بدر الحاج يعرّي أسطورة «الانتداب الحضاري»
يعيد بدر الحاج، في الجزء الثاني من «الوثائق السرية للاحتلال الفرنسي»، قراءة مرحلة مفصلية من تاريخ المشرق عبر وثائق فرنسية نادرة.


يعيد بدر الحاج، في الجزء الثاني من «الوثائق السرية للاحتلال الفرنسي»، قراءة مرحلة مفصلية من تاريخ المشرق عبر وثائق فرنسية نادرة. يكشف الكتاب آليات العنف الاستعماري خلال الثورة السورية الكبرى، ويضيء على ثورة البراق وشبكات النفوذ والدعاية وشراء الولاءات، مقدّماً أرشيفاً يطعن في السرديات الرسمية ويعيد فتح ملفات لم تُغلق بعد
يواصل بدر الحاج تقويض السردية الوطنية الرسمية، ونقض التاريخ الذي كُتب على مقاس الانتداب الفرنسي. في مجلده الثاني «الوثائق السرية للاحتلال الفرنسي» الصادر حديثاً عن «دار كتب». يضع بين أيدينا كنزاً وثائقياً نادراً، استُخرج معظمه من مركز الأرشيف الدبلوماسي في نانت (CADN).
هذا ليس كتاباً تاريخياً بالمعنى التقليدي، بقدر ما هو محاكمة مؤجّلة منذ عقود؛ ملف اتهام مفتوح يكشف، من داخل الوثائق نفسها، عن عنف الاحتلال الفرنسي في سوريا، ويضيء في الوقت نفسه على شبكات النفوذ والرشوة والدعاية التي رافقت بدايات المشروع الصهيوني في المنطقة قبل قيام إسرائيل.
يغطي هذا الجزء الأعوام الممتدة بين 1925 و1930، استكمالاً للجزء الأول (1895–1925). ما يمنح هذا العمل فرادته ليس جمع الوثائق فحسب، بل قدرته على إعادة تركيب آليات السلطة الاستعمارية من داخل غرفها المغلقة، بما فيها من تناقضات وفضائح وشبكات نفوذ. مستنداً إلى 91 وثيقة سرية من أرشيف نانت، يضع الحاج إصبعه على الجرح المفتوح في الذاكرة الاستعمارية، ويوجه ضربة مباشرة إلى أسطورة «الانتداب الحضاري» التي ظلّت فرنسا تروّج لها وتتغنى بها طويلاً.
الثورة السورية الكبرى: جريمة حرب مكتوبة بخط اليد
في صيف 1925، اشتعلت سوريا. أصر الفرنسيون على توصيف ما حدث باعتباره «ثورة درزية»، فيما تكشف الوثائق أنها كانت انتفاضة شعبية واسعة امتدت من جبل العرب إلى دمشق وحماة وحلب ووادي التيم. جاء الرد الفرنسي مثالياً إذا ما قيس بمعايير العنف الاستعماري: قصف جوي ومدفعي للمدن، إحراق للأسواق، تدمير للأحياء، وإعدامات ميدانية. لا يعرض الحاج هنا تأويلاً أو موقفاً سياسياً، بل يقدّم ما تقوله الوثائق الفرنسية نفسها.
ففي الوثيقة الأولى، يعترف الجنرال موريس غاملان، قائد جيوش المشرق، بأنّ قواته «وجدت نفسها وجهاً لوجه مع السكان في حالة دفاع مشروع عن النفس»، ويقرّ بأن المركز التاريخي لدمشق دُمّر وأن الخسائر بلغت نحو مليون جنيه إسترليني، مع العثور على 300 جثة في حي الشاغور.
لكن الاعتراف لا يقود إلى المراجعة، بل إلى التبرير، فالدمشقيون «مسؤولون لأنهم لم يتعاونوا». هكذا يظهر منطق المستعمر في أكثر صوره اكتمالاً: يقصفك لأنك لم تخضع.
الوثيقة الأكثر إثارة تأتي في تقرير الكولونيل رينال (الوثيقة 10). بعد شكوى رفعتها القيادة السورية الفلسطينية إلى عصبة الأمم، كُلّف الضابط المتقاعد بإجراء تحقيق. غير أنّ التحقيق انتهى إلى ما يشبه التبرئة المسبقة: استند إلى شهادات مخاتير موالين، ونفى وقوع الفظائع، ووصف الجيش الفرنسي بأنه «جيش الأخلاق النبيلة»، واعتبر الدروز «لعنة الجميع». بيد أنّ الصورة تتصدع في وثائق أخرى.
في الوثيقة الثالثة، يرسل عميد السلك القنصلي في دمشق احتجاجاً رسمياً يتحدث فيه عن «قصف عشوائي بلا إنذار، ووجود النساء والأطفال ضمن دائرة الخطر، وفقدان الأجانب لشعورهم بالأمان». هذا التناقض بين التقرير الرسمي والشهادة الدبلوماسية هو ما يمنح عمل الحاج قيمته، فهو لا يكتفي بالرواية، بل يكشف كيف صُنعت الرواية.
يظهر منطق المستعمر في أكثر صوره اكتمالاً: يقصفك لأنك لم تخضع
تبلغ الإدانة ذروتها مع المرسوم رقم 6002 (الملحق 7)، الذي يجيز أخذ الرهائن، والإعدامات الميدانية، ومصادرة الممتلكات. وما يقوم به الحاج، عبر جمع هذه الوثائق وترجمتها وتعليقها، يشبه عمل محقّق تاريخي يعيد فتح ملف الضحايا بعدما اختفى الجلادون، مظهراً كيف يبدو «القانون الاستعماري» ليس فقط غطاءً للعنف، بل شكله المؤسسي كذلك.
الثورة السورية الكبرى، وفق ما تكشفه هذه الوثائق، لم تكن «أعمال شغب» إذاً بل مقاومة شعبية قُمعت بعنف موثّق. وهذه هي القيمة الأولى للكتاب، محاكمة بالأرشيف والوثائق لا بالشعارات.
ثورة البراق: قائمة سوداء وتهريب سلاح
ينتقل الحاج إلى فلسطين، وتحديداً إلى صيف 1929. قدّمت الرواية البريطانية الرسمية ثورة البراق بوصفها اضطرابات عفوية اندلعت على خلفية دينية، لكن الوثائق الفرنسية ترسم مشهداً مختلفاً وأكثر تعقيداً.
تكشف الوثيقة 51 أنّ سلطات الانتداب أعدّت «قائمة سوداء» قبل الأحداث، ضمت أسماء من بينها المفتي أمين الحسيني وجمال الحسيني، مع توصيات بالمراقبة. وهو ما يوحي بأنّ السلطات كانت تتوقع الانفجار وتستعد له مسبقاً. اللافت أنّ القائمة ضمّت أيضاً أسماء يهودية ذات توجهات بلشفية، ما يكشف أنّ هاجس السلطة البريطانية لم يكن دينياً بقدر ما كان ضبط أي حركة خارجة عن السيطرة.
أما الوثيقة 71، وهي تقرير للقنصل الفرنسي في القدس، فتصف إجراءات القمع: اعتقالات واسعة، إقامة جبرية، تحليق للطيران الحربي، وحضور بحري عسكري قبالة الساحل. على أنّ أكثر ما يلفت في هذا القسم هو ملف تهريب السلاح الصهيوني. في تشرين الثاني (نوفمبر) 1929، ضبطت الشرطة اللبنانية في الشويفات شحنة تضمنت رشاشاً ألمانياً، وبنادق، وقنابل يدوية، وذخائر.
وبحسب التحقيق الفرنسي، لم تكن المسألة مجرد تهريب معزول، بل جزءاً من استعداد لمواجهة مسلحة، تضمن أيضاً محاولات لتوريط عرب في عمليات النقل بما يسمح لاحقاً بقلب الرواية. على هذا النحو، تتحول ثورة البراق، كما يعرضها الحاج، من حدث على وشك الانفجار إلى صراع كان يجري التحضير له على أكثر من مستوى.
شراء الأقلام: حين صار الإعلام جزءاً من المعركة
القسم الأكثر إرباكاً في الكتاب هو الذي يتناول الدعاية الصهيونية ومحاولات التأثير في الصحافة والنخب العربية. تظهر الوثائق أنّ اللجنة الصهيونية في القدس خصّصت ميزانيات للتأثير الإعلامي، وأنّ الوكيل الصهيوني حاييم كالفارسكي لعب دوراً محورياً في توزيع الأموال داخل بيروت ودمشق. تورد بعض الوثائق أسماء صحف وشخصيات سياسية قيل إنها دخلت في قنوات تفاوض أو تلقت عروض دعم مالي مقابل تخفيف الخطاب المعادي للصهيونية أو تعديل نبرته.
اللافت هنا أنّ الحاج لا يتعامل مع هذه المواد بوصفها فضيحةً أخلاقية فقط، إنّما باعتبارها دليلاً على أن الحرب الإعلامية الحديثة ليست ظاهرة معاصرة، بل كانت جزءاً من مشاريع النفوذ منذ بدايات القرن العشرين. في هذا الجزء، لا يتحدث الحاج عن «عدو خارجي» بل عن شراكة مريحة بين آلة دعائية صهيونية ونخب عربية ظلت تُقدّم على أنها «قومية» و«استقلالية». الأرقام واضحة. اللجنة الصهيونية في القدس رصدت 4,000 ليرة فلسطينية في ميزانية 1930 لشراء الصحف (الوثيقة 19).
والوكيل الصهيوني حاييم كالفارسكي هو من وزّع الأموال في بيروت ودمشق. في الوثيقة 15، يعترف تقرير فرنسي بأن صحيفة «لوريان» تلقّت 300 ليرة ذهبية، وصحيفة «سورية» (La Syrie) تلقّت 150 ليرة و«أصبحتا في صف الوكالة اليهودية».
الأسماء العربية صادمة. خير الدين الأحدب، مدير صحيفة «العهد الجديد» تلقى وعوداً بـ400 جنيه فلسطيني عبر رياض الصلح (الوثيقة 21). وقد التزم «بتخفيف حملته على الصهاينة». رياض الصلح نفسه، الذي وصفه الفرنسيون بـ«المحرض الرئيس على التظاهرات المناهضة للصهيونية» (الوثيقة 17)، كان يجتمع مع كالفارسكي في منزل صهيوني (منزل كولبير) ويتفاوض على أسعار تخفيف الهجوم. جبران تويني رفض في البداية (الوثيقة 17)، لكن وثائق لاحقة تشير إلى أنّ ضغط التمويل كان مستمراً.
أما «تحفة» هذا القسم، فهي كتيب محمد الطويل «الحقائق المجهولة» المنشور كاملاً في نهاية الملف. هذا الفلسطيني المتنقل بين الأديان (صار مسيحياً عام 1925 وتزوج يهودية عام 1928) كتب كتيباً بالعربية والعبرية يهاجم فيه المسيحيين ويكفّرهم، ويصف وعد بلفور بأنه «جلب الخير لفلسطين» و«لولا اليهود لكانت بلادنا خراباً يباباً».
بدر الحاج يعلق بمرارة «هذا هو منطق تكفير المسيحيين الذي كانت الصهيونية تروّجه، قبل أن تتحول لاحقاً إلى «حرص» على المسيحيين في لبنان وعلى الدروز والأكراد، وهي استراتيجية فرّق تسد بامتياز». القيمة الكبرى لهذا القسم أنها تثبت أنّ «الحرب الإعلامية» لم تولد مع قنوات «الجزيرة» أو تويتر، بل كانت منذ بدايات المشروع الصهيوني أداة أساسية، وبعض «أبطال القومية العربية» كانوا يتقاضون رواتب من الصهاينة الذين كانوا يخطبون ضدهم في النهار.
محقق تاريخي ينتصر للضحايا بعد فوات الأوان
ما يفعله بدر الحاج في المجلد الثاني هو عمل عدالة تأخر نصف قرن. الاستعمار الفرنسي انسحب من سورية منذ 1946، والبريطاني انتهى قبل عقود، والصهاينة أسسوا دولتهم. لكن جروح تلك الفترة لا تزال مفتوحة، والروايات ما تزال متنازعاً عليها. كأن بدر الحاج يفتح الأرشيف ويقول: هذه هي وثائقكم. هذه اعترافات جنرالاتكم. هذا هو توقيع مندوبكم السامي على مراسيم الإعدامات الميدانية. هذه فواتير شراء ذمم عربكم. على أن تعويله على القارئ ليس لكي يصدّقه، بل في أن يقرأ.
(من المتوقع أن يصدر المجلد الثالث بعد عشرين يوماً)
