قـطارات
قطار السابعة مساءً البراق من طنجة إلى الدار البيضاء السرعة 312 كيلومتراً في الساعة... في أعالي الهضاب منزل آيل للسقوط


قطار السابعة مساءً
البراق من طنجة إلى الدار البيضاء
السرعة 312 كيلومتراً في الساعة...
في أعالي الهضاب منزل آيل للسقوط
منفرد كما لو أنه خروف يرعى بعيداً من القطيع لي فضول غريب أن أعرف ساكنيه.
كيف يصرفون أوقاتهم؟
هل يشعرون بالحزن أم بالسعادة؟
هل تصيبهم الوحشة أم يتآلفون مع الطبيعة؟
ماذا يفعلون بذئاب الضجر لو هجمت؟
ماذا يأكلون؟
وماذا يشربون؟
كيف يقضون حاجاتهم الضرورية؟
كيف يضاجع الرجل زوجته مثلاً؟
وماذا لو حملت الزوجة أو أنجبت طفلاً؟
كيف يتدبرون الأمور؟
أتسكع بين المقصورات متجنباً ذاك الصاحب الثقيل:
ديسك الظهر.
أصل إلى المقصف
وأبقى طويلاً متأملاً من خلف النوافذ
ثم أتسكع من جديد...
يصبُّ الليلُ سيولَ ظلامه الدامس
تبدو الأشياء غارقةً في النعاس خارجياً لا يكاد طيف لكائن ما يظهر
وسط خضم الوحشة الهائلة
سوى أضواء المباني والطرق
تتلامع من بعيد
كحرس يسهرون على هدوء المدينة وطمأنينة الكائنات.
المرأة التي في القطار
في القطار
المرأة قبالتي ساكتة
كما لو أنها نابتة في جذر شجرة
معزولة
كما لو أنها حجر
في بؤبؤ عينيها دمعة قاسية
أقسمتْ ألا تنزل
ثمة شلال يكاد يجفّ في عروق جسدها
وفاكهة مضى وقتها
في حلقها نار مشتعلة
كلما طالت الطريق
كانت المرأة تحلو في سكوتها
كانت
تبتسم كلما أعيننا تلاقت
في الطريق
قلتُ أغمضُ عيني قليلاً
وحينما أفقْتُ
كان الكرسيُّ أمامي خاوياً…
بقي رابضاً في المكان سكوتُها
المرأةُ التي كانت تبتسم لي
أبْقَتْ شيئاً منها في داخلي
ونَزَلَتْ…
في القطار البريطاني
الآن ليلاً
في القطار المتجهِ إلى مانشسترَ مِنْ لندنَ
امرأةٌ أربعينيةٌ ذات بشرةٍ قَمْحيةٍ
لوحدها منكبةٌ تكتبُ
بلا توقفٍ على دفترها الصغير.
ربّما كتبتْ: لم أعدْ بحاجةٍ إلى الحبِّ،
لا متسع إلا لكتابةِ الليل
في جسدي الذي ما يزالُ طريًّا وعبقاً.
وربّما كتبتْ:
الحياةُ زاخرةٌ بما يكفي هنا،
فلأشربْ هدوءَ القطارِ السريعِ،
ولأنعمْ برائحةِ الوقتِ الذي ينسدلُ سريعاً هو الآخرُ.
سكة خاوية
(وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس)
أيتها السكة الخاوية
ها هو يقبع على حديدكِ سجل المدهوسين بين عجلات زميلكِ القطار
أكاد أراه ماثلاً أمامي
وأتخيلني مكانهم تماماً
ستقولين ربما كان أحدهم قرر الانتحار
ربما قرروا أن يتخفّفوا من حقائب اللاجدوى على كواهلهم
وربما حدث ذلك بالخطأ...
وسأقول:
أكان دورك أن تنقلي البشر بين محطات الحياة
أم أن تنقليهم إلى محطات الموت الأبدية؟
أكان عليكِ أن ترأفي بهم
أم أن تُنزلي عليهم بأسَ حديدكِ الشديد؟
المحطة/الهاوية
(مرّ القطار سريعاً، كنتُ أنتظرُ-محمود درويش)
قطارنا السريع الذي مرَّ بكَ
عبثاً نزجر سائقَهُ المجهول
أن يتمهل قليلاً
قبل النزول في محطة غامضة
لا نعرف توقيت الوصول إليها
ولا ينبغي لنا ذلك...
محطةٌ
هاوية هائلة
أو ربما فردوس هائل...
من يدري؟!
تيه
جاءت إليّ
تُريني بطاقة السفر
تسألني عن الوجهة
شككتُ أنها تريد شيئاً آخر
ارتبكتُ
أجبتُ في غير ثقة.
نظرتْ في وجهي باستغرابٍ وسخريةٍ
وانصرفتْ...
في نفق المانش
دخل القطارُ في نفقٍ غامض
لم يكنْ يبدو أننا تحتَ بحرٍ يموج
كلُّ شيءٍ هنا موارب
رحلةٌ
لا هي من النهار
ولا هي من الليل
كما لو أننا في مهبِّ الخيال
في وقت تشتهي خلاله أنْ تكون سمكةً في هذا البحر الذي فوقك
أو هكذا يبدو.
قرابة الساعتين
وصلنا إلى وجهتِنا على الجانب البريطاني
سأل المفتشُ العجوزُ صاحبي
بلكنةٍ إنجليزيةٍ عتيقة
بعد أن رأى سمة دخول إيرانية في جواز سفره:
Why did you go to Iran?
ابتلع صاحبي لسانَهُ ولمْ يفهم...
أجبتُهjust visit, just visit :
نظر إلينا بتفحص
ثم خَتَمَ الجوازات
وتركنا ننصرف إلى سبيلنا...
* شاعر من البحرين
