ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

محمد جبعيتي لم يصله «بريد غزّة»

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

في رواية «لا بريدَ إلى غزّة» (دار الآداب)، يطرح محمد جبعيتي الانقسام الفلسطيني بوصفه المحرّك الأساسي للمأساة الغزّية، متراجعاً بالاحتلال الإسرائيلي إلى الخلفية.

ساري موسى
ساري موسى
السبت 9 أيار 2026
محمد جبعيتي لم يصله «بريد غزّة»
الخط

في رواية «لا بريدَ إلى غزّة» (دار الآداب)، يطرح محمد جبعيتي الانقسام الفلسطيني بوصفه المحرّك الأساسي للمأساة الغزّية، متراجعاً بالاحتلال الإسرائيلي إلى الخلفية. هنا تكمن إشكالية الرواية: هل يمكن الكتابة عن غزّة، في ذروة الإبادة والحصار، من دون وضع العنف الاستعماري في مركز السرد؟ أم أنّ الأدب الفلسطيني يحمل، بالضرورة، مسؤوليةً سياسية وتاريخية؟


منذ نكبة فلسطين في عام 1948، سعى الأدب العبري المُستوطِن والمواكب لـ«إقامة دولة إسرائيل» إلى تغييب الرواية الفلسطينية، وتصوير سكَّان الأرض الأصليين كمجموعةٍ من البدو المتخلِّفين المرتحلين، تكريساً لمقولة إنّ فلسطين «أرض بلا شعب»، من خلال رواياتٍ كُتِبَت من منظور المنتصر، قلَّما صوَّرتِ العرب خارج مجال القتال معهم، أي خارج كونهم مهزومين أذلّاء بلا تاريخٍ أو صوت.

في خدمة الرواية الإسرائيلية

في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في 2023، دخل الإعلام بقوَّة أكبر في ترجيح الرواية الإسرائيلية، وتبنَّاها أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، مُكملاً ما بدأه الأدب، مستغلّاً طبيعة العصر وسهولة وصوله إلى الجمهور. ولم تعد إسرائيل وحدها من تُردِّد روايتها للأحداث، بل ساندتها وتقدَّمت عليها وسائل الإعلام العالمية الكبرى، الأميركية والأوروبية، من دون أن تُصيب مع ذلك النجاح داخل مجتمعاتها، التي خرجت فيها المبادرات والتظاهرات والحركات الداعمة للحقّ الفلسطيني.

يُرتِّب كلّ ما سبق ذِكره تحدّياتٍ أكبر ومسؤولياتٍ أثقل على الأدب الفلسطيني، وتحديداً ما يُكتَب ويُنشر في ظلّ هذه التحديات الوجوديّة المتزايدة، إكمالاً لإرث غسان كنفاني ورفاقه في تصحيح سرديّة الماضي، وتأريخ أحداث الحاضر، وصولاً إلى ترك وثيقةٍ تاريخيةٍ للمستقبل تُرسِّخ الرواية الوطنية الفلسطينية.

بين الاحتلال والانقسام الداخلي

في هذا الإطار، يبدو غريباً وغير مفهومٍ اختيار الكاتب الفلسطيني محمد جبعيتي الانقسام الفلسطيني موضوعاً رئيساً لروايته «لا بريدَ إلى غزّة» (دار الآداب). في ظلِّ الحرب الأشرس على القطاع المحاصر، يختار جبعيتي الكتابة عن فترة ما بين العدوانات الإسرائيلية، ويكتفي بالمرور على الحروب العدة التي تلت انسحاب إسرائيل من غزّة مروراً عابراً! بالطبع، يحقُّ لأيِّ كاتبٍ اختيار الموضوع الذي يريد لكتابه، لكنَّ الوعي بخطورة هذا الاختيار، وما يترتّب عليه في الحالة الفلسطينية تحديداً، يجب ألّا يغيب عن البال.

حضور اسم غزّة في عنوان الرواية، وضمن السياق الذي وردت فيه، يجعل القارئ يتوقّع أن يكون سبب انقطاع غزّة عن العالم هو العدوان الإسرائيلي، كما هي الحال في الواقع فعليّاً. لكنّ الاحتلال ليس المسؤول عن ذلك في رواية جبعيتي، إذ يحضر الخلاف الداخليّ بين الإخوة كسبب أوّل للانقسام والمشكلات والموت، وهذا ما يمثّله الكاتب رمزيّاً داخل عائلة مطر، التي ينتمي إليها بطل الرواية جلال.

كما أنَّ الحروب الإسرائيلية الدوريّة على القطاع ليست سبب موت معظم شخصيات الرواية المُحدَّدة بالاسم والسيرة والتفاصيل، وإجهاض أحلامها، بل السلطة الحاكمة في غزّة تارة، والوفاة الطبيعيّة تارة أخرى! ما يعني القارئ في حالة غزّة ليس الموت الذي يمكن وقوعه في أيِّ مكانٍ آخر في العالم، بل الموت الخاصّ بأهل غزّة؛ إبادتهم بدم بارد وبشكل جماعي من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.

حتى الانقسام نفسه ليس انقساماً فلسطينيّاً خالصاً منعزلاً عن مسبِّباتٍ وعوامل خارجيّة، تدخّلت دول كبرى في فرضها وترسيخها. قبول بعض الفصائل بحل الدولتين وفق اتفاق أوسلو مع الاحتلال، الذي لم يُحقِّق أي مكاسب للشعب الفلسطيني، وتخلِّيها بموجب بنوده عن المقاومة المسلَّحة، صنع شرخاً بينها وبين الفصائل الأخرى التي لم تُلقِ سلاحها وبقيت على نهج مقاومة الاحتلال بالوسائل كافّة. ينسحب الأمر ذاته على بقيّة التفاصيل الحياتيّة في القطاع المحاصر.

أحلام تحت الحصار والموت

يهوى جلال مطر رياضة الباركور، ويطمح إلى احترافها والخروج من غزة للمشاركة في مسابقاتها دولياً. شقيقه أحمد مفقود الأثر، إذ انتمى إلى إحدى حركات المقاومة (يُسمِّيها الراوي «الفصائل المسلَّحة»)، ولم يتمَّ العثور على جثمانه بعدما فُقد أثره في إحدى جولات القتال. المقارنة بين الأخوين حاضرة طوال الوقت، يُجريها كلٌّ من الأب والأم، اللذين يُفضِّلان الأخ الأكبر المقاوم، والمتفوّق في دراسته، والمحبوب من الجميع.

نظراً إلى ضيق الخيارات أمام الشباب الغزّيّ، ومنهم جلال، يرث هذا الشاب مهنة أبيه ويعمل في حفر القبور، وهي المهنة التي يُقدِّرها الأب للثواب الذي تعود به على من يعمل بها، ولا يجد الابن نفسه إلا وهو يعمل بها نظراً إلى كثرة الموتى في غزّة، ولأنّه لم يعد قادراً على احتراف الباركور بسبب إصابةٍ تعرَّض لها في ساقه.

الخلاف الداخليّ بين الإخوة سبب أوّل للانقسام والمشكلات والموت!

كان جلال يتدرَّب مع رفاقه في إحدى المقابر؛ يقفز فوق شواهد القبور. كما كان يقفز قبل ذلك فوق الركام في شوارع غزّة، إذ تُشكِّل مخلَّفات الحرب هذه عوائق ملائمة للتدرُّب على القفز فوقها.

في المقبرة تُفاجئ الشبَّان قوات الشرطة، التابعة بحكم الانقسام الفلسطيني لحركة «حماس»، التي تُطاردهم، فيسقط جلال خلال هربه وتتعرَّض ساقه لإصابةٍ مُعيقة.

صديقه المقرَّب زكريّا، يموت فجأة بعدما توقَّف قلبه وهو شابٌّ صغير. «حماس» أولاً، التي أجهضت حلم الفلسطينيّ الغزّيّ، والوفاة الطبيعيّة ثانياً، التي قتلت شاباً آخر. أين إسرائيل من كلِّ هذا؟ أين حصارها الذي يقتل الناس من خلال منع الأدوية والاستشفاء عنها، ويحبسها ويُقيِّد طموحاتها؟ أين حروبها التي تقتل المدنيين بعشرات الآلاف، لا المقاتلين فحسب كما هي حال شقيق جلال؟

لا بُدَّ من أن تحضر إسرائيل، لا يمكن أن تغيب تماماً ما دام الحديث عن روايةٍ تجري أحداثها في غزة. لكنَّها تحضر في آخر أسباب الموت، وربَّما لحاجة الكاتب إلى من يتحمَّل مسؤوليَّة القتل الجماعي. تنتهي الرواية مع معركة «سيف القدس»، التي اندلعت في أيار (مايو) 2021، بعدما قرَّرت مقاومة غزَّة مؤازرة المقدسيين الذين يتعرَّضون لخطر التهجير من الأحياء القديمة، وتحديداً حينها حيّ الشيخ جرَّاح. تتعرَّض عائلة مطر، الأب والأمّ والأخوات، التي كانت في سيَّارتها، تنتظر انضمام جلال إليها للذهاب لحضور احتفال زفاف، إلى قصفٍ يحوّل أفرادها إلى أشلاء محترقة.

الأدب بوصفه معركة وعي

دائماً ما كان الأدب جزءاً من المعارك في كلّ زمانٍ ومكان. هو معركة وعيٍ قبل أيِّ شيءٍ آخر، وبالتالي لا يُفيد عند كتابته أيُّ تراخٍ في إبراز الرواية الوطنية، أو تقديم أيِّ اعتباراتٍ على اعتبار الصراع الوجودي مع العدو، سواء أكان ذلك عن قصد أم عن غير قصد، بعلمٍ أم عن جهل. يبقى الأدب وثيقة تاريخية تتناقلها الأجيال، وهذه قوّته. الأمثلة كثيرة على ذلك. أزعجت عدنيَّة شبلي في روايتها «تفصيل ثانوي» (2017) الصهيونية العالمية، وفضحت من خلال إلغاء مشاركتها في «معرض فرانكفورت»، مع بداية معركة «طوفان الأقصى»، المتواطئين معها.

المقاومة الفلسطينية وعت جيِّداً أهمية الأدب، ومدى تأثيره وقوَّته، إذ كان في طليعة من تمَّ تحريرهم في عمليات تبادل الأسرى الأخيرة عددٌ من الكُتّاب الفلسطينيين، من بينهم من فازوا بجوائز عربية وعالمية عن كتبهم التي كتبوها داخل المعتقلات، وواجهوا من خلالها المستعمر والسجّان، مثل ناصر أبو سرور وباسم خندقجي.

هناك أيضاً مثال غسان كنفاني الذي أرّقت كتاباته الإسرائيليين، بالإضافة إلى عمله السياسي كناطق باسم «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، فما كان أمام الموساد حلٌّ إلا اغتياله، لكنّ ذلك لم يحصل إلّا بعدما وضع كنفاني ثلاث دراساتٍ فضح من خلالها هشاشة الادّعاءات التي زخر بها الأدب الصهيوني. كما درس أدب المقاومة في فلسطين قبل الاحتلال وبعده، فاضحاً في كتاباته الأدبية الرواية الإسرائيلية، والأهم أنّه وضع في مواجهتها روايةً مضادّةً، ليس على أدباء فلسطين اليوم تجاوزها، بل البناء عليها والإضافة إليها.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك