حركة الأفروسنتريك في مصر: فنّ صناعة العدو!
يشكّل كتاب «حركة الأفروسنتريك وتأثيراتها المستقبلية على مصر» محاولة لفهم أفكار المركزية الأفريقية وتقدير تداعياتها المحتملة على مصر.


يشكّل كتاب «حركة الأفروسنتريك وتأثيراتها المستقبلية على مصر» محاولة لفهم أفكار المركزية الأفريقية وتقدير تداعياتها المحتملة على مصر. غير أنّ الكتاب يثير أسئلة تتعلق بدقة تعريف الحركة، وحدود مقاربتها أكاديمياً، ومدى نجاحه في التمييز بين البحث العلمي وصناعة التهديدات السياسية والثقافية
صدر عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب » كتاب «حركة الأفروسنتريك وتأثيراتها المستقبلية على مصر» (2026) بتحرير هبة جمال الدين ومشاركة عدد من الباحثين، ليضاف إلى لائحة بجهود مواجهة تهديد أفكار المركزية الأفريقية في مصر، التي اكتسبت زخماً إعلامياً متفاوتاً من آن لآخر. وازداد الجدل مع ما أثاره فيلم «أسد» لخالد دياب من ترويج لمثل هذه الأفكار من عدمه، ومواصلة ما يمكن اعتباره جدلاً واهياً حول المسألة يفتقر إلى أبسط القواعد العلمية المفترضة، في ظل تواري الأكاديميا المصرية ذات الصلة بالمسألة خلف بيروقراطية آسنة وغلبة المقاربة الديماغوغية وثقافة «السوشيال ميديا» والتحوّط لصنع «الترند» بغض النظر عن منطقيته وتكلفته بعيدة الأثر.
بين تسييس التاريخ والتطرف التاريخي
جاءت الدراسة المهمة – توقيتاً على الأقل – لتفكك، حسبما ورد في مقدمتها، وضع حركة الأفروسنتريك «بين تسييس التاريخ لدرجة المغالاة والتطرف التاريخي في الطرح لصالح رواية دون أخرى، وأصولية الحضارة (؟)، والدعم الأفريقي والتقارب الأفريقي الأفريقي، والانحدار الجيني، وخطاب المظلومية وخبرة الاستعباد، والاستيلاء على الحق والإرث الحضاري»، لافتة، من دون سند تاريخي دقيق، إلى ظهور الحركة في ثلاثينيات القرن الماضي «كحركة فكرية تدعو لدعم الحقوق المدنية للزنوج في الولايات المتحدة الأميركية» قبل نيل اسمها في حقبة السبعينيات «لتؤصل للهوية الأفريقية بالعالم ودورها في الحضارة الإنسانية» قبل انتشارها بين الجاليات الأفريقية في أوروبا وبين الأفارقة جنوب الصحراء وببعض الأقليات الأفريقية بالشتات، حسب صياغة المقدمة التي اجتهدت في ادعاء تقديم رؤية دقيقة تاريخياً وممهدة لطرح سيناريوات تفيد صانع القرار المصري في مواجهة هذه التهديدات، وفق العنوان الفرعي للكتاب.
هل قلت رصد مخاطرها؟
إذن فالكتاب واضح للغاية في هدفه؛ الذي يتمثل في الوقوف على ماهية حركة الأفروسنتريك، ورصد أبرز مخاطرها الكامنة ضد الدولة المصرية ومستقبلها، واقتراح توصيات وسياسات لمجابهة مخاطرها والتأهب لها مروراً بالتعرف إلى طبيعة الحركة ومقولاتها وادعاءاتها «ضد الحضارة المصرية»، والوقوف على التهديدات المستقبلية المحتملة، واستقراء مستقبلها في ضوء الوقوف على تنظيماتها الشبكية والحركية، واستشراف السيناريوات المستقبلية لمصر حال تنامي الحركة دولياً، ثم اشتقاق أبرز السياسات اللازمة للتصدي للحركة. وفي سبيل ذلك، ضم الكتاب أربعة فصول رئيسية: حركة الأفروسنتريك ومقولاتها الأيديولوجية؛ تفنيد ادعاءات الحركة المركزية الأفريقية بشأن الحضارة الفرعونية (هكذا نصاً)؛ الانتقال من الفكر للحركة كفاعل عابر للحدود؛ ثم مستقبل الحركة والسيناريوات المستقبلية.
ويلاحظ أنّ جهد الكتاب لوضع «تعريف» دقيق للمركزية الأفريقية وأهدافها وعرض أبرز روادها قد راوح مكانه في تكرار معلومات غير دقيقة تارة، أو عدم القدرة على فهم منهج الكتابة التاريخية وتوظيفها بشكل ملائم لفكرة الموضوع، على الأقل في الفصل الأول، وكذلك عدم القدرة على صياغة أفكار رواد الحركة وعرضها بشكل دال، عوضاً عن كتابة بعض الأسماء (لا سيما رسم اسم المفكر الأفروأميركي وليام دوبويس) والجمل بأخطاء إملائية وتحريرية متكررة على نحو ملفت.
وعلى سبيل المثال، وُصفت مقالة لرينالدو أندرسون (2012) بأنها تؤصل لمفهوم المركزية الأفريقية «التي بدأت إرهاصتها في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مع نهاية الحقبة الاستعمارية وإلغاء العبودية». إشارة محيرة للغاية تناقض ما رسخ من أن نهاية الحقبة الاستعمارية غالباً وقعت نهاية الخمسينيات ومطلع ستينيات القرن الماضي في أفريقيا، وإلغاء العبودية تم رسمياً – على سبيل المثال – في الإمبراطورية البريطانية في عام 1833، وفي الولايات المتحدة في عام 1865.
مأزق التعريف والجذور الفكرية
طرح الكتاب في الفصل الأول سؤالًا بالغ الأهمية والدقة والطموح في آن واحد، وإن جاءت عملية الإجابة عنه مغايرة نوعاً ما، وهو ضرورة الوقوف على ماهية الحركة، وحسم الموقف منها: هل هي نظرية معرفية، أم منهج بحثي أو أيديولوجية فكرية؟ ويمثل السؤال حقيقةً تحدياً جاداً وشاقاً أمام أي باحث متخصص في المسألة، عوضاً عن اطّلاع باحثين غير متخصصين في هذه المهمة.
وعلى سبيل المثال، بدأت عملية تحديد مفهوم المركزية الأفريقية بإشارة ظهورها «في القرن التاسع عشر»، من دون تبين حدود فاصلة بين جذور الفكرة، التي لم تنقطع عن إرث الثقافة الأوروبية المسيحية كما عاينها الأفروأميركيون والنخب الأفريقية منذ نهاية القرن الثامن عشر على أقل تقدير، وقوامها الرئيسي ما ورد عن مصر في الكتاب المقدس، وهو ما أشار إليه الكتاب في مواضع أخرى من دون توظيفه تاريخياً على نحو مناسب، وقللت من أهميته الصياغة اللاهثة والمتقطعة وكثير من «عيوب» الترجمة مثل الإشارة الوحيدة في الكتاب لوليام ويلموت بلايدن (ت. 1912، وعُد الأب المؤسس للقومية الأفريقية الحديثة وزار مصر وفلسطين وأنجز كتاباً مهماً ومرجعياً عن رحلته لهما تضمّن أفكاراً ثورية في «المركزية الأفريقية»: From West Africa to Palestine, Freetown 1873).
وقد جاءت على النحو الآتي: «وظهرت بعض الأعمال العلمية التي طوعت التاريخ الأفريقي «كمخطط للنبوة» مثل إدوارد ويلموت بلايدن، مبشراً بأنّ سانت توماس «أصبح تربوياً» في غرب أفريقيا الاستعمارية، فاعتبر التاريخ مهماً ليس لتصحيح «الرقم القياسي العالمي» بقدر ما هو (مهم) لإعادة صياغة مصير الشخصية الأفريقية». ثم يمرّ على كتابات عدد من الرحالة والمستكشفين عن مصر وحضارتها في عصور قديمة ووسطى وحديثة، ولا سيما الفرنسي قنسطنطين فرانسو فولني ورحلته ورصده للآثار في مصر وإثيوبيا في عام 1782 التي كان لها أبلغ التأثير في بنية أفكار «المركزية الأفريقية»، واستلهامها من الثقافة الغربية، ومشيراً إلى أنّها ذات نتاج تراكم معرفي، ممتد الجذور، وظهور المفهوم بدلالته السياسية والأيديولوجية الراهنة التي سعى الكتاب إلى تفكيكها.
وبعد مناقشات مسهبة أهمها مسألة النوبة في مصر وارتباطها بنزعة المركزية الأفريقية، توصّل الفصل إلى اعتبار الأخيرة «نظرية معرفية، وأحد تطبيقات نظرية ما بعد الحداثة والنظرية البنائية»، وأنها رأت الجنس الأسود قوةً اقتصادية مهمة للاقتصاد العالمي، وأعلنت عنصرية المركزية الأوروبية وتآمرها عليها.
زنوجة الحضارة المصرية القديمة
يمثل الفصل الثاني من الكتاب إسهاماً مهماً، وفارقاً عن نظيره الأول، لاعتماده منهجاً متعدد التخصصات في الرد على ادعاءات الحركة بزنوجة الحضارة المصرية القديمة؛ وإن لم يفارق صياغة الكتاب قدر ملحوظ من الركاكة وعدم وضوح الجمل والتوقف عند الأفكار بشكل محدد.
قدم الفصل في جزئه الأول درساً مهماً في تفنيد الادعاءات الخاصة بزنوجة الشعب المصري من خلال مزج ما رآه كتّاب العمل من حقائق تاريخية مع نتائج أثرية مهمة ومستخدمة لتقنيات حديثة تستبعد بشكل قاطع، حسب خلاصاتهم، وجود أي نسبة معتبرة من العناصر الزنجية في الحضارة المصرية القديمة. ورغم التماسك النسبي لصياغة هذا الفصل وتحليلاته الدقيقة أو المحددة مقارنة ببقية الفصول، فإنّ ثمة فقرات مكررة بشكل ملفت تحت عناوين مختلفة، مما يوحي باضطراب تحريري أولي لا يرقى إلى أهمية العنوان.
ويرجع الفصل الثالث من الكتاب إلى مساره السابق بدراسة ما وصفه بـ «حركة المركزية الأفريقية والانتقال من الفكر للحركة كفاعل عابر للحدود»، باحثاً تحت هذا العنوان المباغت عن كيفية الانتقال من الأدلجة إلى الفكر والفعل (ولا نفهم هنا ما المقصود بالضبط بالتفرقة بين الأدلجة والفكر كمرحلتين متباينتين). كما وظف الفصل مفهوم الفاعلين من غير الدول للوقوف على أذرع حركة المركزية الأفريقية ما بين «جمعيات ومنظمات مجتمع مدني ومراكز فكر، وجامعات، وشركات عابرة للحدود». أدوات اعتبرها الكتاب «سبل نشر تلك السردية».
مناقشات مسهبة أهمها مسألة النوبة وارتباطها بنزعة المركزية الأفريقية
تتبع الفصل هذه السبل بقدر من التفصيل والمبالغة، مازجاً بشكل ملتبس بين الثقافة الأفروأميركية وتطور بنيتها داخلياً في المجتمع الأميركي منذ القرن السابع عشر تقريباً، ونزعة المركزية الأفريقية في هذه الثقافة التي لم تكن على وتيرة واحدة في القرون السابقة، وتحتاج بالضرورة إلى عدم الفصل بين «مشروعها» السياسي العالمي أو عبر «الأفريقانية»، ونشأتها كرافد داخل الثقافة المسيحية الأنغلو-سكسونية ورؤيتها لأفريقيا وللحضارة المصرية.
على سبيل المثال، اعتبر المؤلفون أن أفلاماً مثل Moonlight (2016)، وBlack Panther (2018)، قد حازت تقديراً نقدياً من مؤسسات أميركية كونها تخدم – بالأساس – أفكار المركزية الأفريقية، بالمعنى الذي يقصده الكتاب بالأساس، فيما يعجز عن تفهم الإطار العام للثقافة الأفروأميركية ودلالات مصطلح المركزية الأفريقية داخلها كتوجه للاعتزاز بالجذور الأفريقية بشكل عام.
خلط المفاهيم
يمتد هذا الخلط إلى تناول دور الجامعات الأميركية في دعم «المركزية الأفريقية». على سبيل المثال، يبرز الفصل قيام جامعتي «تمبل» و «هارورد» (يقصد جامعة «هوارد») بتدريس مقررات الحركة. ويشير إلى أنّ الأولى أسست «كرسيَّ أستاذية في مجال الدراسات الأميركية الأفريقية (الأفروأميركية؟)، من خلال طلاب الدراسات العليا في تخصص علم أفريقيا في عام 1988». وللمفارقة فإن الجامعتين (تأسست «هوارد» في عام 1864، و«تمبل» في عام 1884) كانتا بالأساس حاضنتين لأفكار المركزية الأفريقية منذ السنوات الأولى لنشأتهما بالفعل، واحتضنت جامعة «هوارد» تحديداً نمو شخصية المفكر الأفروأميركي الرائد آلان ليروي لوك رائد ما عُرف بنهضة هارلم في عشرينيات القرن الماضي ورفيق ماركوس غارفي صاحب الفضل الأكبر في نشر أفكار المركزية الأفريقية عالمياً في النصف الأول من القرن نفسه.
نحو دعم صانع القرار «المصري»
جاء الفصل الرابع والأخير من الكتاب ليقدم واضعوه سيناريوات مستقبلية ومقترحات سياسات ممكنة لدعم صانع القرار (المصري)، لينبه في جزء منه إلى تهديدات وقضايا من قبيل مشروع مراكز الفكر الأميركية بإعادة ترسيم المنطقة (سايكس بيكو جديد) وموقع منطقة النوبة المصرية في هذا المشروع، وأوضاع السودانيين المقيمين في مصر، وكذلك «إسرائيل» وحركة المركزية الأفريقية.
قدم الفصل خلاصات كثيرة أقرب لأوراق السياسات المجمعة، وإن افتقر لدقة المرجعية والاستناد إلى النصوص ذات الصلة وقراءتها بشكل سليم. ففي جزء مهم (افتراضاً) تناول «الادعاء بيهودية الأفارقة الأميركيين» ناقش المؤلفون أفكار الأنثروبولوجية الفرنسية إديث برودر على أنها أفكار أحد الكتاب الأفروأميركيين.
واختتم الكتاب بخلاصة «مثالية» ترى أنّ الحركة ليست مجرد خطر تجب مجابهته، بل إن وجودها فرصة لتصدي مصر لتلك المخاطر الكامنة في الحركة من خلال «تقوية مناعة المجتمع المصري من ناحية، ودعم مناطق الضعف والهشاشة التي يمكن أن يكون منها النفاذ لاختراق المجتمع (النوبة نموذجاً) من ناحية، وتعظيم الفرص الخاصة باستخدام خطاب المركزية الأفريقية وتوظيفه سياسياً كجسر للنفاذ للدول الأفريقية، والنخب المتعلقة بهذا الخطاب، لا سيما المعتدل منه الذي يقبل التنوع والتعايش وعدم الإقصاء للمكونات الأخرى للحضارة المصرية».
ولئن كانت تلك غاية الكتاب الحقيقية، فإن الواقع يشير إلى أن النخب الأفريقية قد تجاوزت خطاب الكتاب بالفعل، وأن ما ورد فيه لن يساعد في جسر الفجوة المذكورة، بل إن تناقضات النص وهشاشته تخصم من جهود مصر في الأعوام الأخيرة لاستعادة الدور والتأثير في القارة الأفريقية كجزء أصيل منها. وفي أفضل الأحوال يظل هذا النص فاعلاً في سياقه المحلي، وفي دوائره اللصيقة، كونه يتسق مع مستوى الأكاديميا التي «راجعته ومررته» لملاحظة أن المشرفين على صدور الكتاب عدد من الأساتذة في التاريخ الأفريقي في جامعة مصرية.
