لمحات


■ مخلص الصغير
يُشكل ديوان «الأرض الحمراء» للشاعر المغربي مخلص الصغير، الصادر حديثاً عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، فصلاً شعرياً متجدداً ضمن مشروعه الإبداعي الذي يتتبع مصير الأرض ومآلات الكائن البشري في ظل الأزمات الوجودية المتلاحقة.
يأتي هذا العمل متمماً لرؤيته التي بدأها في «الأرض الموبوءة» ولكن بنبرة أكثر حدة واشتباكاً مع الواقع. يضم الديوان عشرين قصيدة تتحرك في جغرافيا شاسعة تمتد من المغرب والأندلس لتستقر على ضفاف بحيرة طبريا وفي عمق الوجع العربي في العراق ومصر والأردن، محولةً فعل «المشي» والسفر إلى أداة لتدوين مأساة أرض لم تكد تبرأ من الأوبئة والجوائح حتى سقطت في أتون الحروب والصراعات الدموية.
وينسج الشاعر في هذا العمل لغةً مشحونة بالتوتر تعكس صورة الأرض التي تحولت إلى «مقصلة» كبرى تطحن ساكنيها، حيث يتماهى النص الشعري مع الغلاف الذي يحمل بصمة الفن المعاصر لتيار «فن الأرض»، ليقدم في النهاية صرخةً فنيةً عميقةً ترصد نزيف الدماء الذي صار كلاماً بلا لغة، وتؤرخ لمرحلة من «العقاب الجماعي» الذي يطارد الإنسان في كل بقاع هذه الأرض الحمراء.
■ رفيق علي أحمد
يُقدم كتاب «على خشبة الحياة» (دار نوفل - هاشيت أنطوان) قراءةً ممتدة وعميقة في سيرة الفنان اللبناني المخضرم رفيق علي أحمد. لا يكتفي بسرد الوقائع التاريخية، بل يحوّل المسار الذاتي إلى حكاية جماعية يتقاطع فيها الراوي مع بطله في وحدة لا تنفصم.
يستعرض الكتاب الرحلة التكوينية لأحد أبرز أعمدة المسرح المعاصر، بدءاً من طفولته ونشأته في الريف الجنوبي، وصولاً إلى انتقاله المفصلي إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية. محطات صقلت هوية «الحكواتي» الذي يحمل هموم الناس وقضايا الوطن فوق كاهله. يتجاوز الكتاب كونه مجرد مذكرات شخصية ليصبح مرجعاً توثيقياً يؤرخ لعصر ذهبي من المسرح اللبناني والعربي، مستعرضاً كواليس الإبداع وعلاقاته مع رموز المهنة ومختلف المدارس الفنية التي انتموا إليها.
ومن خلال هذا النص، يفتح رفيق علي أحمد نافذة واسعة على تجربته في تحويل الخشبة إلى مساحة للسرد الإنساني والمقاومة الثقافية، مقدماً شهادة فنية صادقة تبرز قدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية الحية، ليكون الكتاب بذلك وثيقةً فنية وإنسانية توثق ذاكرة مجتمع وتحولاته من خلال عين فنانٍ استثنائي.
■ مهران كامرافا
يستقرئ كتاب «كيف يحكم الإسلام في إيران: الدين والحكم الديني في الجمهورية الإسلامية» (2024) لمؤلفه مِهران كامرافا، والصادر بنسخته العربية عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» بترجمة إخلاص القنانوة ويحيى القعقاع، البنية التحتية للسلطة في إيران منذ ثورة 1979، مشرحاً التداخل المعقد بين الأيديولوجيا الدينية والسياسة العملية.
وينفرد الكتاب، الذي تُرجم ضمن سلسلة «ترجمان»، بكونه دراسة رصينة تتجاوز الأطر التقليدية عبر استناد مؤلفه إلى مصادر أولية فارسية وبحوث ميدانية محلية، مما يمنحه دقة استثنائية في تحليل العلاقة الشائكة بين المؤسسة الدينية والمؤسسات السياسية والعسكرية.
ويبرز الجانب المعرفي الأهم في الكتاب عبر ابتكار مفهوم «الخامنئية» كمساهمة فكرية ترصد التطور الذي أحدثه المرشد علي خامنئي في نظرية ولاية الفقيه، محولاً إياها إلى سلطوية دينية مطلقة تجمع بين الشرعية الإلهية وأدوات الحكم المعاصر.
كما يتتبع المؤلف التحولات الاجتماعية والسياسية، بدءاً من المنظور الخميني الأول وصولاً إلى تحديات التيار الإصلاحي وصراع التوازن بين صناديق الاقتراع والمرجعية الدينية، ليختتم عمله باستشراف سيناريوهات مستقبل النظام الإيراني في ظل ما يواجهه من ضغوط داخلية وتجاذبات دولية، مما يجعل الكتاب مرجعاً حيوياً لفهم كيفية إدارة العقيدة لشؤون الدولة الإيرانية المعاصرة.
■ رنا حايك
ترصد نوفيلا «أشواك حديقة تورينغ» (دار نوفل - هاشيت أنطوان) للكاتبة اللبنانية رنا حايك، العلاقة الجدلية والمعقدة بين الهوية البشرية والذكاء الاصطناعي في عصر الطفرة التكنولوجية الرهيبة، محولةً المساحة السردية إلى مختبر فلسفي يسبر أغوار النفس.
ومن خلال تتبع مصائر شخصيتين متناقضتين في الظاهر (يارا الغارقة في هشاشتها وفائض مشاعرها، وعلياء المتقنة لفنون القمع والبراغماتية)، تنسج حايك نصاً يغوص في أعماق اللاوعي وانكشاف الرغبات الباطنية أمام سطوة «الأخ الأكبر» الرقمي المتمثل في أداة AI the Great.
ولا تكتفي الرواية برصد هذا التماس الحاد بين الإنسان والآلة، بل تحوله إلى تساؤل وجودي حارق حول ماهية الذات والاغتراب عنها في عالم يعيد تعريف القيم، حيث تبرز اللغة العذبة قدرة التقنية على العبث بالوعي الفردي وتحويل التوق المتبادل بين المرأتين إلى شرخ يتسع كلما انكشفت الحقائق الدفينة.
إنها رحلة أدبية راهنة ترصد مأزق الإنسانية وهي تناطح حدودها الأخيرة تحت رقابة نظام تكنولوجي صارم، مقدمةً شهادة إبداعية عن كيفية تحول «الأداء» و«الانضباط» إلى أدوات سلطوية تتسلل إلى أدق تفاصيل المشاعر البشرية، مما يضع القارئ أمام سؤال مرعب عن حقيقة من نكون فعلياً في ظل هذا الحضور الرقمي الكلي.




