمنة واللاوعي الجمعي، مع ميل واضح إلى مواقف تربط المحلي بالعالمي.
ما ميّز كتابات جاد حجّار هو ذلك الصدق والمتابعة العميقة، والإدانة الثقافية ضمن موقف أخلاقي وفكري منحاز وواضح.
سؤال الله والفيلسوف
«باحث ومدرّس وطالب دكتوراه» هكذا كان يعرّف نفسه في المواقع التي كتب فيها. علّمته الفلسفة أن يعبّر عن نفسه بأبسط وأدق تعبير ممكن.
فيديو منحه درجة الماجستير في الفلسفة هو واحد من مقاطع الفيديو القليلة التي شاركها من حياته الخاصة على فايسبوك، ربما للدلالة على أهمية هذا العلم في تكوين نظرته للعالم وفي كتاباته الصحافية. كان يستشهد بأسماء يحبّها وعاش معها مثل مارتن هايدغر، وديكارت، وسيوران، وسبينوزا.
نشر جاد حجّار مقالاتٍ كثيرة في كل من مجلّتَي «بوليتيكا» و«البعد الخامس ». في حديثه معنا، يخبرنا رئيس تحرير مجلة «البعد الخامس» عبد الحليم حمود عن جاد بأنه «يقترب من كلّ موضوع كمن يضعه تحت عدسةٍ فكريةٍ مشدودة إلى جوهره».
يستعيد حمود آخر لقاء له بجاد، قائلاً «حين راسلته ليكون ضيفي في إذاعة لبنان، اقترحتُ أن ندخل من باب موت الفلسفة، فاشتعل بيننا نقاشٌ سريع وكثيف. تحدّث عن زمنٍ تتقدّم فيه المعلومة بوصفها معطى جاهزاً، فيما يتراجع التأويل إلى الهامش، فهو يرى أنّ المعنى هو القلب، وأن الفلسفة فعلُ إنصاتٍ طويل لما وراء الوقائع». ثم يضيف حمود: «حسناً، لم تمت الفلسفة انما جاد هو الذي مات».
«كتير في أفكار»
لعلّ مَن ينشأ يتيماً لا يحظى بشعور أنه مفهوم أبداً. لم يكن جاد حجار ينسى أن يستعيد ذكرى وفاة والدته السنوية رغم مرور 31 عاماً على رحيلها. كان لديه خوف حقيقي من ألا يفهمه أحد. لذلك، عندما كان يكتب مقالاً، كان يشاركه مع رفاق وزملاء يثق بهم، فيسألهم عن رأيهم، عما فهموه، حتى يتأكد بأنّ ما يقوله يجد أذاناً صاغية، بما يذكّر بإحدى مقولات ألبير كامو «الإنسان يصف نفسه طوال حياته، ومعرفة الذات تماماً تعني الموت». وربما بالفعل عرف جاد نفسه تماماً.
في واحدة من مقالاته الأولى عام 2019، كتب في موقع «رصيف22 » نصاً قال فيه: «كان يستطيع أن يكون في أوروبا متشائماً يحاول أن يندمج بمجتمع ما، لكنّه ببساطة أراد أن يحاول.. أن يفعل.. من دون أي نوع من التفكير العقيم. فخرج إلى العالم عارياً إلّا من بدويّته، ليعلّمنا بأن بساطة مَن نحن، قد تكون الشيء المجدي الوحيد».
بهذه الكلمات وصف حجار منشد الثورة السورية عبد الباسط الساروت بعد رحيله، متفهّماً خيارات الساروت في التحول من ثائر مدينة حمص إلى أصولي تكفيري وغيرها من التحولات التي مر بها ابن العشرين «كما المجنون الذي ظُلم من الجميع، فيحاول التفتيش عن أيّ عقيدةٍ تتشارك معه بالقتال ضد النظام، من دون الأخذ في الاعتبار كيف تبدو للناظر من الخارج».
قراءة ورثاء يمكن اسقاطهما أيضاً على جاد نفسه الذي ملّ كمثقف يساري التقيّد بقواعد المؤسسات وأصول الحوار مع خصم لا يجد حرجاً في «القتل» معنوياً أم فعلياً، فلماذا هذا الحرج الذي يحمله الصحافي والمثقف. لذا يكتب: «ما بخاف من نظرة القارئ وهي بدها قوة قلب».
