«دار قنبز»: ما إلك إلا... «سلاح ستي للعمار الشامل»!
أطلقت «دار قنبز» مبادرة «سلاح ستي للعمار الشامل»، المستوحاة من الجدّات اللواتي حفظن الأرض والخبز والذاكرة خلال الحروب.


أطلقت «دار قنبز» مبادرة «سلاح ستي للعمار الشامل»، المستوحاة من الجدّات اللواتي حفظن الأرض والخبز والذاكرة خلال الحروب. تقوم المبادرة على توزيع آلات لصنع الصاج و«علب حب» تحوي بذوراً ومؤونة من مختلف المناطق اللبنانية، إلى جانب توثيق حكايات النساء وتجاربهن في الصمود
في قلب بيروت، مساحة لا تشبه ما آلت إليه العاصمة. مساحة صغيرة يملؤها الحب، في وقت نحن فيه بأشدّ الحاجة إلى تبادل الحب، كما تقول مؤسسة «دار قنبز» نادين توما.
في عالمها اللطيف في منطقة سامي الصلح، تجلس توما على أريكة جدّتها الحمراء، وتحرص على شرح تفاصيل المكان، من الكتب إلى الدمى، وقوارب الخشب المستوحاة من قوارب صيادي صور الذين انتقلوا إلى طرابلس خلال حرب عام 2024، حديقتها خلف الدار، وكل ما تحويه من نباتات وأعشاب تحفظ توما تفاصيله عن ظهر قلب، وصولاً إلى «سلاح ستي للعمار الشامل».
من جداتنا إلى كل النساء
بدأت الحكاية معها منذ طفولتها، يوم كانت تفضّل مجالسة النساء الكبيرات في السن، لأنّ لديهن الكثير من الروايات والحكايات، وكانت تستمتع بالتعلّم منهن، حتى إن والدها كان يسمّيها «الختيارة». تعلّمت منهن ماذا يعني ارتباط مجتمع ما بالأرض، وبالفصول، وبسهل البقاع، والمواسم، والمياه، والخيرات، والمؤونة، وكيفية عيش كل فصل بتفاصيله، والعلاقة مع النور والسماء والشمس والهواء.
حتى تسمية «دار قنبز» استوحتها من جدّتها التي كانت تعشق القنبز المحمّص والمملّح، وكانت، كما تصفها توما، «ملكة الحكايات، وهي كانت مدرسة لي في الحياة». تغوص توما في شرح الدور المهم جداً للنساء عامةً، وجدّاتها خاصةً، خلال الحرب اللبنانية، وخصوصاً أن رجال عائلتها لم يهمّشوا هذا الدور، بل عزّزوه.
وقد ولّد ذلك لديها شعوراً بمدى ارتباط الصمود والتجذّر والبقاء بهذه النساء اللواتي تمكّنّ من إدارة بيوتهن. حافظن على الصاج وكل ما يعنيه ذلك في مجتمعنا، من التغميسة والخبزة ورائحة الخبز الساخن، إلى العجن والطحن والزعتر والكشك، ومن هنا تصل إلى مثل محبّب إلى قلبها: «في بيناتنا خبز وملح».
مبادرة تنبع من الحب
في الوقت الحالي، نعيش فترة مليئة بالانشقاقات العاطفية والسياسية والمعنوية، وانشقاق السكان عن أرضهم، تقول توما. وخلال عملها على الأرض، وتحديداً مع النساء، عادت إليها فكرة «سلاح ستي للعمار الشامل» لقدرته على البناء، ولضرورة الاحتفال بنساء مجتمعاتنا وجدّاتنا وصمودهن، ضمن دائرة مكتملة تشبه دورة الحياة وديمومة الطبيعة، وبالتالي استمرارية الإنسان. بكثير من الحب، وقناعة أكبر، بدأت توما مبادرتها الجديدة، مستوحيةً من جدّاتها، ومن جدّاتنا جميعاً.
تتضمّن المبادرة توزيع خمسين آلة لصنع الصاج
تتضمّن هذه المبادرة توزيع خمسين آلة لصنع الصاج، إلى جانب «علبة الحب» التي تحوي البرغل، والعدس، والحمص، والفاصولياء، والزعتر، والكشك. وفي تماهٍ مع رسالة الدار بالحفاظ على التراث ونقله إلى الأجيال الأصغر، حرصت توما على العمل مع حرفيين وعمّال وفلاحين ومزارعين ونساء ورجال من مختلف المناطق اللبنانية، للعثور على بذور توارث الناس زراعتها عبر الأجيال. هكذا وصلت إلى سهل عيحا على سفوح جبل الشيخ المحتل، وحصلت منه على العدس والحمص والقمح والفاصولياء.
ومن عكار والبقاع والجنوب وبسكنتا، حصلت على بذور بلدية، وعلى الطحين بأنواعه المختلفة، من قمحة سلمونة، والقمحة الحورانية، والقمحة البلدية. وباتت هذه العلبة تمثّل مختلف المناطق، وأول «سلاح لستي للعمار الشامل».
التوثيق جزء أساسي
ولأنّ لدى الدار رغبة في التوثيق وحفظ الذاكرة، طُلب من المشاركين توثيق علاقة جدّاتهم أو أمهاتهم عبر مقطع فيديو أو تسجيل صوتي، حول كيفية صمودهن خلال الحرب الأهلية اللبنانية، أو الاحتلال الإسرائيلي، أو حرب تموز (يوليو) 2006، أو أي من الحروب التي عشناها، على أن تكون هؤلاء السيدات يتقنّ صناعة خبز الصاج. أما «الشرط الثاني»، فهو أن ينقلن هذه المعرفة إلى محيطهن، من العجن إلى الخبز، ولو حتى داخل مراكز النزوح. وتكمن فكرة المبادرة أساساً في المخزون الذي نملكه، والذي يجب أن نستنفره للصمود والقوة، بدلاً من انتظار المساعدات.
منذ إطلاقها، لاقت الحملة تفاعلاً كبيراً، خصوصاً من الأجيال الأكبر التي صنعت نوعاً من القطيعة مع تاريخها، وخجلت من جدّاتها لأنهن لم يتعلّمن القراءة والكتابة أو لم يتقنّ لغات أجنبية، لتكتشف لاحقاً إلى أي حدّ كنّ جزءاً أساسياً من تكوين هويتها. وبسبب الإقبال الكبير، ستطلق الدار حملةً جديدة لتأمين تمويل لاستكمال المبادرة، عبر بيع «تي شيرت» يحمل شعار الحملة، إلى جانب قطع فنية قدّمها عدد من الفنانين دعماً لها.
دور النساء في الصمود
تحمل هذه المبادرة فكرة جوهرية تتعلّق بالحديث عن نسائنا في الحروب، اللواتي يُستثنين غالباً عند كتابة التاريخ، إلا إذا حملن السلاح، أو كنّ ضحايا تعرّضن للاغتصاب أو الضرب أو الاختطاف. لكن لا يُذكر دورهن الفعّال والأساسي في تماسك المنازل، والتربية، وتحقيق التوازن المعنوي والعاطفي. وكما أن لنساء المدن دوراً فعّالاً. هناك أيضاً دور أساسي لنساء القرى لا يُحكى عنه كثيراً، وغالباً ما يُهمس به بوصفه ممارسات أبوية، وهي مقاربة فرضتها النسوية البيضاء، بحسب توما.
وتشير إلى ضرورة الانتباه إلى خصوصياتنا الثقافية عند الحديث عن هؤلاء النساء، وتعزيز هذا الدور، وشكرهن على تمسّكهن بأرضهن، وصناعة الخبز، وصمودهن حتى في أصعب الأوقات، ليكنَّ إلى جانب من قد يكون على الجبهة. كما أن هؤلاء النساء يشكّلن أساس التربية التي تحمل عمقاً وميثاقاً، تتجذّر فيه العلاقة مع الأرض والبلاد والانتماء، وهو ما يعزّز العيش المشترك.
من هنا تؤكد توما أننا سنعيد إعمار بلادنا مجدداً، لكن الإعمار الحقيقي، بالنسبة إليها، يبدأ من العيش المشترك. تقول إنّ «سلاح ستّي للعمار الشامل» ليس مشروعاً تقسيمياً، بل مشروع لبناء الجسور بين الناس، ولإعادة تذكيرهم بأن ما نأكله اليوم قد يكون زرعه شخص من منطقة أخرى أو من دين مختلف. وتضيف: «ماذا يعني أن نأكل فقط مما يزرعه من يشبهنا أو يؤمن بما نؤمن به؟ أي بلد نكون نبنيه حينها؟ وأي حياة؟».
لنحفظ تراثنا
جيل الشباب بات أكثر وعياً لمعنى الهوية الثقافية، لا السياسية أو الدينية فقط، تقول توما، وترى أنّ الدين والسياسة يجب ألا يمحيا هذا التنوع، لأن كل هذه العناصر تكمل بعضها. وتستشهد بمشروع «المدمّع» الذي أطلقته «دار قنبز»، المستوحى من تقاليد الرثاء الشعبي والعتابا التي كانت النساء يمارسنها في مختلف المناطق، بعيداً من الانقسامات الدينية. بالنسبة إليها، يساعد هذا التراث الناس على الشفاء والبكاء وطيّ صفحاتهم، فيما جرى تهميشه وتحريمه مع الوقت.
وترى أنّ ما نعيشه اليوم ليس مجرد حرب عسكرية، بل حرب على الذاكرة والثقافة والتاريخ أيضاً، وصولاً إلى البذور البلدية التي يجري استبدالها ببذور مستوردة، كأنّ المطلوب محو العلاقة بين الناس وأرضهم. لذلك تعتبر أن هناك مسؤولية جماعية لجمع المعارف من كبار السن قبل ضياعها، لأن كثيراً من عناصر تاريخنا اندثرت بالفعل.
وتشدّد على أن الحفاظ على التراث لا يعني رفض التطور، بل العكس تماماً، وتقول: «ما الذي يمنع أن أتقن البرمجة والزراعة في آن؟ لا تناقض بينهما. كما أنّ لا تناقض في أن أكون ملمّة باللغة العربية وأقرأ نيتشه». بالنسبة إليها، لبنان مساحة تجمع كل هذه الكائنات والهويات واللغات والتجارب، ويجب الاحتفاء بهذا الغنى بدل التخلي عنه.
البقاع والأرض ودورة الحياة
أظهرت الحرب التي نعيشها اليوم، الحاجة إلى التخلّي عن تعريف أنفسنا بأدوات الغرب، وإن كنّا قد تعلّمنا في الخارج. وتضيف: «لسنا من فراغ، ولسنا طاولة فارغة أو أرضاً صحراوية نملؤها من جديد. لدينا ثقافة، وحكمة، ومعرفة، وعلاقة متجذّرة بالأرض والصمود».
بالنسبة إليها، يحمل الناس في هذه البلاد تراكمات عمرها آلاف السنين من الخبرة والمعرفة اليومية بالطبيعة. وتستعيد مثلاً كيف كان الأجداد يعرفون منابع المياه ويقرأون تغيّرات الأرض والفصول من تفاصيل صغيرة. وتشرح تعبيراً شعبياً كان يستخدمه أهلها: «شقّ الصخر»، أي حين يذوب الثلج وتبدأ مياه الشتاء بالتدفّق ويتغيّر مجرى النهر. وتقول إن هذه التفاصيل ليست مجرد كلمات، بل ذاكرة حيّة وعلاقة حسّية بالأرض والماء.
نساؤنا صمدن حتى في أصعب الأوقات، ليكنَّ إلى جانب من قد يكون على الجبهة
وتربط ذلك بتجربتها الشخصية كابنة للبقاع، حيث يشكّل الماء جزءاً من الحياة اليومية. تصف كيف يرتفع صوت المياه في القرى، وكيف اعتاد الناس هناك رفع أصواتهم للتواصل وسط هدير الأنهر والجداول، حتى صار يُقال إن أهل البقاع يتحدثون بصوت عالٍ. وتضيف أن هذه البيئة نفسها تفسّر أيضاً جمال الأصوات الغنائية الخارجة من المنطقة، لأن هناك علاقة عضوية بين الإنسان والطبيعة المحيطة به.
وترى أن قطع هذه العلاقة مع الأرض يشكّل خطراً وجودياً. بالنسبة إليها، تدور الحروب اليوم أساساً حول الأرض والمياه، أكثر مما تدور حول النفط، لأن كل شيء يمكن إيجاد بدائل له، «إلا الأرض والماء، ما عندك بديل عنهما».
مقاومة البذور
وتلفت توما إلى وجود مبادرات كثيرة اليوم تعمل على حماية البذور البلدية، وإنشاء بنوك للبذور، وتوزيع الشتول على المزارعين، لكنها تؤمن بأن كل «حركات البقاء» يجب أن تتشابك مع بعضها. فالمقاومة المسلحة وحدها، في رأيها، لا تكفي إن لم تترافق مع المعرفة، وحماية الأرض والمياه، ودور النساء، والزراعة، والصمود اليومي. وتسأل: «شو نفع المقاومة إذا عم نلوّث المي أو نكسّر الجبال؟».
وترى أنّ الإصغاء إلى النساء الكبيرات في العائلة، وحفظ معارفهن وتجاربهن، جزء أساسي من هذا المسار. فالمطلوب ليس فقط محبتهن، بل الجلوس إليهن والتعلّم منهن والتشبّع بما يحملنه من ذاكرة. فشعار «سلاح ستي للعمار الشامل» يتكوّن من دائرة داخل دوائر لا متناهية، في إشارة إلى الترابط المستمر بين كل هذه العناصر. فالدائرة، كما تقول توما، لا نعرف أين تبدأ وأين تنتهي، تماماً مثل دورة الحياة.
«جنينة أهل الدار»
خلف الدار، ثمّة تجربة أخرى تعزّز العلاقة مع الطبيعة في «جنينة أهل الدار»، وهي حديقة عامة أُعيد إحياؤها بعدما بقيت مغلقة بين أربع وخمس سنوات، لتتحوّل مجدداً إلى مساحة مفتوحة للناس يومياً، باستثناء يوم الأحد. الفكرة، كما تشرح توما، لا تتعلّق بالتجميل فقط، بل بمحاولة إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمكان والطبيعة، وخلق مساحة يشعر فيها الناس بأنهم جزء من دورة الحياة المحيطة بهم.
تضمّ الحديقة نحو ثلاثين نبتة بلدية ومحلية، في تجربة تُعدّ فريدة ضمن الحدائق العامة. وقد جرى العمل على هذه النباتات بالتعاون مع خالد سليم، مع اهتمام خاص بالأنواع المهدّدة بالاندثار، ومنها «منتور بيروت»، وهي نبتة لا تنمو إلا قرب البحر، وفي لبنان تحديداً. وفي كل زاوية من «الجنينة» حكاية خاصة، من أشجار الفاكهة التي خُصّصت لها مساحة داخل الحديقة، إلى المراجيح الحديدية القديمة.
كما أُحيط المكان بالعطريات والورود وأشجار الزيتون، من المليسة والمردقوش وأنواع الزعتر والخزامى. وفي زاوية خاصة، استُخدمت الأغصان المقلّمة حطباً للطبونة، في محاولة لربط المكان بدورة طبيعية متكاملة تقوم على الاستدامة، وإعادة الاستخدام، واحترام إيقاع الطبيعة.

