علويّو سوريا... ألف عام من العزلة
بعد التحولات الجذرية التي شهدتها سوريا على إثر سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، برز فراغ سياسي وهوياتي عميق، خصوصاً لدى الطائفة العلوية التي ارتبط حضورها طويلاً ببنية السلطة.


بعد التحولات الجذرية التي شهدتها سوريا على إثر سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، برز فراغ سياسي وهوياتي عميق، خصوصاً لدى الطائفة العلوية التي ارتبط حضورها طويلاً ببنية السلطة. وفي هذا السياق، أصبحت دراسة العلويين ضرورة بحثية لفهم تاريخ الطائفة وتحولاتها الاجتماعية والسياسية واستشراف موقعها بعيداً عن إرث الحكم. ويقدّم هذا المقال لمحة تاريخية عن العلويين وأبرز الكتب والدراسات الصادرة حولهم منذ سقوط نظام الأسد
تشكّلت الصورة الأكاديمية والسياسية عن العلويين عبر نحو ثلاثة قرون ونصف، مع كتابات الرحالة الأوروبيين في القرن السابع عشر، وانتهاء مع مراجعات نقدية أعادت قراءة تاريخ الطائفة ونصوصها الداخلية في القرن الحادي والعشرين.
خلال هذه المسيرة الطويلة انتقلت العلوية من كونها «لغزاً شرقياً غامضاً» لجماعة استوطنت الجبال في المخيلة الأوروبية، إلى موضوع أكاديمي يخضع لمناهج التاريخ والنقد، ثم إلى قضية سياسية مرتبطة بالدولة السورية الحديثة.
علويون أم نصيريون!
ظلّت تسمية «النصيريين» شائعة في المصادر العثمانية والأوروبية حتى القرن التاسع عشر، نسبةً إلى محمد بن نصير المرتبط بنشأة المذهب، بينما كان اسم «العلويين» هو التسمية المتداولة داخل الطائفة للدلالة على هويتها الدينية المرتبطة بالولاء لآل البيت. لذلك، لا تُعدّ هذه التسمية اختراعاً سياسياً حديثاً كما رُوّج لاحقاً، بل تعبيراً ذاتياً قديماً عن الانتماء المذهبي. ومع عشرينيات القرن العشرين، برز خطاب علوي داخلي سعى إلى إعادة كتابة تاريخ الطائفة من منظورها الخاص، مؤكداً انتماءها إلى التشيع ورافضاً وصف «النصيريين».
أدب الرحلات يقتحم عزلة الجبال
في تتبع آثار العلويين، نجد أن ذكرهم بعيداً عن النصوص الدينية لأعلامها بدأ عبر أدب الرحلات القائم على الملاحظة وتسجيل الانطباع. صُوِّروا بوصفهم جماعة جبلية معزولة تعيش في جبال الساحل السوري، تحيط بها السرية والغموض الديني.
ومن خلال هذه الانطباعات، تشكّلت باكراً الصورة الاستشراقية النمطية عن العلويين، القائمة على مفاهيم «التقية» و«الباطنية» والانغلاق.
وخلال القرن الثامن عشر، بدأت تظهر إشارات إلى «العلوية» كهوية دينية داخلية تختلف عن التصنيفات اللاهوتية التقليدية، مع محاولات لإدراجها ضمن الفرق الإسلامية ذات النزعات الباطنية والغنوصية.
ثم شهد القرن العشرون تحولاً مهماً مع صدور فتوى الحاج أمين الحسيني عام 1936 باعتبار العلويين من المسلمين، قبل أن يكرّس الإمام موسى الصدر لاحقاً الاعتراف بالعلوية بوصفها أحد المذاهب الشيعية.
في موازاة ذلك، برزت قراءات اجتماعية قدّمت العلويين كجماعة ريفية عانت من التهميش العثماني، وهي صورة أثّرت لاحقاً في الخطابين القومي العربي والعلوي معاً.
«مسيحيون انقطع عنهم التبشير»!
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ظهرت شهادات لأشخاص ادّعوا كشف أسرار العقيدة العلوية بعد اعتناقهم المسيحية، فتعامل معها بعض الباحثين الأوروبيين كمصادر أساسية لفهم الطائفة، رغم ما حملته من تحيزات دينية وسياسية. وبالتوازي، روّجت البعثات التبشيرية لفكرة أن العلويين هم في الأصل «مسيحيون ضلّوا الطريق» أو «مسيحيون انقطع عنهم التبشير» بسبب عزلتهم في جبال الساحل السوري.
ومن هنا، تشكّلت سلسلة من التصورات والأساطير حول أصول العلويين؛ فظهرت قراءات تعتبرهم بقايا ديانات سورية أو فينيقية قديمة اختلطت بالإسلام، بينما رأت أخرى أنهم جماعة ذات جذور مسيحية شرقية تأثرت بالتشيع عبر الزمن. ومع بدايات القرن العشرين، تحولت هذه التصورات إلى فرضيات أكاديمية وسياسية، خصوصاً في ظل الانتداب الفرنسي وإنشاء كيان خاص بالعلويين، ما جعل النقاش حول هويتهم جزءاً من السياق الاستعماري نفسه.
في المقابل، رسخت كثير من الكتابات الغربية صورة العلويين كجماعة مغلقة ومنفصلة عن الإسلام، في حين تشكّلت داخل الطائفة سردية موازية تؤكد انتماءها إلى التشيع والإسلام وترفض تلك التفسيرات الاستشراقية.
عودة المأزق العلوي
مع وصول حزب «البعث» إلى السلطة في سوريا، انتقل الاهتمام بالدراسات العلوية من البحث في العقيدة والطقوس إلى تفسير صعود العلويين داخل الجيش والدولة. ظهرت قراءات تربط ذلك بالتهميش الريفي والحراك الاجتماعي عبر المؤسسة العسكرية، مقابل أخرى اختزلت النظام السوري في كونه «حكماً علوياً» قائماً على التضامن الطائفي.
وفي السبعينيات، برزت أزمة الشرعية الدينية للنظام، مع اشتراط أن يكون رئيس الجمهورية مسلماً، فجرى تقديم العلويين رسمياً بوصفهم جزءاً من التشيع الاثني عشري. وقد رأى كثير من الباحثين في هذه الخطوة إعادة صياغة سياسية للهوية أكثر من كونها تحولاً عقائدياً فعلياً.
لكن مع نهاية القرن العشرين، بدأت مراجعات أكاديمية واسعة نسفت من الصور النمطية القديمة، مؤكدة أنّ العلويين تيار نشأ وتطور داخل البيئة الإسلامية الشيعية، لا بقايا ديانة وثنية أو جماعة مسيحية معزولة. غير أن سقوط النظام السوري أعاد الطائفة إلى مأزق تاريخي قديم، حيث عاد سؤال «من هم العلويون؟» ليتحوّل من نقاش أكاديمي إلى قضية وجودية وسياسية، دفعت كثيرين إلى محاولة شرح هويتهم وعلاقتهم بالنظام السابق تجنباً للتعميم أو الإقصاء أو الاستهداف الجماعي.
بين التكفير والمجازر والتهجير
يفتح الصحافي والكاتب نبيل صالح بوابة مغايرة تماماً. في كتابه الجديد «العلويون: ألف عام من العزلة» (دار الرافدين)، يحاول مقاربة ما يسميه «المأزق التاريخي» للعلويين، حيث «يعيدون إنتاج محنتهم بين التكفير والمجازر والتهجير».
من هذا المنطلق، يسعى الكتاب إلى إعادة قراءة تاريخ الطائفة التي عاشت قروناً من العزلة السياسية والاجتماعية والثقافية، وإخراجها من كادر «الطائفة» التي ارتبط اسمها بالسلطة والجيش لعقود، ليعيد تقديمها كـ «فلسفة حية متمردة». يغلب على الكتاب الطابع الاستقصائي والتوثيقي، فهو عبارة عن أنطولوجيا وشهادات جمعها الكاتب من مصادر متنوعة.
يشير عنوان الكتاب إلى حالة «الغيتو» الجغرافي والثقافي الذي فُرض على العلويين أو اختاروه لقرون، ويحاول الكاتب من خلاله إخراج المخفي في هذه الثقافة إلى الضوء السوري العام.
يقدّم صالح قراءة تاريخية وفكرية لمسار العلويين، مركزاً على أثر العزلة الجغرافية والمذهبية في تشكيل هويتهم. ويتتبع وجودهم في جبال الساحل السوري منذ القرن التاسع الميلادي، مستنداً إلى مصادر تراثية ونصوص عقائدية حديثة. كما يتناول حضورهم التاريخي في جبل لبنان والأناضول، حيث تشكلت طرق وتيارات علوية مثل البكتاشية والقلندرية التي لعبت أدواراً دينية وعسكرية داخل الدولة العثمانية.
على امتداد 280 صفحة موزعة على 28 فصلاً، يحاول الكتاب الإجابة عن سؤال: كيف يمكن فهم العلوية خارج ثنائية التكفير أو التوظيف السياسي؟ يقدّم صالح العلوية بوصفها «مشروع تحرر باطني» تشكل داخل التجربة الإسلامية، معتبراً أن المقاربات السنية والشيعية التقليدية أخفقت في فهمها لأنها قرأتها بمعايير مذهبية مسبقة لا من داخل بنيتها الخاصة. لذلك، لا يتردد في نقد عدد من الدراسات والكتابات التي يرى أنها تعاملت مع العلويين كـ«أسطورة» أو كجماعة خارجة عن الإسلام، بدل دراستهم كظاهرة دينية واجتماعية تاريخية.
من أبرز فصول الكتاب ذلك الذي يتناول العلويين خلال حكم بشار الأسد، إذ يقدّم قراءة مختلفة للعلاقة بين الطائفة والسلطة، معتبراً أن قطاعات واسعة من العلويين رأت نفسها تدافع عن الدولة لا عن نظام سياسي بعينه، في وقت كانت فيه البيئة العلوية نفسها تعاني التهميش الاقتصادي والثقافي لصالح شبكات ضيقة مرتبطة بالسلطة. ويرى صالح أنّ لحظة انهيار النظام عام 2024 كشفت نهاية العلاقة التاريخية بين العلويين والسلطة، وهي علاقة يصفها بأنها كانت «وسيلة بقاء» أكثر من كونها مشروع هيمنة.
ويكتسب الكتاب أهميته أيضاً لأنه يأتي بعد سنوات من هيمنة المقاربات السياسية والأمنية على دراسة العلويين، سواء في إصدارات مراكز أبحاث معارضة مثل «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» و«مركز حرمون للدراسات المعاصرة»، أو في كتابات ذات طابع ديني واستشراقي تعاملت مع الطائفة بوصفها «لغزاً» أو «أسطورة». لذلك، يحاول صالح تقديم قراءة مختلفة تنظر إلى العلويين كجماعة تاريخية وروحية واجتماعية عاشت داخل الدولة السورية أكثر مما حكمتها.
مرحلة ما بعد الأسد: من المعنى إلى السياسة
شكّلت مسألة الأقليات في سوريا، وعلى رأسها المسألة العلوية، أحد أكثر الملفات حضوراً في اهتمام الدراسات السياسية المعاصرة.
لكن هذا الاهتمام لم ينطلق غالباً من البعد الديني أو الفكري للطائفة، بقدر ما ارتبط بعلاقتها المعقدة بالسلطة وبنية الدولة السورية الحديثة. وهكذا انتقلت العلوية من موضوع لاهوتي وإثنوغرافي يبحث عن المعنى إلى قضية سياسية تُقرأ من زاوية علاقتها بالسلطة والطائفية والأمن بعد صعود العلويين داخل المؤسسة العسكرية ثم سقوط نظام الأسد.
في هذا السياق، تعاملت غالبية الدراسات الحديثة مع العلويين بوصفهم «مشكلة سياسية» أكثر من كونهم جماعة دينية وتاريخية ذات تطور فكري وروحي خاص.
ومن أحدث هذه الدراسات، دراسة سارة أبو العزم المنشورة في العدد الأربعين من مجلة «قضايا ونظرات» (2026) تحت عنوان «العلويون بعد بشار: سياسات النظام الجديد ومواقف الداخل والخارج». رغم أهمية الدراسة في مقاربة التحولات السياسية بعد سقوط النظام، فإنها تميل إلى مقاربة أمنية-دولتية تُشرعن السلطة الجديدة وتختزل «المسألة العلوية» في ملف استقرار وتمرّد، مع تبسيطٍ نسبي لتنوع المجتمع العلوي وتعقيداته الداخلية.
أما الدراسة الثانية، فهي تقرير فيصل الحجي الصادر عن «مركز الحوار السوري» بعنوان «الوضع العام في منطقة الساحل بعد نصف عام من سقوط نظام الأسد» (2025). يقدّم التقرير وصفاً تفصيلياً للتحولات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية في الساحل السوري، مع التركيز على ملف «الفلول» والعنف الطائفي وجهود السلطة الجديدة في فرض الاستقرار. ورغم غناه بالمعلومات والتفاصيل الميدانية، فإنه بدوره يعاني من انحياز سياسي ولغوي واضح، وهيمنة المقاربة الأمنية، مع ضعف التوازن في عرض وجهات النظر وغياب إطار تحليلي أكثر حياداً وعمقاً.
تتقاطع هذه الدراسات، مع الملاحظة التي يطرحها نبيل صالح في كتابه «العلويون: ألف عام من العزلة»، حين يشير إلى أنّ المقاربات الحديثة اختزلت العلويين في علاقتهم بالدولة والأجهزة العسكرية، متجاهلةً الجذور الفكرية والروحية التي شكّلت تاريخ الطائفة عبر قرون. بهذا المعنى، تبدو كثير من الدراسات المعاصرة كأنها تتعامل مع العلويين بوصفهم ظاهرة سياسية وُلدت مع السلطة خلال العقود الأخيرة، لا جماعة دينية واجتماعية سبقت الدولة السورية الحديثة بقرون طويلة.
في التاريخ المعاصر
ينطلق كتاب «العلويون في التاريخ السوري المعاصر (1918-2024)» لمنير شحود (راجع مقابلتنا معه في مكان آخر من الصفحة) من إعادة قراءة تاريخ سوريا عبر دور النخب العلوية في تشكيله منذ مرحلة الانتداب الفرنسي وحتى سقوط النظام عام 2024، مع افتراض أن هذا الدور لم يُدرس بالقدر الكافي من الواقعية، بسبب هيمنة سرديات قومية عربية حجبت تفاصيل أساسية وأسهمت في إنتاج إشكالات تاريخية ما زالت ممتدة حتى اليوم.
ويعيد شحود قراءة محطات مفصلية في تاريخ العلويين مثل ثورة صالح العلي والحركة المرشدية خارج القوالب التفسيرية التقليدية التي حصرتها بين التمرد أو الوطنية الجاهزة.
كما يتناول مرحلة ما بعد الاستقلال، مشيراً إلى تعثر مشاريع اللامركزية الإدارية واستمرار فشل معالجة المسألة الزراعية أو الريفية.
ويمتد التحليل إلى صعود النخب العلوية بعد عام 1963 وتبلور دورها مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة، رابطاً ذلك بتراكمات تاريخية وشعور طويل بالظلم المرتبط بالعوامل الدينية والجغرافية والاجتماعية. ويصف مرحلة حكم الأسد الأب بأنها بدأت كتوازنات سياسية قبل أن تتجه تدريجياً نحو تثبيت النظام ثم توريث السلطة، بما ترتب عليه من أزمات بنيوية لاحقة في الدولة والمجتمع.
ويرى الكاتب أن العلويين وجدوا أنفسهم أمام مأزق تاريخي جمع بين الارتباط بالنظام وتداعيات العنف المضاد، بعد سقوط النظام عام 2024. ويختم شحود كتابه بطرح إمكانية إعادة بناء الحياة الاجتماعية والسياسية في المرحلة المقبلة عبر التركيز على التعليم وتخفيف القيود السابقة، بما يسمح بإعادة إدماج أوسع في الحياة المدنية واستعادة أنماط أكثر انفتاحاً داخل المجتمع السوري.
حكمة أضاعها قومها
واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن الخلق كلهم عبيد الله وأهل طاعته طوعاً أو كرهاً، ولكن منهم خاص وعام وما بينهما طبقات متفاوتة الدرجات...
(من رسائل إخوان الصفا في القرن الرابع الهجري)
ابن الشاطئ
الحديث عن العلوية من دون العودة إلى القرن الرابع الهجري فيه كثير من الإجحاف. لذا، لن يكون مستغرباً بدءُ الحديث عن هذه الطائفة بقول لإخوان الصفا. وهؤلاء لم يكونوا علويين، هذا صحيح، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن الفضاء الذي وُلدت من خلاله العلوية.
ينتمي العلويون للفضاء الباطني الإسلامي الناتج من انفتاح الإسلام على الفلسفة اليونانية (الهلينية) والفارسية الإشراقية. ومع ذلك، اجترحت الجماعة - مثلها مثل الكاكائية، اليارسانية، علي اللهية، وغيرهم الكثير - طريقها الخاص في الفهم الباطني. في العلوية معنى، واسم، وسر. في العلوية باب، وحجاب، ومقامات معنوية شتى.
تتيح العلوية مجالاً لغير العلويين من المسلمين لاكتشاف الذات الإسلامية بنشآتها التاريخية المتعددة. فإذا كانت النشأة الإسلامية الأولى (في القرنين الأول والثاني الهجري) قد تولدت في فضاء علمَي الحديث والفقه، فقد جاءت النشأة الإسلامية الثانية متلبسة بعلمَي الفلسفة والكلام. ومربط خيل العلوية في هذه النشأة المستأنفة التي فتحت الإسلام على مديات من خارج نصه التقليدي، وإن لم تخرج عن مجاله أو فضائه العام.
والعلوية حكمة أضاعها قومها. وأولى مراتب الحكمة الولوج إلى منطقة السر، وأولى مراتب السر الانهمام بالمعنى، وأولى مراتب تحقق المعنى وتجليه بمعرفة الاسم. العلوية عتبة العقل بين الداخلي والخارجي في التاريخ الإسلامي، ودُربة النفس في تدبرها لمقامها الأنواري.
وللعلوية مظلومية مزدوجة ومركبة: الأولى معرفية، والثانية سياسية. وأول معالم المظلومية العلوية تحولها إلى حقل أو موضوع دراسي. بدلاً من أن تكون العلوية (ومعها الدرزية والإسماعيلية) فضاءً لإعادة فهم الذات الإسلامية على امتداد التاريخ، صارت اليوم حقلاً للدراسة ليس إلا. يُدرس العلويون اليوم لا ليُفهموا - ولا ليفهم المسلمون ذاتهم من خلالهم-، بل ليكونوا موضوعاً لسلطة معرفية أو سياسية أو ثقافية وظيفية. وتلك كارثة لا أمل بشفاء حالنا منها.
أما ثاني معالم المظلومية، فأن يُنتزع العلويون من تاريخهم وواقعهم لاختزالهم في مقولات اختزالية عن عمد، كاختزالهم بكونهم مادة للنظام الأسدي وحاضنته ليس إلا، في نوع من التجهيل المتعمّد عن خبث أو عماء. وتلك بلية، شفى الله كثيراً منا منها.
ومظلومية العلوية مركبة، فهي داخلية وخارجية في آن. فأن يتناول المثقف العلوي تاريخ الطائفة بانقطاع تام - عن جهل أو تجهيل - عن كل الميراث الروحي والفلسفي الإسلامي، فتلك «فاحشة كبرى». فهل يُعقل أن يتناول المثقف العلوي اليوم نظام المعرفة العلوية بمعزل عن مقولات العقول العشر لابن سينا مثلاً، أو مقولات الفيض، أو الإشراق، عند الفارابي والسهروردي؟ كأنه ما سمع بها يوماً.
مرة جديدة، العلوية حكمة أضاعها قومها، وتلك مظلومية كبرى يعانيها العلويون اليوم، وأصعب ما فيها أنها مركّبة.
وأما وقد وقع «ما يفل الحديد» في مشرقنا هذا، فإنّ السؤال الذي ينبغي الانهماك به أو فيه هو في العدالة كإنصاف (باستعارة من جون رولز). لا يطلب العلويون مشروعية من غيرهم لضمان قبولهم، كما لا ينبغي لغيرهم سؤالهم عن شرعية ما يعتقدون. فكل خطاب عن الشرعية يُضمر في ثناياه نوايا المغالبة المليّة.
السؤال الحق الذي ينبغي أن يكون لدى العلويين وغيرهم: كيف السبيل إلى العدالة كجزء من اجتماعنا السياسي وكأساس لآدميتنا؟ متى يصير سؤال العدالة مركزياً عندنا كأفراد وجماعات؟ وإلى متى نذوي بأسئلة الواقع السياسي ونهرب من مواجهتها بالتلطي بالمقولات الدينية؟
السؤال هنا موجه إلى العلويين وإلى غيرهم على حد سواء. لا تتقاتل الملل والمذاهب في ما بينها اليوم لأسباب اعتقادية. فلنكف عن حفلة تكاذبنا. يقاتل بعضنا بعضاً لأن مشكلات بنيوية لها علاقة بالعدل كان الجميع قد أخل بشرائطها. فالعدل «أساس الملك» قيل يوماً، وبالعدل قامت السماوات والأرض، قال النبي من قبل، وبالعدل قيامنا، إذا ما كنا نرمي بأن يكون لنا «مكان ما» على هذه البسيطة.
منير شحود: نحن أمام مرحلة مضطربة!
في كتابه الجديد «العلويون في التاريخ السوري المعاصر (1918-2024)» (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، يحاول الباحث والطبيب السوري منير شحود تقديم قراءة مختلفة لمسار العلويين داخل التاريخ السوري الحديث. في هذا الحوار، يتحدث شحود عن كتابه بوصفه جزءاً من مشروع أوسع لإعادة قراءة تاريخ سوريا الحديثة بعيداً عن السرديات الانفعالية والطائفية. ويناقش تحولات الهوية العلوية، وإرث الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، ومخاوف العلويين بعد سقوط النظام، إضافة إلى أسئلة الاندماج الوطني وإمكان بناء دولة سورية جديدة تقوم على المواطنة واللامركزية والدستور الضامن للجميع
• إحدى نقاط قوة الكتاب هو تقديم أول قراءة للعلويين مع انتهاء حكم الأسد، كيف تم ذلك؟ وهل يمكن اعتباره جزءاً من الاستجابة لحاجة هذا المجتمع اليوم؟
- كان الكتاب منجزاً قبل سقوط النظام وينتظر الطباعة فتمت بعض التعديلات البسيطة لتلائم نهاية المرحلة. هو جزء من مشروع لإعادة قراءة تاريخ سوريا الحديثة من دون اللغة الانفعالية العاطفية التي سادت من قبل معظم دارسي التاريخ. ويمكن القول إن ضغوط الحاضر هي التي شجعتني على هذه المحاولة، بما في ذلك إعادة قراءة العلوية نفسها، وإبراز مصادرها المختلفة في هذا الكتاب وأبحاث أخرى.
• من الواضح أن الكتاب يدرس المجتمع العلوي كظاهرة «ثقافية وتاريخية» لا دينية غنوصية؛ ألا ترى أنّ أي هوية يريدها العلويون في المستقبل يجب أن تبدأ في الإجابة عن أسئلة دينية شكلت سبباً رئيسياً في استهدافهم لقرون بسبب اتهامات تتعلق بالهرطقة؟
- يجب على العلويّين أن يحددوا ماهيتهم أو ماهياتهم الدينية بحرية، بعيداً عن المؤثرات المحيطة بهم تاريخياً، والتي دفعتهم لقوقعة التقية، ولا يحق لأحد نعتهم بالهرطقة ولا تكفيرهم، ولا أفضلية لدين على آخر. لقد وسمت هذه التهمة وغيرها كامل تاريخ العلويين، ولكنهم رفضوا في معظم الحالات تبديل دينهم.
• لماذا تعتبر إعادة قراءة ثورة الشيخ صالح العلي والحركة المرشدية محطتين مهمتين من تاريخ العلويين؟ كيف يمكن الاستفادة منهم أو ماذا نفهم عن العلويين أكثر من خلالهم؟
- إعادة تقييم ثورة صالح العلي تأتي من أنها حاولت إعطاء تصوّر عن دور للعلوّيين لم يكونوا متفقين عليه، ويخدم مشروع الأمير فيصل وربما مصلحة صالح العلي نفسه كزعيم محلي. باختصار، كان يجب إمحاء الفروق التاريخية بين العلويين وغيرهم بطريقة ارتجالية فوقية تقف وراءها مصالح مختلفة، ومنها ضمان نافذة بحرية لسوريا التي تقلصت مساحتها بعد اتفاقية سايكس بيكو.
أما ثورة المرشد، فقد كانت في جوهرها ــــ قبل أن تتحول إلى عصبية بسبب تراكم المظالم ـــ حركةً إصلاحيةً اجتماعيةً دينية يحتاجها المجتمع العلوي الغارق في تخلّفه بسبب ممارسات ابتعدت عن جوهر الدين نتيجة عزلة تاريخية مديدة، فضلاً عن النضال ضد الإقطاع، ومحاولة تغيير دور الزعامات التقليدية للعشائر العلوية.
إعادة قراءة الأحداث التاريخية مهمة لفهم سبب إعادة إنتاج المشكلات ذاتها خلال قرن كامل وبطريقة أكثر مأساوية، كما يشهد الحاضر.
• أشرت في حوار سابق، إلى أنه كان من المهم بالنسبة إلى حافظ الأسد قطع الصلة بين العلويين وتاريخهم، وكأنهم ولدوا عام 1970، فيما تشير بوضوح إلى أن حافظ الأسد لم يكن يعتبر نفسه طائفياً. إذاً ما سبب هذا القطع؟
- حافظ الأسد كأي مستبد شرقي حاول تثبيت حكمه من خلال تنويع مصادر الدعم السياسي، وقد استغل مظلومية العلويين لحشد الكثير منهم في القطاع العسكري والأمني. هو لم يكن طائفياً بالطبع، ولكنه استغل مختلف العوامل لتثبيت حكمه، ومنها العصبية الطائفية.
ومن أجل ذلك، كان يريد أن يمحي تاريخ العلويين وتبايناتهم بغية القول إنه هو الذي أخرجهم من العزلة إلى التاريخ. لكن، ونظراً إلى الفشل في إنتاج نظام مواطنة قابلة للحياة، نرى ما حلّ بالعلويين وما استجلبه لهم، بالتكافل والتضامن مع أعدائهم التاريخيين من المتشددين الإسلاميين.
• حللتم صعود العلويين عبر مساري الجيش والتعليم كقنوات للحراك الاجتماعي؛ اليوم، ما القنوات الجديدة التي يمكن للشباب العلوي سلوكها للاندماج في الفضاء الوطني السوري من دون الحاجة إلى الارتماء في حضن «عصبية أمنية» جديدة؟
- سوريا اليوم شبه منتهية بصيغتها السابقة ولا ينفع ترقيع تاريخها مرة أخرى، فإما أن تُحكم بصيغة لا مركزية وديمقراطية أو تتقسم. وفي انتظار ذلك، ستكون مرحلة مضطربة، وربما تحمل المزيد من المخاطر على العلويين وغيرهم من السوريين، فلا اندماج إلا بالتوافق بين السوريين كمواطنين أحرار ونبذ كل عصبية.
• هل اطلعت على الكتب الأخرى التي تناولت العلويين بعد سقوط النظام، وما رأيك فيها؟
- إن من أنصف وينصف العلويين هم الباحثون الأقرب إلى الموضوعية، ومعظمهم من الأجانب للأسف. ولا ينفي ذلك وجود باحثين سوريين يقرأون التاريخ بمزيد من الحيادية، كالباحث محمد جمال باروت.
مروة...
