«فُلك»: مكتبة تُبحر بالكتب والحكايا
في شارع الحمرا، حيث لا تزال ذاكرة المكتبات والنقاشات الثقافية حاضرة، ولدت «فُلك» كمساحة جديدة تحاول إعادة وصل المدينة بالكتاب. مكتبة تقليدية مركبة، تجمع القراءة والحوار والفنون، وتمنح الزائر فرصة لاكتشاف الكتب والأفكار والتجارب المختلفة


من قلب الحرب والدمار، ولدت «فُلك» في شارع الحمرا، مكتبةً، وبيتاً ثقافياً مفتوحاً يجمع القراءة والحوار والإبداع. ففي حي الوردية، اختار القائمون على المساحة الجديدة أن يعيدوا إحياء فكرة المكتبة بوصفها مكاناً للقاء وصناعة الأفكار، تتقاطع فيها هذه المساحة المتعددة الوظائف، القراءة مع الحوار، والكتاب مع الصورة، والفكرة مع التجربة.
عودة إلى شارع الكتاب
اختيرت الحمرا لأن الاتجاه كان في الأساس بيروت، كما يروي لنا مؤسس المكتبة محمد ناصر، فالحمرا فرضت نفسها بما تحمله من تاريخ ثقافي طويل، وبما مثّلته لعقود كشارع للمكتبات والجامعات والنقاشات الفكرية. وفي زمن بدأت فيه مساحات كثيرة تغلق أبوابها وتتراجع فيه المكاتب الثقافية، جاءت «فُلك» محاولة لخلق مساحة جديدة تحافظ على علاقة المدينة بالكتاب.
تعود جذور المشروع إلى تجربة ناصر الطويلة مع الكتاب والعمل الثقافي. بعد سنوات من العمل في مركز «أوال للدراسات والتوثيق»، جاءت فكرة الاستثمار في المجال الأقرب إليه، وهو الكتاب. كان الهدف إبقاء العلاقة اليومية مع صناعة الكتاب، من الفكرة والإنتاج وصولاً إلى القارئ.
يعرّف نصار «فُلك» بأنها «مكتبة مركّبة»، لأنها تتجاوز مفهوم المكتبة التقليدية، فهي ليست مكتبة أكاديمية أو تقنية محدودة المجال، بل مساحة تجمع موضوعات مختلفة وفق رؤية انتقائية. يحضر فيها كتاب الفني والمصوّر بشكل خاص، إلى جانب الرواية والسياسة والتاريخ والفكر. فالهدف، بحسب ناصر، اختيار كتب تحمل قيمة معرفية وجمالية، وتمنح الزائر فرصة لاكتشاف أعمال قد لا يجدها بسهولة في كل مكان.
خضعت عملية اختيار الكتب لخبرة ناصر الطويلة في عالم النشر والمعارض الدولية، واعتماداً على مجموعة معايير، من بينها أهمية الكاتب، ودار النشر، وحضور الكتاب في المجال الثقافي والمعرفي، إضافة إلى التشاور مع كتّاب وباحثين وأصدقاء من عوالم مختلفة.
برنامج ثقافي عابر للأجيال
في انطلاقتها، خصصت المكتبة برنامجاً ثقافياً امتد لثلاثة أيام، انطلق يوم الخميس 11 حزيران (يونيو)، في يوم مفتوح، تعرف خلاله الزوار إلى أقسام المكتبة. وفي اليوم الثاني، استضافت المكتبة أمسية شعرية بعنوان «شِعر بصوتين» جمعت الشاعرين عباس بيضون ومحمد ناصر الدين، في قراءات حول الحب والمدينة والجنوب، وهي موضوعات تشبه روح المكان القائم على علاقة الإنسان بمدينته وذاكرته.
محاولة لخلق مساحة جديدة تحافظ على علاقة المدينة بالكتاب
أما اليوم الثالث، فخُصص لأدب الطفل والناشئة من خلال لقاء حواري حول «دليل كتابة أدب الطفل والناشئة» بمشاركة الكاتبتين فاطمة شرف الدين وأمل ناصر، تلاه توقيع كتاب «خطوة خطوة نحو الاحتراف» لفاطمة شرف الدين الصادر عن دار صنوبر بيروت.
ويأتي الاهتمام بكتب الأطفال انطلاقاً من سؤال يعتبره ناصر القائم على المشروع أساسياً: «ماذا نقدّم للأجيال الجديدة؟» لذلك تسعى «فُلك» إلى بناء زاوية خاصة للطفل، تهتم بالمحتوى الذي يصل إلى القرّاء الصغار وبالعلاقة الأولى بينهم وبين الكتاب.
سفينة صغيرة في قلب المدينة
من المكان ولد الاسم، ومن علاقة رمزية بالمدينة والبحر. فـ «الفُلك» هو سفينة للعبور والانتقال، وفي الوقت نفسه هو مكان يحمل الناس والحكايات والأفكار والذكريات من ضفة إلى أخرى. ومن هنا جاء الاسم كصورة لمكتبة تجمع ولا تفرّق، تحمل الكتب كما تحمل السفن المسافرين.
يتشكل معنى الاسم من ثلاثة مستويات متداخلة، يقول ناصر، الفُلك بوصفه رمزاً للحمل والعبور والتلاقي، والبيت بوصفه نقطة البداية لفكرة المشروع، وبيروت والبحر بوصفهما الأفق الجغرافي والرمزي الذي يحتضن التجربة. فالمدينة المفتوحة على المتوسط، والمرتبطة دائماً بلون البحر الأزرق وأفقه الرحب، تمنح المكتبة جزءاً من هويتها. بهذا المعنى تبدو «فُلك» كأنها فُلك صغير راسٍ في قلب الحمرا، يحمل الكتب والتجارب الثقافية المتنوعة.
تستعيد المكتبة أيضاً فكرة البيت، ذلك الفضاء الحميم الذي يجتمع فيه الناس حول الحديث والقراءة. لذلك صُممت المساحة لتكون مكاناً للجلوس والتبادل الثقافي، أكثر من كونها متجراً. كما يعمل الفريق على تطوير أقسام إضافية، من بينها معارض متنقلة للصور واللوحات الفنية، لتتحول الجدران إلى مساحات للذاكرة البصرية تكمل ما ترويه رفوف الكتب.
إلى جانب الكتب، تضم المساحة ركناً للتذكارات الثقافية والهدايا مثل الدفاتر والحقائب والمنتجات المستوحاة من عالم القراءة، إضافة إلى ركن صغير للقهوة. لكنها تحافظ على هويتها الأساسية، كمكان يأتي إليه الناس من أجل الكتاب وما يدور حوله من أفكار.
تفتح «فُلك» أبوابها من الثانية عشرة ظهراً حتى الثامنة مساءً، فيما تُخصص أوقات أخرى للورش والفعاليات. وبين الكتاب والعمل الفني والحوار، تحاول هذه المساحة أن تقدّم نموذجاً جديداً للمكتبة، مكاناً حيّاً تتجاور فيه الكلمة مع الصورة، والقراءة مع اللقاء، وذاكرة بيروت مع مستقبلها الثقافي.


