«رونالدينيو» الساحر الذي يعبث في ملاعب السلطة
يعود وثائقي «رونالدينيو» على نتفليكس إلى سيرة أحد أكثر لاعبي كرة القدم فرادةً في العقود الأخيرة، متتبعاً موهبة خرجت من أحياء البرازيل الفقيرة لتفرض أسلوباً جديداً على اللعبة.


يعود وثائقي «رونالدينيو» على نتفليكس إلى سيرة أحد أكثر لاعبي كرة القدم فرادةً في العقود الأخيرة، متتبعاً موهبة خرجت من أحياء البرازيل الفقيرة لتفرض أسلوباً جديداً على اللعبة. لكن الفيلم يفتح أيضاً أسئلة أوسع عن الطبقة والهوية والسلطة ونظرة الغرب إلى المواهب القادمة من الجنوب العالمي
لا يختلف اثنان على احتكار الفقراء للمواهب الرياضية في العقود الخمسة الأخيرة، لا سيما الشعبية منها، تحديداً تلك التي تحتاج إلى شجاعة أو شراسة، أو كسر الضوابط، وخرق القواعد النمطية. هذا الخليط بين التمرد الإبداعي لا يمكن للمنظومات الشمالية الغربية التكيف معه وتحمّله. فالأنظمة معقدة، والتنفيذ له بنوده المنصوصة في الكتب. حتى الضحك له أدبيات ومبادئ، فكيف بالرياضات التي تحتاج إلى مساحات ضيقة ويلعبها الأولاد عراة بشغف، حفاة، يجرحون مفاصلهم بمتعة ثم يغسلون جباههم بالعرق المالح.
في 1992، صدر فيلم للممثل ويسلي سنايبس بعنوان White man cant jump. وكان العنوان لافتاً، فيه من الطبقية الرياضية المقبولة للاعبي كرة السلة أصحاب الأيادي السمراء. الأمر نفسه بالنسبة إلى لعبة كرة القدم، بل حساس، حيث لم تستوعب دول الشمال البيضاء هذه السيطرة اللاتينية على المواهب، فبحثت بشتى الوسائل عما يمكنه كسر هذا التفوق الجيني.
كرة القدم خارج القواعد
وثائقي رونالدينيو على نتفليكس مثال يمكن الوقوف عنده ومراجعته ضمن السياق الذي ذكرناه. موهبة لاتينية من جنوب البرازيل غير كلاسيكية، متبسمة، كاسرة لقواعد اللعبة، همها إمتاع مئات الملايين من الفقراء المحتشدين على شاشات صغيرة، والأغنياء المرفهين المتسمرين على الشاشات الكبيرة المستغربين لهذا التفوق.
لا تختلف بداية قصة الموهبة «رونالدينيو» عن غيره من اللاتينيين السابقين أو اللاحقين. أولئك الذين وصلوا أوروبا حاصدين الجوائز العالمية، والأخطر من ذلك تكريس العنوان المعروف التالي وهو «هذه اللعبة أيا تكن الإمكانات المادية أو المرافق المكرسة لها، والمدارس التي تعنى بتأهيل صغار اللاعبين ومتابعتهم، هذه اللعبة ستبقى حكراً على الفقراء أصحاب الروابط الأسرية، الباذخين لأموالهم دون حساب».
فضائح بسيطة غير موثقة فقط لإحداث الضجة
هكذا هو تماماً «رونالدينيو» أحد نجوم وحاملي كأس تحت الـ17 سنة 1997 وكأس العالم سنة 2002. استطاع الدمج بين تقنيات كرة قدم الصالات والشاطئ مع كرة القدم مما جعل أداءه مميزاً. قيل إنه كان يشاهد لاعبي كرة السلة لينسخ منهم بعض الحركات فيسقطها على كرة القدم. عندما سئل اللاعب الإنكليزي دايفيد بيكهام إذا كان متيقناً من خسارة إنكلترا أمام البرازيل في كأس العالم المذكور، أجاب بطريقة تعكس كل شيء قائلاً: «كنا متفوقين بواحد مقابل صفر ضد البرازيليين، حصلنا على ضربة ركنية مهمة وخطرة، نظرت إلى رونالدينيو فكان يتكلم البرتغالية مع الظاهرة رونالدو ويضحكان بشكل استهتاري، علمت حينها أن هناك خطباً ما، وأننا ممكن أن نخسر المباراة رغم تفوقنا».
من أحياء البرازيل إلى مجد برشلونة
الوثائقي عن رونالدينيو المتواضع والكاريزماتي الحاصل على أفضل لاعب في العالم مرتين، ليس فيه من جديد لا يعلمه المتابعون لهذا اللاعب الذي تكلم عنه في الوثائقي عظماء جلهم من اللاتينيين أبرزهم ميسي والظاهرة البرازيلية رونالدو. جينات كرة القدم حاضرة من خلال الأب الذي فقده رونالدينيو باكراً حين كان في عمر الثماني سنوات. حضور واضح لأخيه روبرتو كمثال أعلى وكلاعب كرة القدم كان قد سبقه في التجربة الاحترافية لكنه اضطر إلى اعتزال الملاعب بسبب إصابته المبكرة، فانتقل إلى إدارة أعمال أخيه الأصغر رونالدينيو. العلاقة الأسرية المميزة واضحة واستثنائية مع والدته وأخته.
يتحدث الوثائقي عن بداياته في البرازيل مع «غريميو» والانتقال إلى أوروبا، والنجومية في فرنسا مع باريس سان جرمان، ثم التألق الاستثنائي مع الفريق الكتالاني «برشلونة»، وبداية الانحسار مع «ميلان» الإيطالي والعودة إلى البرازيل للعب مع فرق عدة محققاً نجاحات في معظم مسيرته.
محاكمة أكثر من احتفاء
ثلاثة أجزاء غير كافية في الوثائقي لخصت نجاحات استثنائية من دون شك وهي الفوز بمعظم البطولات العالمية والجوائز الخاصة. لنقض كل هذا، يجب البحث عما يحول دون هذا النجاح أو يبخس منه. الغوص في المسائل الشخصية المتعلقة باللاعب ليست للسرد كما يتوقع البعض، بل للقول إن هذه المواهب لا ترتكز إلى قواعد الغرب الممنهجة الأسلوب والأدبيات والبعيدة عن «الرذيلة »، وأن الرياضي الغربي الشمالي يتمتع بلباقة الالتزام التي يفتقدها الجنوبي الأسمر، هذا ما عبر عنه مدربه الفرنسي لويس فرنانديز.
بدا الوثائقي ركيكاً، ومتواضعاً أمام موهبة نادرة محاولاً النيل منها وكسر وتيرة السحر الذي يتمتع به البرازيلي والإنجازات التي حققها. أفرد الوثائقي مساحة تنتقص من اللاعب عبر تسليط الضوء على علاقاته النسائية خلال لعبه في باريس، علماً أنه لم يذكر اسم سيدة واحدة. كما تكلم الوثائقي عن حصوله على جواز سفر مزور، مما أدّى إلى توقيفه مع أخيه. تكلم رونالدينيو عن الحادث بشجاعة كحدث مؤلم فيما أقر أخوه روبرتو بمسؤوليته عما حصل.
أظهرت الدراسات الغربية أن سبب تفوق الفقراء تقنياً في لعبة كرة القدم ــ بل وينطبق الأمر على معظم الرياضات الخاصة بالفقراء ــ يعود إلى المساحات الضيقة التي يعتادون عليها منذ صغرهم، وتجبرهم على التعامل مع الكرة بظروف صعبة. هذا الضيق نفسه هو سبب الحرية والجرأة التي يمتاز بها الفقير إذ تتسع رؤيته وينكشف طموحه، فيلعب بشغف المتعة أكثر منه للمال فلا يخفي عواطفه ويقر بأخطائه ومسؤولياته عن زلاته.
إزاء موهبة عالمية مماثلة يتبناها فقراء العالم، تستغرب البحث عن فضائح بسيطة غير موثقة فقط لإحداث الضجة في وقت يعج فيه العالم بأخبار وفضائح السياسيين المالية والجنسية من حكام العالم الحر الفاقدين لموهبة القيادة ولأدنى حدود الكاريزما.
«رونالدينيو» على نتفليكس
