ربما يخطئ الإلهُ
لستُ امرأةً صالحة لستُ امرأةً صالحةً بمعاييرِ الصلاح ولم يُسمّني أبي باسمِ إحدى زوجاتِ الأنبياءِ أو النساءِ القانتات.


لستُ امرأةً صالحة
لستُ امرأةً صالحةً بمعاييرِ الصلاح
ولم يُسمّني أبي باسمِ إحدى زوجاتِ الأنبياءِ
أو النساءِ القانتات.
لم أزرْ مكةَ قَط،
ولستُ درويشاً ولا شيخَةَ طريقةٍ بالطبع.
لكنَّ اللوعةَ تُنقِّي البصر،
فنغدو صُلّاحاً ودراويشَ في لحظةِ حنين
نَتحرّرُ من قبضةِ الأجساد
من حصارِ الأمكنة
نحلّق مثل المبروكين.
أُغمِضُ عينيَّ فأرى وطناً قصياً
وأحبّاءَ بعيدين.
أنا الآن أرى أمي
بوضوحٍ من على بعد خمسة آلاف ميل،
دون تدخل الإنترنت
تتحدّثُ عني
تذكُرُ اسمي لجارتِها
التي تصنع القهوة
وتلعن زوجها البخيل والرئيس.
تقولُ أمي بحَسر:
ابنتي لا تَضَع الحِنّاء يا زينب
وتصرُّ على ارتداء الأسود والجينز
تكتبُ القصائد وتدور في المقاهي الأجنبيةِ بلا هدف
تتحدّثُ عن الحب كثيراً
وأُدرِكُ بقلبي أنها تكذب.
وأبي الميت
يمُد يديه في تردّد
يريدُ معانقتي لكنه يخاف
إن عانقني أموتُ مثله
فينسحب
يُجَرجِرُ أشواقه ويذهب
ويُعلنُ المنبه موعد إيقاظ أطفالي للمدرسة
ينتزعني من حلقةِ الدراويش تلك
يُرجِعني لمكاني.
تصلي أمي الفجر
يعود أبي للنوم في قبره
أذهبُ للمطبخِ لأصنع الشاي بالحليب.
لذة
لحظةُ ارتطامي بمائك
ولادتي منك
شهقت الغابة
وانحدر القمرُ بزاويةٍ حادّةٍ
مثلَ سيفِ ساموراي.
لحظتَها استقام الكون
واستدارت روحي
أُدركتُ اللذّة
فهمت.
لو كان لي مِنقارٌ مكان شفتي
لو كان لي مِنقارٌ مكان شفتيّ
لـ ظللتُ العُمر كلّه أنقُرُ صدرَك
أُحدِثُ في غاباته الخرابَ
أُغيِّرُ مجرى النهرِ، أُفزِعُ الحوريات
لكن للأسف
لي شفتان خائنتان
يُمكِن إخمادُ ثورتهما بقُبلة.
الأخطاءُ بالغةُ الصواب
ما ذنبُنا؟
إن بُعِثتْ أرواحُنا حرّة
لا موضعَ فيها لقِفلٍ،
ولا
لكتابةِ مرسومِ الردع المقدّس.
صُمِّمنا هكذا،
بعطب جميل في المشاعر.
ربما يخطئ الإلهُ أيضاً
لكن أخطاءَ الآلهة
مقصودةٌ على أية حال
دائمًا لسرٍّ نبيلٍ لا تُدرِكه عقولُنا الفانية.
ما ذنبُنا...
إن كنا لا نَسأمُ
من تكرار الأفعال المدرَجة
تحت قائمة المعاصي؟
نحن خطّاؤون ومذنبون في الأصل
لذلك أوجد الربُّ الأنبياء.
الأخطاءُ بالغةُ الصواب،
اللذيذة
تهبطُ بنا في كلِّ رعشةٍ درجة
وفي كلِّ قُبلةٍ سماء.
نُمارس العِشقَ بينما نهبِط
لا وقت
للَمّ البعثرة
للتوبة
لقَضمةٍ لذيذة من فاكهةِ الشر
لاقتطافِ ورقةِ توت
لقد تجاوزنا السماءَ المئة
لا يمكنُنا التراجع.
نحنُ استَوَينا على بسيطةِ الهوى
على العُشبِ والتراب،
نتقرفص على حافةِ الدنيا
نروي تفاصيل الحكايةِ للريح
نُعلِّمُ صغار الدودِ التقبيلَ والصلاة
بأنهم ليسوا قبيحين كما أُشيع
هم مثلُنا،
آتون من هناك.
فلنؤجِّلْ طلبَ المغفرةِ للغد.
ولنَغنِّ أغنيةً أخيرة،
وننتظرْ قرار الربِّ في الصباح…
غَصّة انفرادية
مُنتصفَ اللّيل
ها أنا ذا...
أضعُ الأواني في آلةِ الغسيل
أُنظّفُ أسطُحَ المطبخِ
أطوي الملابس
أضعُ ما تبقّى من الطعامِ في الثلّاجة
أتأكّدُ أن الأبوابَ مُغلقة
قفصُ الطيورِ
مخفيٌّ عن الضوء
لتستريحَ من التغريدِ بلا جدوى
والقطةُ
تغفو في مكانٍ دافئ.
ها أنا ذا،
أمشّطُ شعري
أُطبّقُ روتينَ العنايةِ اليوميّ بالبشرة
بحذافيره
طبقةً فوق طبقة.
أتفقّدُ الصغار
أحاولُ الولوجَ إلى أحلامهم
لأتأكّدَ أنّهم سعداء:
يحلمونَ بأميراتٍ طيّبات
حدائقِ جوري
وموسيقى.
أعودُ إلى غرفتي
أتحسّسُ حوافَّ الجدران
الأثاثَ
والسجادة.
أضطجعُ على الفراش،
أسترجعُ الإيقاعات
أستعدُّ للغَصّةِ الانفرادية
أخيرًا،
أنا وحدي.
لا أحدَ سواي يفتحُ أزرارَ العباءة
يرمي العباءة
يتجوّلُ داخل هذا الجسد
مُشعَّثةٌ وبدونِ مكياج،
ومعي
لترُ دموعٍ
لما تبقّى من الليل.
لا تُفَكِّر في الاقتراب
لو كنتَ تخشى لسعَ النحلِ
لا تُغرمْ بامرأةٍ مثلي.
لا تُفَكِّر في الاقترابِ
في بدءِ حديثٍ معها
ومحاورتها عن الشعرِ
والمناخِ
ومذاقِ الشامبانيا
وإيّاكَ إيّاك،
أن تُفَكِّرَ في تقبيلها
في تطويقِ خصرِها ودعوتها للرقص
أو في قطعِ تذكرتينِ
لفيلمِ السابعةِ مساءً
فبعضُ النساءِ
مثلي:
لا يُنالُ عسلُهُنَّ إلا باللسع.
امرأةٌ نحيلة
امرأةٌ نحيلة،
ترتدي تنّورةً سوداء وحذاءً أحمر
تُخفي حاجبيها المقوّسين في قبّعةٍ فرنسية.
بيديها الصغيرتين
تحرّكُ شعرها للخلف
حين تتوتّر.
رأيتُها داخل رأسك
تتجوّلُ
وكأنّها تمتلكه.
أُخطّطُ لقتلها
اللّيلة.
*شاعرة سودانية مقيمة في أميركا
